حلا : أنتي بتقولي لمين حبيبي؟
رنا : لغانم .
شهقت حلا : أنتي لحقتي .
رنا : لحقت إيه ، ده انا وقعت ولا حدش سمى عليا .
حلا : يعني طلع حلو زي الصور
رنا : لأ صور أيه ، سيبك من الصور خالص ، ده هو حاجة تانية و أحلى كتير .
صمتت حلا تماما و بدأت تستمع لمدح رنا في حبيبها غانم و وصفها له بالتفصيل الممل حتى أنها بدأت تصف في رائحة عطره و طريقة سيره و جلوسه
و ظلت هكذا لفترة كلما ذهبت للقاءه عادت تحكي لحلا أدق أدق التفاصيل حتى بدأت تتغير ، ذبل نضارها و شحب لونها ، كانت كمن يحمل هماً ثقيلاً و توقفت عن الحكي .
حتى أنها كانت تصد حلا في الحديث كلما تطرقت للأمر و أحياناً تجاوب بأقتضاب متهربة .
و من بعدها كان يوم يجر الأخر حتى أستيقظ أهل القريه و هم في طريقهم للحقول صباحا في الفجر على جثة إحدى الفتيات الغارقة في دماء قد لونت كل ثيابها ليتعرف عليها أحد الفلاحين مردداً : يا سنة سوخة يا ولاد ، دي البت رنا ، رنا بنت الحاج عبد الرازق .
و من هنا بدأت الدوامة التي أفضت بوجود حلا الأن في بيت غانم صفوان غانم.
عادت من شرودها على صوت دقات الباب و معه صوت كرم : حلاا ، يا حلا.
تنهدت بصوت عالي ، لم يكن ينقصها عصفورة سلوى هو الآخر.
وقفت من مكانها و ذهبت لتفتح الباب ثم قالت : نعم .
كرم : الست سلوى على التليفون عايزاكي.
سمعت أسمها و ارتبكت قليلاً كأنها تسرق ، هنا أدركت أنها متورطة في شيء ما ، شئ يخص المشاعر ، ما يشبه الخيانة و سرقة الرجال .
و إلا ما كانت لترتبك و تتوتر هكذا .
ابتلعت رمقها و تناولت الهاتف من كرم ثم قالت: ألو … أيوه يا مدام ، أزاي حضرتك .
وصل لها صوت سلوى تردد برعونة شديدة : هو ايه اللي أزيك؟ أنتي هتاخدي عليا و لا إيه ؟ ماتنسيش نفسك ، أسمعي ، تخرجي دلوقتي لجنينة البيت تنضفيها كلها و تشقي الشجر و براحة على النعناع أنتي فاهمه ، بعدها تكنسي المكان و ترشيه لو كرم قالي إن في عقب سجارة واحد هتبقى سنتك سودة أنتي سامعة ؟
شعرت أن تلك هي فرصتها لذا قالت : لأ مش سامعة .
أتسعت عينا كرم و هو يسمع ما يقال كذلك صدمت سلوى و قالت: نعم ؟ أنتي أتحننتي بقا .
حلا : أحترمي نفسك ، أنا مش شغالة عندك عشان تقولي كده .
سلوى : نعم ؟ امال أنتي إيه.. ما أنتي خدامة ، أنتي هتنسي نفسك ؟
حلا : كنت و مابقتش .
سلوى : الله الله.. إيه قوة القلب دي ، إيه إلي أتغير بقا يا ست حلا مش كنتي جايه خدامة.
أرتبكت حلا قليلاً تشعر بإتهام سلوى الغير منطوق فقالت بتوتر : أنا جيت هنا لخدمة البيت مش جناينية .
سلوى : الجنايني مشي ، تعب و مشي و لسه ماجبناش حد و أنا صاحبة البيت ده و بأمرك تنفذي .
حلا : خلاص أسيب الشغل و أمشي
سلوى : براحتك يا كتكوتة من قلة الخدامين يعني ، بس مافيش مشيان غير لما الي قولته يتنفذ و إلا هتطلعي من البيت بسريقة .
أغلقت الهاتف في وجهها و بقيت حلا مبهوتة لثواني معدودة ثم تحركت بصمت تام ناحية حديقة البيت تنفذ ما أمر منها .
أمام مصنع غانم
كان عزام يقف بملل شديد يحتسي كوب شاي ساخن صنع له .
إلي أن خرج العم جميل من الداخل و وقف معه مردداً: مالك كده ، الزهق طافح على وشك
عزام: ما الشغل هنا على خفيف أوي ، تقريباً مش بعمل حاجة.
جميل : هاااا.. وحشك البيه و خروجات البيه مش كده ؟
عزام : صراحة أه ، أقله كان في حركة كده ، ألا قولي يا عم جميل ، حلا أخبارها إيه ؟
نظر له جميل بمقت شديد ثم قال : لا هو انت بتسألني أنا ، أنت يا واد من يوم ما مشيت من البيت لحد دلوقت لسه ماظبطش حالك وياها .
هز عزام رأسه بيأس وقال: لأ .
جميل: روح إلهي يخيبك ، ما تتلحلح يا واد ، كلمها و قرب منها .
عزام: إزاي بس يا عم جميل ، ما البيه زي ما يكون نقلني هنا عشان يبعدني عنها ، مش بقولك عينه منها .
صر جميل أسنانه بغيظ و قال من بينهما: و أنت كمان عينك منك ماتاخدهاش انت ليه ، احسن منك في ايه البيه .
عزام: ما هو مال و جاه و حسب و نسب ، أكيد مش هتبص لفرد أمن يعني
ثار جميل و خرجت كل الأمور عن سيطرته و صرخ فيه : و ماله فرد الأمن يعني ، ما يمكن ارجل من البيه و إلي خلفوه ….. أسمع ، أنت تطلع دلوقتي على البيت تكلمها ، البيه مش هناك ، راح يبص على المحصول الجديد ، و أنا هسهل دخولك و أغطي مكانك هنا … يالا أتلحلح.
تهلل وجه عزام بفرحة و قال : و النبي صحيح ، تشكر يا عم جميل.
كاد أن يتحرك لكنه عاد و توقف أمام جميل يسأل : بس مش غريبة ، أنت بتساعدني أنا ليه ؟ و الموضوع ده سيرته بتعصبك أوي كده .
نظر له جميل و قال: أصلك بتفكرني بنفسي زمان .. زمان أوي..
فسأل عزام بفضول قاتل: ايه اللي حصل.
شرد جميل قليلاً ثم أستفاق على صوت عزام الملح ليقول له : أنت لسه هتضيع الوقت و تستفسر ، يالا أتحرك روح لها و خليها تسيب البيت و تمشي معاك ، قعادها في بيت غانم مش في مصلحتك .
عزام : أيوه صح ، لازم أروح لها … بس… مش هتقولي ايه حكايتك ؟
تنهد جميل بحرارة و قال : كل إلي أقدر أقوله إن كلنا في الهوى مجاريح ، و ساعات الزمن بيعيد نفسه من تاني ، روح يا عزام روح ما تضيعش وقت .
إنصاع عزام لحديث جميل و ذهب و قد عزم على مصارحة حلا اليوم .
في حديقة بيت غانم
انكفئت على الأرض تنضف الحشائش و تقتلع الطويل منها ، تنظيفها تنظيف تام كما طلب منها ، حتى أن معظم ملابسها قد ابتلت من الماء الذي سقت منه النجيله الخضراء .
وقفت تسقي أخر شجرة و هي تلهث من التعب و قد تصبب وجهها عرقاً لتجد صوت أحدهم يناديها من الخلف .
ألتفت لتبصر عزام واقف بين مجموعة من الشجر متخفي بغصونها ، ذهبت إليه بسرعة تسأل: عزام ؟! أنت رجعت .
أبتسم لها بإتساع يردد : لأ ، ده انا جاي سرقة .
رددت بصدمة : سرقة ؟ ليه كده ؟
عزام : عشان أشوفك يا حلا … حلا انا عايز اقولك كلام… كلام مهم أوي … و دي فرصتي و مش هضيعها ، بصي يا حلا أنا بصراحة… أنا معجب بيكي و….
قاطعه صوت أحد أفراد الأمن يناديها : أنسة حلا..في حد على البوابة عايزك .
عادت تنظر لعزام و قالت: لازم أروح و أنت أمشي لا حد يشوفك.
لكن عزام قال بإصرار : لأ أنا لازم أتكلم معاكي ضروري .
زمت شفتيها لا تعلم كيف تتصرف ثم قالت : لازم تمشي و أنا لازم أروح ، يالا بسرعة.
كان يعلم أن معها حق لذا هز رأسه و ذهب سريعاً و هي كانت تنظر لأثره مردده : حكايتك إيه يا عزام ، هو انا كنت ناقصة ، كده هأذيه معايا و هو مالوش ذنب.
انتفضت على صوت الأمن يناديها مجدداً فذهبت في عجالة خصوصاً و هي تعلم بهوية السائل عنها بل و تنتظره .
وقفت بجوار الباب بعيده نسبياً عن الحرس أمام عادل يفصل بينها سور حديدي يعلو سور البيت ، مد يده بكتاب ثم قال لها : كله تمام و هتلاقيه في الكتاب .
نظرت حلا حولها ثم سألت : يعني ظبطت كل حاجة و هتخلص بسرعه؟
عادل: كلها أيام ، ما تقلقيش..
أبتلع رمقه و هو يتلفت حوله ثم قال بصوت هامس: بس بقولك ايه…. خمسه و عشرين ألف مش كفاية.. أنا غيرت اتفاقي.
استمعت حلا لبوق سيارت غانم لتعلم أنه قد عاد فقالت على عجالة : نعم ؟ عايز كام يعني ؟
جاوب عادل بسرعة: تلاتين ألف.
صدح صوت غانم الغاضب يهز البيت كله هزاً : حلاااااااااااا .
ارتعدت أوصالها و قالت لعادل: خلاص موافقه ، سلام .
هرولت بسرعة مبتعدة و عادل ينظر لأثرها بصدمة يضرب كف بآخر مردداً: دي وافقت ، شكلي أتسرعت كنت قولت لها خمسة و تلاتين .
زم شفتيه بضيق ثم رحل سريعاً.
أما غانم فقد وقف يغلي على نار من نار و حطب و هو يراها بثوبها الأبيض الملتصق على جسدها الناري يفصله تفصيلاً و عيون الرجال تحملق بها و هي تقف لا مبالية تماماً.
ذهب إليها بسرعه يخلع عنه معطفه الشتوي الطويل و ضعه عليها و هي تحاول الحديث : أنا كنت ….
ليقاطعها بنظرة من عينه مردداً: و لا كلمة زيادة هنا ، يالا على جوا .
سحبها معها و هو يكتف يديها و جسدها يلفهم بالمعطق قابضاً بيده علي مقدمته ثم يجرها خلفه.
ذهب بها حيث غرفتها يدفش الباب بقدمه ثم يدفعها معه للداخل .
ألقاها على السرير و وقف أمامها يقول : إيه.. ها… إيه.. واقفه بهدوم لازقة على جسمك كله و عيون الرجالة هتاكلك أكل و أنتي و لا همك ، إيه بتستعرضي نفسك قدامهم ، ده انا أدفنك مكانك.. إنتي فاهمه.
هزت رأسها برعب ثم قالت: والله ابداً ، ده انا كنت بشتغل و أتبهدلت .
غانم: و الله ؟ شغل إيه ده إلي في الجنينه.
فقالت حلا بتحدي : الست سلوى إلي طلبت ، شغلتني شغل الجنايني كله .
رمش بعيناه ثم سأل بضيق و صدمة : إيه ؟ شغل الجنايني ؟ إزاي ؟ ده كتير أوي و عايز راجل عفي و كلة مرمطة .
شعرت بغصة في حلقها خصوصاً و هي تشعر بتعب شديد بدأ في السيطرة عليها و رددت : و هو أنا شغلتي هنا إيه ، ما خدمة و مرمطة .
جلس لجوارها يقول : ما تقوليش كده تاني و أنا سبق و طلبت منك تبطلي شغل أصلا و….
كاد أن يكمل لولا تذكره شيئ فصل الكهرباء عن عقله و قال: أنا شوفتك كنتي واقفه مع حد. مين ده ؟ أنطقي.
خافت كثيراً من هيئته و تحوله المفاجئ و قالت: ده عادل.. عادل كان جايب لي حاجة .