رواية بقلم سوما العربي الجزء الخامس

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات

حلا : أنتي بتقولي لمين حبيبي؟

رنا : لغانم .

شهقت حلا : أنتي لحقتي .

رنا : لحقت إيه ، ده انا وقعت ولا حدش سمى عليا .

حلا : يعني طلع حلو زي الصور

رنا : لأ صور أيه ، سيبك من الصور خالص ، ده هو حاجة تانية و أحلى كتير .

صمتت حلا تماما و بدأت تستمع لمدح رنا في حبيبها غانم و وصفها له بالتفصيل الممل حتى أنها بدأت تصف في رائحة عطره و طريقة سيره و جلوسه

و ظلت هكذا لفترة كلما ذهبت للقاءه عادت تحكي لحلا أدق أدق التفاصيل حتى بدأت تتغير ، ذبل نضارها و شحب لونها ، كانت كمن يحمل هماً ثقيلاً و توقفت عن الحكي .

حتى أنها كانت تصد حلا في الحديث كلما تطرقت للأمر و أحياناً تجاوب بأقتضاب متهربة .

و من بعدها كان يوم يجر الأخر حتى أستيقظ أهل القريه و هم في طريقهم للحقول صباحا في الفجر على جثة إحدى الفتيات الغارقة في دماء قد لونت كل ثيابها ليتعرف عليها أحد الفلاحين مردداً : يا سنة سوخة يا ولاد ، دي البت رنا ، رنا بنت الحاج عبد الرازق .

و من هنا بدأت الدوامة التي أفضت بوجود حلا الأن في بيت غانم صفوان غانم.

عادت من شرودها على صوت دقات الباب و معه صوت كرم : حلاا ، يا حلا.

تنهدت بصوت عالي ، لم يكن ينقصها عصفورة سلوى هو الآخر.

وقفت من مكانها و ذهبت لتفتح الباب ثم قالت : نعم .

كرم : الست سلوى على التليفون عايزاكي.

سمعت أسمها و ارتبكت قليلاً كأنها تسرق ، هنا أدركت أنها متورطة في شيء ما ، شئ يخص المشاعر ، ما يشبه الخيانة و سرقة الرجال .

و إلا ما كانت لترتبك و تتوتر هكذا .

ابتلعت رمقها و تناولت الهاتف من كرم ثم قالت: ألو … أيوه يا مدام ، أزاي حضرتك .

وصل لها صوت سلوى تردد برعونة شديدة : هو ايه اللي أزيك؟ أنتي هتاخدي عليا و لا إيه ؟ ماتنسيش نفسك ، أسمعي ، تخرجي دلوقتي لجنينة البيت تنضفيها كلها و تشقي الشجر و براحة على النعناع أنتي فاهمه ، بعدها تكنسي المكان و ترشيه لو كرم قالي إن في عقب سجارة واحد هتبقى سنتك سودة أنتي سامعة ؟

شعرت أن تلك هي فرصتها لذا قالت : لأ مش سامعة .

أتسعت عينا كرم و هو يسمع ما يقال كذلك صدمت سلوى و قالت: نعم ؟ أنتي أتحننتي بقا .

حلا : أحترمي نفسك ، أنا مش شغالة عندك عشان تقولي كده .

سلوى : نعم ؟ امال أنتي إيه.. ما أنتي خدامة ، أنتي هتنسي نفسك ؟

حلا : كنت و مابقتش .

سلوى : الله الله.. إيه قوة القلب دي ، إيه إلي أتغير بقا يا ست حلا مش كنتي جايه خدامة.

أرتبكت حلا قليلاً تشعر بإتهام سلوى الغير منطوق فقالت بتوتر : أنا جيت هنا لخدمة البيت مش جناينية .

سلوى : الجنايني مشي ، تعب و مشي و لسه ماجبناش حد و أنا صاحبة البيت ده و بأمرك تنفذي .

حلا : خلاص أسيب الشغل و أمشي

سلوى : براحتك يا كتكوتة من قلة الخدامين يعني ، بس مافيش مشيان غير لما الي قولته يتنفذ و إلا هتطلعي من البيت بسريقة .

أغلقت الهاتف في وجهها و بقيت حلا مبهوتة لثواني معدودة ثم تحركت بصمت تام ناحية حديقة البيت تنفذ ما أمر منها .

