رواية بقلم سوما العربي الجزء الثالث

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات

دلف والدها هو الآخر يسأل : عملت ايه للبت ، إيه إلي جرى يا سلوى ؟

تجهم وجه غانم بضيق شديد ثم قال: هو في ايه ، إيه الطريقة دي ، إيه…. مجوزينها لقتال قتلا … عيب عليكوا إلي بتعملوه ده ، أنا مش هفضل ماسك نفسي كتير .

رضا : أنت بتعلي صوتك علينا؟

غانم : أه بعلي صوتي عليك و لو مالمتش نفسك هتشوف وش مش هيعجبك ،انا سكت لك كتير أوي عشان عامل خاطر لسنك و عشان بنتك ، بس أنت الظاهر كده سوقت فيها .

حاولت سلوى التحدث : غانم ، عيب كده .. أنت بتزعق لبابا؟

إلتف غانم لها و قال : يعني مش شايفه أبوكي قال إيه ، ده بدل ما تقولي له يحترم نفسه .

رضا: لااااا ، ده انت زودتها أوي.

كاد غانم أن يتحدث لكنه تذكر وضع زوجته و طفله الآن فصمت… أطبق أصابعه في قبضة محكمة كأنه هكذا يكظم غيظه ثم خرج كالأعصار و صفع الباب خلفه.

دلف للبيت بمنتصف الليل منهك القوى يجر قدميه جراً .

منهك القوى ، روحه متعبه ، اليوم كان صعب جداً و الضغط مضاعف ، من ناحية تعب سلوى و حياة طفله المهددة بالخطر و من ناحية الضغط العصبي المتمثل في إستفزاز أهل زوجته .

ما عاد يتحمل مطلقاً ، نظر في أرجاء البيت بصمت تام.

لم تكن أبدا تلك هي الحياة التي يريد ، البيت بارد و باهت رغم أنه نفس البيت العتيق الدافئ الذي كبر و تربى فيه على قصة الحب العظيمة التي كانت بين والده و والدته .

أغمض عيناه بتعب ، يتذكر كيف ماتا ، فللحب مرار يعادل حلاوته.

فلم يتحمل والده أن حبيبة عمره أصيبت بالسرطان و تحول من رجل قوي ضخم الجثة شديد الهيبة لرجل متعب يعرف الدمع عيناه كلما رآها و هي تتألم من جرعات الكيماوي و بدلاً من أن يقويها و يساندها مات ….. لتموت بعده بأسابيع لكن ليس من السرطان و إنما حزناً عليه … هكذا أخبره الطبيب .

ليصل في النهاية إلى حقيقة واحدة و هو أن الحب مؤلم أحياناً…. مؤلم جداً.

لذا لم يفكر مرتين حين أبرم مع رضا تلك الصفقة العظيمة ، خصوصاً و أنها على قدر من الجمال و متعلمة و ابنة أصل .

سحب نفس عميق و هو ينظر لباب غرفة حلا ، و هو قادم في الطريق كان ينهبه نهباً بسيارته كي يصل سريعاً يود أخذ جرعته اليوميه منها .

لكنه الآن توقف ، ما عاد يريد ، لن يقع في فخ الحب كما عاهد نفسه ،و ليظل قلبه ملك له .

كذلك سلوى لا تستحق الغدر مطلقاً رغم كل عيوبها ، و طفله القادم يلزمه حياة أسرية سعيدة و رائعة .

فلم يتردد … ذهب لغرفته كي ينام… أو يحاول .

صباح يوم جديد أستيقظ من نومه على صوت ضحكات عالية صاخبة .

فتح عيناه بتشوش و أنزعاج و نظر حوله ليجد الغرفه خاليه و لم تمر ثواني حتى تعاقبت على ذهنه ذكريات أمس من مرض زوحته و مكوثها في المشفى ليلة أمس .

قطب جبينه وهو يسأل نفسه من سبب كل تلك الضحكات الرنانة.

دارت عيناه فى محجريها و قد ورد لذهنه شخصية واحدة لينفض عنه الغطاء و يقف سريعاً ثم يذهب ناحية النافذه ، يزيح الستار ثم يفتح الزجاج .

صك أسنانه بغضب جم و هو يتأكد من حدثه ، فصوت تلك الضحكات الرنانة آتي من تلك البطة البيضاء التي يؤيها في بيته .

تشنجت ملامح وجهه بغضب ناري و هو يرى كلا تقف في الحديقة مرتديه فستان وردي أسفل ركبتيها بقليل ، يضيق على الصدر و الفخذ ، متخذ شكل جسمها الفتاك و قد رفعت شعرها على شكل كحكة عالية ليظهر جيدها ناصع البياض.

منظرها وحده مستفز لأي بشري مهما كانت طاقة تحمله.

كل ذلك و لم تكتفي بل كانت تقف و بيدها صحن صغير تأكل منه و هي تتحدث مع عزام و تضحك على نكات سخيفة يقولها.

غلت الدماء في عروقه و تمكن الغيظ منه ، أغلق النافذة على الفور و هو يحاول كتم غيظه ثم يردد متظاهراً بالا شيئ كي يقنع عقله: عادي عادي .. عادي يا معلم عادي .. واحده و بتضحك ، هي حرة.

رفع رأسه عالياً في محاولة شديدة البأس منه للسيطرة على أنفعالاته ، يثبت لنفسه إنه هو المتحكم الأول و الأخير بها ، هو من يملكها فقط و ليس أحد سواه .

فأرغم نفسه على أن يذهب للمرحاض لينعم بحمام دافئ طويل .

لكنه لم يكن طويل ، بل لم يتعدى الدقيقتين و خرج ليبدل ثيابه سريعاً ثم يطلب قهوته و يدخل مكتبه ليرى الأعمال المتراكمة عليه .

فتح الباب و دلف العم جميل يسأل : صباح الخير يا ولدي ، الست سلوى عامله إيه ؟

حاول غانم التحدث و قال : كويسه .

لترن من جديد صوت ضحكة حلا ، على ما يبدو أنها مازالت تقف معه .

حاول التغاضي أو التظاهر بذلك و قال لجميل: فين ورق حسابات مصنع اللحوم .

أعطاه جميل بعض الأوراق و قال: أهي يا ولدي ، بس باينها فيها مشكله ، في غلط ييجي بربع مليون جنيه .

رفع غانم حاجبه الأيمن و سأل بغضب شديد: نعم ؟ ربع أيه ؟ هو ايه اللي ربع مليون

جميل: هدي نفسك يا ولدي مش كده ، صحتك .

غانم: هو إيه الى أهدي نفسي ، هو الربع مليون دول بيلعبوا ؟ أنت ليه محسسني أنك بتتكلم عن ربع جنيه ؟

جميل: و الله يا ولدي ما أنا عارف ، الواد المحاسب ده كأنه متقصد إلي بيعمله و ملغبطلنا الحسابات عشان نتوه .

ضرب غانم على سطح مكتبه و قال: لأ تشوفهولي بقا .. عشان دي مش أول غلطة ، هو في ايه ، ده تاني محاسب مايكملش السنه إلا و في لغبطة و لعب.

جميل : طب هدي روحك يا ولدي صحتك ، أنا هشوف شغلي معاه ،على الله بس ما يطلعش تبع إلي ما يتسمى إلي أسمه صلاح .

صدحت ضحكة حلا من جديد فرد بغضب و توتر : شوفه و قرره ، و هات أخره عشان أنا مش هحله .

صمت جميل لثواني ثم قال: فيك إيه يا ولدي ؟ مش عوايدك.

أكل غانم بواطن فمه يخرج فيها غيظه ثم قال: ماعلش ، أنا بس متعصب عشان سلوى و تعبها و كمان المشاكل إلي كل يوم و التاني دي .

ألتمعت عينا جميل و قال ضاحكاً: عيني عليك يا ولدي ، أهو العز و المال مش بيجيبوا غير وجع الراس ، ماكنتش طلعت فرد أمن غلبان أقله كنت طلعت لك ب بطاية حلوة تحل من على حبل المشنقة زي عزام الأسود ده .

أحتدت أعين غانم و سأل : أنت تقصد أيه ؟

التوى ثغر جميل و جاوب : صحيح أصلك ما شوفتش جوز الكناري إلي برا ، هئ و مئ و دلع ، هنية له و الله.

صرخ غانم : بقولك تقصد مين ؟

جميل: أقصد البت الخدامة الجديدة دي و الواد عزام الحارس بتاعك ، شكله الحب ولع في الدرا .

هب من مقعده بغضب شديد و ذهب ناحية الشرفة ليراها مازلت تقف معه و تعطيه من حبات الفراولة الطازجة الموجودة في الصحن الذي تحمله.

ذهب جميل و وقف خلفه و قال و هو قريب من أذنه : هنية له و الله عزام ، البت فرسة ، بس فرسة قصيره ههههه

فزجره غانم بغضب ليقول : أحمممم ، أنا بقول تروح تطل على مراتك و تطمن على إبنك و لا إيه.

نظر لها غانم بصمت فحمحم بحرج و إلتف خارجاً و هو يقول : أنا هروح اشوف موال الواد المحاسب ده و هقول لكرم يعملك الفطار بسرعه عشان تروح المستشفى .

خرج مسرعاً من عنده و حاول غانم تذكير نفسه بما عاهد حاله به ليلاً ، يجاهد في طرد تلك الأفكار عنه و أخماد تلك النيران التي تأكله .

و ردد بغيظ : عادي عادي .. عادي يا معلم عادي .

لم يستطع تناول طعام الإفطار و قرر الذهاب لزوجته ، هي أولي بالإهتمام .

خرج من الباب الداخلي يتوجه لسيارته المصفوفة هناك ، وجدها مازلت تقف معه هو يتحدث و هي تستمع .

فنادى بصوت جهوري : حلااااااا .

صوته كان نابع من الجحيم ، زلزل المكان من حوله و أنتبه الجميع .

حتى أنها أرتعبت ، و من شدة الرعب لم تتحرك مما زاد غضبه .

و صرخ مجدداً: هو انا مش بنادي عليكي.. تعالي حالاً

ذهبت لعنده و رافقها عزام مما ألهب النار في قلب غانم و هو يراه قادم لجوراها كأنه يعلن مساندته لها فسأله : هو انا ناديت عليك ؟ إيه إلي جايبك ؟

أرتبك عزام و لم يجد رد فقال غانم : أتفضل جهز الحرس عشان رايحين المستشفى.. يالا .

هز عزام رأسه و قال: حاضر .

ثم إلتف لحلا و قال لها: أدخلي أنتي يا حلا الجو برد، أنا هروح أشوف شغلي.

هل شعر به أحد ؟ فهو على مشارف الإصابه بالشلل ، فعزام بيه يعطيها أوامر خوفاً على صحتها .

غانم الآن في مرحلة ما بعد الغليان لدرجة أنه لا يجد كلام يعبر عن الغيظ الثائر داخله.

و قال: و الله ؟ على أساس أنها شغاله عندك أنت ؟ بتديها أوامر بتاع إيه.

عزام : أااا.. ما تأخذنيش يا باشا بس… أصل أنا عارف يعني إنك مالكش علاقة بشغلها ، الست سلوى هي إلي بتوجهاا .

نظرة صمت بين رجلين ، كل منها يمكر بالأخر ، كل منهما يفهم على الآخر لكن ممنوع البوح .

فعزام على دراية بأهتمام غانم بحلا فقد سبق و أرفق كلامه معها بكلمة (ست) و غانم كذلك على دراية بمكر عزام فمبرره غير مقنع كذلك حين جاء خلفها كأنه يعلن تحدي غير مباشر.

أشاح غانم بنظره عن عزام و إلتف لحلا ثم قال: و إنتي.. هو أنا مش ناديت عليكي .

حلا : نعم يا باشا .

غانم : أدخلي جوا إقلعي المسخرة إلي أنتي لبساها دي ، شغل المرقعة ده تعمليه برا مش هنا في بيتي

حلا : طب سيبني أطلع برا يا باشا عشان أعرف أتمرقع .

كبت عزام ضحكته و أستعرت أعين غانم و هتف بغضب: روح شغل العربية.

عزام: و أجمع الرجالة ؟

نظر غانم بجانب عينه على حلا و رغماً عنه قال : لأ سيب نصهم هنا .

كانت لحظة مضيئة ، شئ لم يفهمه سوى غانم و عزام .

فغانم لا يخاف سوى على نفسه ، و الآن فقط سيترك حراسه في البيت لتحميه أو…. لتحمي شخص مهم لديه .

حتى أنه أهم من سلوى التي لم يترك لها حراس و لا مرام طالما أنه ليس بالبيت.

نظر كل من عزام و غانم لبعضهما ، فتلك أيضاً كانت رسالة خاصة غير مباشرة من رجل لرجل كرد منه على رسالته السابقه.

تحرك عزام بصمت تام ناحية السيارات يجهزها و يجمع عدد من الحرس و أعين غانم تنظر له بغيرة واضحة ، فقد أتى اليوم الذي يغار فيه.. و من عزام الذي يعمل لديه .

إلتف لحلا و قال من بين أسنانه و هو يحاول ألا ينظر لها علامة على عدم الاهتمام: روحي أوضتك و أقلعي المسخرة دي ، يالا.

لم تتحرك ، كانت غاضبة…تباً ، فحتى غضبها لذيذ ، الواقف أمامه تتملكه رغبة في قضم خدودها الممتلئة تلك.

فتحرك هو و إلا سينهار بالتأكيد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى