جلس قبالته ليقول بهدوء :- خير يا بابا ؟
نظر لزوجته لتبدأ بالحديث إذ أسرعت تقول بتوتر :- حبيبي مش ناوي تفرحنا بيك بقى .
ردد بعدم فهم :- قصد حضرتك إيه ؟
تابعت بحماس :- عاوزة أبقى جدة عجوزة كدة .
ابتسم لحديث والدته ليقول بمداعبة :- لا مهما كبرتي بتفضلي قمر وكأنك بنت عشرين .
أردفت بضحك :- يا واد بطل بكش، ها بقى مقولتليش مش ناوي ؟
رد عليها بمبالاة للموضوع:- ربنا يسهل يا ماما .
أصرت عليه لتقول :- إن شاء الله يا حبيبى، ها بقى قولي أخطبلك أنا ولا في واحدة معينة في دماغك ؟
أتت صورتها في مخيلته على الفور ليجز على أسنانه بغضب أعمى فقد فضلت آخر عليه، وأن كل ذلك سراب وحبه ما هو إلا مجرد ذكرى لم تطبق على الواقع، هتف بضجر :- لا مفيش حد يا أمي.
تابعت بحماس :- طيب أنا العروسة، جمال وأدب إيه ما أقولكش.
ابتسم بسخرية فهو لم يتوقع أن يتزوج بالطريقة التقليدية، بل نسج خيالا ولكنه تحطم فوق رأسه وحده . هتف باستسلام :- اللي تشوفيه اعمليه يا أمي أنا بثق في اختياراتك.
انشرح صدرها للإجابة التي خرجت من فمه لتقول بفرح :- خلاص أدينا أهو إحنا فيها بكرة إن شاء الله نروح نخطبهالك إيه رأيك ؟
هز رأسه بعدم اهتمام ليقول :- اللي تشوفيه يا ماما بعد إذنكم أنا داخل أوضتي.
قال ذلك ثم دلف ليقول أكرم بخبث :- كدة تمام أوي علشان بعد اللي قاله دة مش هيرجع في كلمته ابني وأنا عارفه كويس، دلوقتي فاضل سبيل هطلع عند فادي وأشوف إيه الوضع .
أردفت بدعاء :- يارب أسعد قلب ابني وفرحه.
***************************
عند معقل الشيطان والتفكير الخبيث، يصرخ قلسم في وجهها بغضب :- إزاي بعد ما عشمتيني البنت تهرب في لحظة ؟
هتفت نهلة بغيظ من تعلقه بها وهو لم يرها قط سوى في صورة :- وأنا مالي أنا عملت اللي عليا لحد هنا ودوري خلص .
ردد بتهديد :- بقولك إيه اسمعي كويس البنت دي تيجي تحت رجلي وفي أقرب وقت، أنت سامعة ؟
اعترضت على أوامره قائلة :- ودة إزاي إن شاء الله كنت مصباح علاء السحري ولا مصباح علاء السحري، دي دلوقتي تحت حماية أكرم صبري ودة مش أي حد .
ردد باستخفاف :- ويطلع مين دة كمان ؟ دة أنا بإشارة مني أطربق الدنيا فوق دماغهم كلهم .
ضحكت بسخرية لتقول :- إذا كنت فاكر إن إيدك طايلة فهو بقى بإشارة واحدة يهد المعبد على اللي فوقيه، أحسنلك تشيلها من دماغك وأهو البنات كتير قدامك .
أردف بنفي قاطع :- لا أنا عاوزها هي مش البنات، خلاص راقبيها عندك ووصليلي كل حركة عنها سلام .
********
في اليوم التالي ها قد حانت اللحظة الحاسمة، والتي ستغير مجرى الأمور للجميع، أتى معهم طه وهو يشعر أنه كالمغيب فكيف يقدم على هذه الخطوة ؟ لقد استمع إلى عقله وأن الحب ما هو إلا مجرد وهم، فعليه أن يضع قلبه جانبًا وأن ينظر للأمام ويدفن كل لحظة خلفه، ولكن كل هذه القرارات تبخرت بلحظة، حينما وجد والديه يصعدان لشقة فادي .
صور له عقله أو ربما أمله الأخير بأن الخطبة قد انتهت وها هم قادمون لكي يطلبوا يدها، أخذ قلبه يقرع كالطبول عند هذه النقطة، هل حدث هذا بالفعل ولم يخبروه بذلك ؟
أشرق وجهه وعادت الدماء تجري فيه، فنضرت ملامحه التي ذبلت منذ الآونة الأخيرة.
ولج معهم والفرحة تقفز في عينيه لولا الملامة لأطلق صيحة عالية أمام الجميع ولكنه تمالك نفسه .
بعد أن جلسوا أخذوا يتحدثون تمهيدًا لهذا الأمر المهم .
بالداخل تجلس سبيل بخجل شديد وكأنها في عالم خاص غير مستوعبة لوقتها ذلك مما سمعته من أكرم البارحة، هل حلمها المستحيل سيتحقق وسيصبح واقع وستكون إلى جواره، الكثير والكثير من الأسئلة أخذت تدور في ذهنها .
دلفت ندى وآسيا يطالعنها بفرحة، بينما لم تستطع هي أن ترفع عينيها لتواجههن من فرط خجلها، هتفت ندى بمحبة :- يلا يا حبيبتي علشان تطلعي العريس جه .
وكأن الأمر ينقص إذ ازدادت معدل خفقان قلبها بشدة، تخفق بسعادة وأيضاً بعض الخوف .
مسكت ندى يدها وهي تقول بحنو :- يلا يا بنتي متخافيش إحنا معاكي .
كادت أن تبكي من كم هذه المشاعر فحنانها ليس بمصطنع وتعوضها بالفعل عن أمها التي لم تراها سوى في الصور .
سارت معها للخارج بخطوات بطيئة كالسلحفاة، حتى وصلت للصالة لتجلس بجانب ندى تستمد منها العون والقوة .
تحدث أكرم بابتسامة :- إحنا جايين نطلب أيد بنتنا سبيل لابني طه .
هتف فادي بمرح :- وأحنا مش هنلاقي أحسن منه لسبيل، ها إيه رأيك يا عروسة ؟
وكأن أحد قام ببتر لسانها فما عاد بمقدورها الحديث، وتحول وجهها إلى كتلة طماطم ليكرر فادي النداء :- ها يا سبيل يا بنتي الراجل مستني .
هزت رأسها بنعم دون أن تتفوه بكلمة ليقول بضحك :- وأدي موافقة العريس يبقى على خيرة الله نقرا الفاتحة .
أتدرون شعور الانفصال عن العالم، وأن يحدث أمامك كل شيء وفي الوقت ذاته لا ترى فيه شيء، هذا ما حدث معه بالتحديد ما إن وقع اسمها على أذنه، وكأن من قام بزجه من أعلى قمة ليسقط مصطدمًا بالواقع المرير، عن أي سبيل يتحدثون أليست ابنتهم تدعى آسيا ؟
رفع بصره نحوها ليجدها تلك الماكرة من وجة نظره، احتقن وجهه فجأة واشتعل غضبًا، نظر بغيظ شديد لوالده وأمه اللذان وضعاه في مثل هذا المأزق، هو توقع أن تكون أي واحدة من الحي أو على الأقل ابنة خاله، ولكن لم يكن في مخيلته أبدًا أن تكون هذه الفتاة اللعوب .
لقد نجح أبيه في هذه الخطة وبجدارة، فهو يعلم ثغراته أن ليس من شيمه أن يتراجع في أي كلمة قد قالها، إن تحدث الآن سيحدث مشكلة في الوسط .
حدجها بنظرات نارية وود لو ينهض ويفعل أي شيء ليمحي هذه الابتسامة التي تستفزه من على ثغرها، جلس بهدوء عكس إعصار تسونامي المدمر الذي بداخله .
سبحان من أرسل عليه السكينة والهدوء ليظل بهذا الثبات، انقضت الأمسية على خير واضطر أن يجاري والده، في الحديث بعدما وقع في المصيدة .
ما إن دلفوا المنزل هتف بغضب ساحق :- ممكن أعرف إيه المسلسل البايخ اللي حصل تحت دة ؟
تحدث أكرم بصرامة وصوت عال:- ولد هتعلي صوتك عليا ولا إيه، والله عال أوي.
صمت يحاول أن يسيطر على حالته عندما يجتاحه الكمد، ورد بهدوء على قدر استطاعته :- بابا أنت حطتني في موقف زفت .
رد بهدوء ومكر :- والله محدش أجبرك على حاجة، أفتكر أنت قولت إيه كويس .
ردد بغيظ :- أنت بتستغل دة كويس على فكرة، ماشي يا بابا أنا همشي معاكم للآخر.
تدخلت شهد قائلة بفرح :- على فكرة دي اختياري وانت قولت إنك واثق فيا، بصراحة البنت مفهاش حاجة تتعيب.
ردد بسخرية:- اه فعلا دي يدوب راحت لواحد أوضته في الفندق فعلا ما تتعيبش.
أردف أكرم بضيق :- أنت عارف كويس أنه غصب عنها، وهي لو مكانتش كويسة مكانتش رجعت، حط نفسك مكانها ساعتها هتعذرها اه هي غلطت وغلط كبير كمان بس الحمد لله ربنا ستر .
أردف باعتراض :- وايه اللي عرفك إنها كدة مش يمكن كدبت عليكم وهي مصاحبة البنت إياها.
أردف بتعنيف :- كلام إيه دة يا ابني، دة أنا كنت واقف وكان لسة مجاش بلاش تتهم حد طالما معندكش دليل دة ذنب كبير بلاش تقرب منه، على العموم دلوقتي احنا مش هنرجع في كلامنا ولا عاوز تصغرنا ؟ وصدقني هي دي المناسبة ليك مش معنى إنك فشلت قبل كدة تقف مكانك، بص حواليك كويس ساعتها هتعرف كويس مين اللي يستاهل يسكن هنا.
قال ذلك ثم أشار ناحية قلب ابنه، ليطالعه طه بدهشة وتساؤل هل يعلم بحبه لآسيا، ليقطع الشك باليقين حينما قال أكرم:- أيوة عارف ونصيحة أب لابنه طلعها من دماغك كلها أيام وهتبقى على ذمة راجل .
هز رأسه بعدم اقتناع وبداخله يتوعد لسبيل، لقد اختارت طريقها بنفسها فلا تلوم أحدًا إلا نفسها .
بينما في الأعلى انعكس الأمر تمامًا حيث تمددت على الفراش والإبتسامة لا تفارق ثغرها، ها قد حققت أول الخطوات لتظل بجانبه، شعرت بأنه أخيرًا قد ضحكت لها الدنيا، وستعطيها حقها من السعادة، ضحكت بخفوت من فرط سعادتها وأردفت بحب :- أخيرًا هبقى معاه . بقلم زكية محمد
وأخذت تسرح بخيالها وهي تعتقد أنه أتى لخطبتها طواعية، ولا تظن هذه المسكينة أنها على أعتاب ايام لا يعلمها سوى الله .
**************************
رواية ملتقي القلوب كاملة جميع الفصول بارت ١٤
يتابع عمله بالمشفى بتعب بعد خوض عمليات عدة منذ أن أتى اليوم، استمع إلى طرق الباب تبعه دلوف سالي وهي تحمل كوبًا من العصير الطازج، ابتسمت له بوداعة لتمد له الكوب قائلة برقة :- اتفضل يا دكتور العصير زمانك تعبت من العمليات .
تناول منها الكوب وهو يقول بأسلوب عملي :- اه فعلا يا سالي تعبت أوي النهاردة وحاسس إن راسي هتنفجر من كتر الصداع، هراجع شوية شغل وأروح علطول .
شرب الكوب بأكمله فهو عطش للغاية ومن كثرة انشغاله نسى أن يسأل عن حاله، أخذ يتابع عمله غافلًا عن النظرات التي ترمقها له الجالسة قبالته، والتي نهضت وتوجهت خلفه وبجرأة غير معهودة منها وضعت كفيها على كتفي سفيان تدلكهما برفق، والذي انتفض إثر حركتها تلك فابتعد وهو يقول باستنكار :- أنتِ بتعملي إيه ؟
أردفت ببراءة مصطنعة :- قولت اعملك مساج يفك عضلات جسمك .
جعد أنفه بضيق ليقول :- لا شكراً مش محتاج مساج تقدري تروحي تكملي شغلك .
شعرت بالحرج والهزيمة أيضاً، فهي اعتقدت أنها حققت شوطا في الاقتراب منه وأنه استسلم، ولكن هيهات فقلبه معلق بمن اغرم بها من الوهلة الأولى.
انصرفت وهي تجر أذيال الخيبة معها والغضب قد تملك منها، بينما جلس هو ينفض كتفيه بضيق وكأن بفعلته تلك يزيل لمستها وكأنها مرض معدي .
على الجانب الآخر اختبئت تقى خلف إحدى الجدران ما إن رأتها تخرج، والإبتسامة الواسعة تعلو وجهها فقد أتت صدفة ووجدت الباب غير مقفول على آخره، وعندما رأت هذه الشمطاء وقفت تراقب ردة فعل زوجها، وحينما رأت الموقف برمته تأكدت بالفعل أنه لا يكذب عليها، وأن هذه الوقحة هي من تفعل ذلك لإثارة غيظها كما قالت لها ندى في السابق، لن تسمح لها بذلك ستكشر عن أنيابها في سبيل الدفاع عن حبها فكل شيء مباح في # والحب .
دلفت الغرفة كالاعصار وجدته يقف يوليها ظهره وهو يزفر بضيق، حاوطت ذراعيها خصره فكاد أن يعنفها ولكن تعرف عليها فورًا فقام بسحبها لتستقر بين أضلعه، احتضنها بقوة وظل صامتًا للحظات عقله يعمل، الآن يقدم لها العذر على ما فعلته فقد كانت ترى الجانب السيء في سالي والذي للأسف لم يلحظه هو .
هتفت تقى بحب وامتنان :- أنا بحبك أوي يا سفيان .
عاد من هالة المشاعر تلك لنقطة ما، ليمسكها ن يديها لتكون في مقابلته وهو يقول بمرح :- يعني أنتِ جاية من البيت مخصوص علشان تقوليلي بحبك يا سفيان !