أمام مصنع غانم

كان عزام يقف بملل شديد يحتسي كوب شاي ساخن صنع له .

إلي أن خرج العم جميل من الداخل و وقف معه مردداً: مالك كده ، الزهق طافح على وشك

عزام: ما الشغل هنا على خفيف أوي ، تقريباً مش بعمل حاجة.

جميل : هاااا.. وحشك البيه و خروجات البيه مش كده ؟

عزام : صراحة أه ، أقله كان في حركة كده ، ألا قولي يا عم جميل ، حلا أخبارها إيه ؟

نظر له جميل بمقت شديد ثم قال : لا هو انت بتسألني أنا ، أنت يا واد من يوم ما مشيت من البيت لحد دلوقت لسه ماظبطش حالك وياها .

هز عزام رأسه بيأس وقال: لأ .

جميل: روح إلهي يخيبك ، ما تتلحلح يا واد ، كلمها و قرب منها .

عزام: إزاي بس يا عم جميل ، ما البيه زي ما يكون نقلني هنا عشان يبعدني عنها ، مش بقولك عينه منها .

صر جميل أسنانه بغيظ و قال من بينهما: و أنت كمان عينك منك ماتاخدهاش انت ليه ، احسن منك في ايه البيه .

عزام: ما هو مال و جاه و حسب و نسب ، أكيد مش هتبص لفرد أمن يعني

ثار جميل و خرجت كل الأمور عن سيطرته و صرخ فيه : و ماله فرد الأمن يعني ، ما يمكن ارجل من البيه و إلي خلفوه ….. أسمع ، أنت تطلع دلوقتي على البيت تكلمها ، البيه مش هناك ، راح يبص على المحصول الجديد ، و أنا هسهل دخولك و أغطي مكانك هنا … يالا أتلحلح.

تهلل وجه عزام بفرحة و قال : و النبي صحيح ، تشكر يا عم جميل.

كاد أن يتحرك لكنه عاد و توقف أمام جميل يسأل : بس مش غريبة ، أنت بتساعدني أنا ليه ؟ و الموضوع ده سيرته بتعصبك أوي كده .

نظر له جميل و قال: أصلك بتفكرني بنفسي زمان .. زمان أوي..

فسأل عزام بفضول قاتل: ايه اللي حصل.

شرد جميل قليلاً ثم أستفاق على صوت عزام الملح ليقول له : أنت لسه هتضيع الوقت و تستفسر ، يالا أتحرك روح لها و خليها تسيب البيت و تمشي معاك ، قعادها في بيت غانم مش في مصلحتك .

عزام : أيوه صح ، لازم أروح لها … بس… مش هتقولي ايه حكايتك ؟

تنهد جميل بحرارة و قال : كل إلي أقدر أقوله إن كلنا في الهوى مجاريح ، و ساعات الزمن بيعيد نفسه من تاني ، روح يا عزام روح ما تضيعش وقت .

إنصاع عزام لحديث جميل و ذهب و قد عزم على مصارحة حلا اليوم .

في حديقة بيت غانم

انكفئت على الأرض تنضف الحشائش و تقتلع الطويل منها ، تنظيفها تنظيف تام كما طلب منها ، حتى أن معظم ملابسها قد ابتلت من الماء الذي سقت منه النجيله الخضراء .

وقفت تسقي أخر شجرة و هي تلهث من التعب و قد تصبب وجهها عرقاً لتجد صوت أحدهم يناديها من الخلف .

ألتفت لتبصر عزام واقف بين مجموعة من الشجر متخفي بغصونها ، ذهبت إليه بسرعة تسأل: عزام ؟! أنت رجعت .

أبتسم لها بإتساع يردد : لأ ، ده انا جاي سرقة .

رددت بصدمة : سرقة ؟ ليه كده ؟

عزام : عشان أشوفك يا حلا … حلا انا عايز اقولك كلام… كلام مهم أوي … و دي فرصتي و مش هضيعها ، بصي يا حلا أنا بصراحة… أنا معجب بيكي و….

قاطعه صوت أحد أفراد الأمن يناديها : أنسة حلا..في حد على البوابة عايزك .

عادت تنظر لعزام و قالت: لازم أروح و أنت أمشي لا حد يشوفك.

لكن عزام قال بإصرار : لأ أنا لازم أتكلم معاكي ضروري .

زمت شفتيها لا تعلم كيف تتصرف ثم قالت : لازم تمشي و أنا لازم أروح ، يالا بسرعة.

كان يعلم أن معها حق لذا هز رأسه و ذهب سريعاً و هي كانت تنظر لأثره مردده : حكايتك إيه يا عزام ، هو انا كنت ناقصة ، كده هأذيه معايا و هو مالوش ذنب.

انتفضت على صوت الأمن يناديها مجدداً فذهبت في عجالة خصوصاً و هي تعلم بهوية السائل عنها بل و تنتظره .

وقفت بجوار الباب بعيده نسبياً عن الحرس أمام عادل يفصل بينها سور حديدي يعلو سور البيت ، مد يده بكتاب ثم قال لها : كله تمام و هتلاقيه في الكتاب .

نظرت حلا حولها ثم سألت : يعني ظبطت كل حاجة و هتخلص بسرعه؟

عادل: كلها أيام ، ما تقلقيش..

أبتلع رمقه و هو يتلفت حوله ثم قال بصوت هامس: بس بقولك ايه…. خمسه و عشرين ألف مش كفاية.. أنا غيرت اتفاقي.

استمعت حلا لبوق سيارت غانم لتعلم أنه قد عاد فقالت على عجالة : نعم ؟ عايز كام يعني ؟

جاوب عادل بسرعة: تلاتين ألف.

صدح صوت غانم الغاضب يهز البيت كله هزاً : حلاااااااااااا .

ارتعدت أوصالها و قالت لعادل: خلاص موافقه ، سلام .

هرولت بسرعة مبتعدة و عادل ينظر لأثرها بصدمة يضرب كف بآخر مردداً: دي وافقت ، شكلي أتسرعت كنت قولت لها خمسة و تلاتين .

زم شفتيه بضيق ثم رحل سريعاً.

أما غانم فقد وقف يغلي على نار من نار و حطب و هو يراها بثوبها الأبيض الملتصق على جسدها الناري يفصله تفصيلاً و عيون الرجال تحملق بها و هي تقف لا مبالية تماماً.

ذهب إليها بسرعه يخلع عنه معطفه الشتوي الطويل و ضعه عليها و هي تحاول الحديث : أنا كنت ….

ليقاطعها بنظرة من عينه مردداً: و لا كلمة زيادة هنا ، يالا على جوا .

سحبها معها و هو يكتف يديها و جسدها يلفهم بالمعطق قابضاً بيده علي مقدمته ثم يجرها خلفه.

ذهب بها حيث غرفتها يدفش الباب بقدمه ثم يدفعها معه للداخل .

ألقاها على السرير و وقف أمامها يقول : إيه.. ها… إيه.. واقفه بهدوم لازقة على جسمك كله و عيون الرجالة هتاكلك أكل و أنتي و لا همك ، إيه بتستعرضي نفسك قدامهم ، ده انا أدفنك مكانك.. إنتي فاهمه.

هزت رأسها برعب ثم قالت: والله ابداً ، ده انا كنت بشتغل و أتبهدلت .

غانم: و الله ؟ شغل إيه ده إلي في الجنينه.

فقالت حلا بتحدي : الست سلوى إلي طلبت ، شغلتني شغل الجنايني كله .

رمش بعيناه ثم سأل بضيق و صدمة : إيه ؟ شغل الجنايني ؟ إزاي ؟ ده كتير أوي و عايز راجل عفي و كلة مرمطة .

شعرت بغصة في حلقها خصوصاً و هي تشعر بتعب شديد بدأ في السيطرة عليها و رددت : و هو أنا شغلتي هنا إيه ، ما خدمة و مرمطة .

جلس لجوارها يقول : ما تقوليش كده تاني و أنا سبق و طلبت منك تبطلي شغل أصلا و….

كاد أن يكمل لولا تذكره شيئ فصل الكهرباء عن عقله و قال: أنا شوفتك كنتي واقفه مع حد. مين ده ؟ أنطقي.

خافت كثيراً من هيئته و تحوله المفاجئ و قالت: ده عادل.. عادل كان جايب لي حاجة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى