رواية بقلم سوما العربي الجزء الثالث

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات

لكنها لم تجيب و فرت ، عاد خطوتين للخلف يحاول إلتقاط أنفاسه و هو يردد : كويس أنها جريت ،و إلا كنا جبنا عيال هنا .

عض شفته السفلى من جديد و بقى جسدة متدغدغ من تلك الأحاسيس التي تملكته و هي بأحضانه .

ركضت بإتجاه المطبخ لتصدم بكرم يقص على سلوى أدق أدق التفاصيل التي حدثت في غيابها .

و ما أن أبصرتها سلوى حتى ألتمعت عيناها بكره شديد ثم أتسعت و هي ترى ذلك السلسال على صدر حلا .

تشنج تنفسها ثم وقفت عن كرسيها تقول لكرم : خلاص يا كرم ، كفاية كده النهارده و لما ترجع أبقى كمل .

وقف كرم مستغرباً يسأل : أرجع منين يا ست ؟

سلوى : أصل البيه ربنا ما يقطع له عادة جاب شوية هدايا للفقرا إلي في الخان عشان البيبي … خدهم وزعهم.

إلتفت تنظر لحلا ثم قالت متفاجئة و كأنها لم ترها إلا الآن: حلا ، أنتي هنا ،طب كويس عشان تاخدي خديتك ، ايه ده ؟

مدت يدها للعقد و قالت : هو غانم أداهولك خلاص ، طول عمره سباق بالخير و يحب يجبر بخاطر الغلابا .

لفت لكرم و قالت: ورايا يا كرم يالا .

ثم غادرت بخيلاء تاركة حلا التي قد سقطتت للتو من سابع سماء لسابع أرض .

الفصل الثامن

ركضت لغرفتها سريعاً تبكي ، لم تتحمل ما سمعت.

وقفت أمام المرأة تنظر لإنعكاس صورتها فيها تراقب أنفها المحمر و دموعها الغزيرة .

دقيقة صمت …..

فقط تتطيل النظر لنفسها ، تحاسبها ثم سألتها : إيه ؟ بتعيطي ليه، كنتي مستنية إيه يحصل ؟ ولا حاجة… و لا أي حاجة…. راجل متجوز و كمان مراته حامل ، عايزه منه إيه و لا مستنية إيه ؟

نزلت بعيناها لذلك السلسال و قالت: فرحتي أوي وي الهبلة و نسيتي نفسك ، جايبها لك زي ما بيجيب لناس كتير… إنتي تستاهلي مية جزمة على دماغك يمكن تفوقي … تفوقي و تبطلي ترخصي في نفسك و تفتكري ده مين … ده غانم .. غانم إلي كان السبب في أن أهلك يفلسوا و تطلعوا من بلدكوا هربانين بفضيحة … فاكره و لا نسيتي ؟

تعاقبت ذكريات الزقازيق في رأسها مما جعل الغل يفوح من عيناها ، صكت أسنانها بحقد و غيظ خصوصاً و هي تتذكر ذوبانها أمامه و هو جامد گ الجبال.

مدت يدها تخلع عنها ذلك السلسال بكل قوة تملكها ، حتى أنها قطعت جزء من ياقة فستانها الوردي .

نظرت للنتيجه و هي تلهث بغيظ شديد ثم ألتفت ببطء لتبدله ، فوقفت مصدومة و هي ترى بقعة زرقاء اللون على كتفها .

أرتعبت بشدة و لم تجد أي تفسير لتتذكر حديث إحدى الجارات في الزقازيق عن إبنة أحد أقاربها التي عشقها عفريت من الجن و كانت تتكون لديها تلك العلامات.

نست غانم و من أنجباه ، و بقيت مرعوبة ما بين الخوف و محاولة طرد تلك الأفكار عن رأسها .

و لم يخرجها من كل هذا سوى صوت كرم يناديها.

خرجت من غرفتها و ذهبت إليه تسأل: في ايه ؟

كرم : أعملي إنتي للبيه قهوته ، أنا طالع مع الست سلوى نوزع الحاجة على الغلابة ، يالا سلام.

ذهب سريعاً و لم يترك لها فرصة لا للحديث و لا الإستفتسار .

فذهبت للمطبخ تمتثل للأمر و تصنع القهوة ، وضعتها على الموقد و نظرت من شباك المطبخ شاردة تنظر على الحديقة ترى الحرس كل مستوطن في مكانه و يوجد رجل أسمر ضخم الجثة مفتول العضلات يبدو كقائد لهم .

و ظل عقلها يبحث هنا و هناك عن خطة للخروج من فبضة غانم .

أما في مكتب غانم فقد جلس الذي ظنته صلب گ الجبال جالس الآن في مكتبة ذائب كذوبان قطع الثلج كلما تذكر لحظته معها بالأمس في غرفتها و هو يشتم رائحتها على راحته و يتعمق في تقبيل شامات كتفها ، لقد لعقها لعقاً … تباً لها ، إنها گحلوى الماشمليو بل أكثر جمال و ليونة .

فتح الباب و سبقها عطرها لعنده ، أبتسم بأتساع ،هو بالفعل قد أشتاق إليها .

ظل جالس على مكتبه حتى يتثنى له مراقبتها بتمعن ، هنالك فرحة تتضخم داخله كلما رأها فقط .

لكن …. تباً ، لما لا تنظر له ، و ما سر ذلك الوجه الجامد المتجهم .

راقبها و هي تضع القهوة مسرعة في ذلك و ما زال وجهها منكس أرضاً.

فهتف : حلا .

لتجاوب و هي متجنبة النظر له : نعم .

جعد ما بين حاجبيه بإنزعاج شديد تملك روحه و قال : حلا .. مش بتبصيلي ليه ؟

تنهدت بضيق و سألت : حضرتك كنت عايزني في حاجة ؟ قهوة حضرتك أهي.. تلزم أي خدمة تاني ؟

وقف عن كرسيه و قال : لااا .. ده كده بقا في حاجة ، مالك يا حلا ؟

كان قد ألتف من حول مكتبه و وصل لعندها ، وقف مقابلها و سأل: مالك يا حلا ؟

تنهدت بضيق مجدداً ، اضحت ترى كل ما يحدث الآن ماسخ جداً ، ماذا يريد هو و لأين يريد أن يصل ؟

و لما طال صمتها و مازالت تتجنب النظر له نفذ صبره و تحمله و مد يده أسفل ذقنها يرفع وجهها له ثم سأل بحده : في أيه ؟ مش عايزة تبصيلي ليه .

نظرت له بصمت تام و برود …. برود ظاهر بوضوح ، يناقض ذلك الوهج الذي كان يراه في عيناها كلما رأها ، حتى نصف ساعة.. من نصف ساعة فقط كانت هنا في مكتبة و قد ضمها له و هما وحدهما يلبسها هديته… السلسال …..

و على ذكر السلسال انحدرت عيناه لجيدها ليراه خالياً منه .

أحتدت عيناه و سأل : فين سلسلتك ؟

ضيقت عيناها بإستخفاف ثم ضحكت مستهزئة تجيب : سلسلتي ؟ سلسلة إيه يا باشا ، أنا عمر ما كان عندي سلاسل .

فقال من بين أسنانه : و الله ؟ امال إلي أنا لبستها لك من شويه دي كانت إيه ؟

زمت حلا شفتيها بإستهزاء و هي تخرجها من جيبها ثم سألت : قصدك دي ؟ لا دي مش بتاعتي يا باشا .. دي بتاعتك أنت.

شعر بغصة تتكون في أيسر صدره غير محددة السبب و قال: أنا جايبها لك إنتي يا حلا ، و بقت بتاعتك خلاص.

مدت يدها لكف يده ، ليصدم بها تفتحه و تضع السلسال به ثم تقول : كتر خيرك يا باشا ، أنا مش محتاجه معونة من حد .

بهت وجهه و ردد بصدمة : إيه إلي بتقوليه ده ؟

ظلت على برودها لا تجيب مما أخرجه من طور الهدوء و زادت عصبيته ، قبض على معصمها يهزها بيد واحدة و هو يقول من بين أسنانه: بقى أنا أتعب و ألف و أختار بنفسي و أنتي تقولي كده ، ده أنا…. ده أنا كنت برا خارج و طول الوقت بفكر فيكي ، أنا سبت مراتي في محلات الإطفال و كدبت عليها و روحت لاحسن جواهرجي أجيبها لك و فضلت شايلها مخبيها عشان أديهالك و أنتي تقولي كده ؟ معقول تقابلي كل إلي عملته بالبرود ده .

كانت تستمع له بأعين متسعة و هو كذلك صدم مما تفوه به أثناء غضبه ، فقد باح بأكثر من المسموح به .

و لكنها السبب فهي من أفلتت زمام الأمور من يده و هي تتعامل بتلك الطريقة.

ثم قالت : قولت لك مش محتاجه معونه من حد، أنا مش من الفقرا إلي بتعطف عليهم و لا بشحت.

فصرخ فيها : حلاااا ، إتكلمي كويس .

حلا : باشا .. ماعلش يعني هو انا واقفه هنا بعمل إيه ، أنا أصلاً لسه هنا في البيت ده ليه ؟ و ليه لما مشيت رجعتني ، و أصلاً أنت أزاي عرفت طريق بيتي ، أنا مش فاكرة إني قولت لأي حد عليه.

أسئلة كثيرة ، خلف بعضها و متعاقبه ، على أي منهم سيجيب ؟

تلعثم في الرد ، وضع يداه في خصره ثم رفع رأسه لأعلى يحاول الوصول للحظة هدوء و تركيز .

لتهاجمه ذكرى الليلة الماضية و هو يقبل كتفها و هي ممدة أمامه بجلبابها الناعم ببشرتها الغضة الطريه ..

فتح عيناه و عاود النظر لها و هو يستعد للتحدث أليها بحلم : طيب يا حلا ، ممكن تهدي و تفهميني مالك ؟

هزت رأسها بنفاذ صبر و قالت: أنا مش عايزه أفهمك و لا تفهمني ، أنا عايزة أمشي.

تنهد ثم تحدث بصوت متعب و هو يمد كفه على وجنتها يملس عليها بجنان شديد : ما قولت لك مش عايزك تمشي ، عايزك جنبي.

أقترب منها بهدوء شديد و بدأ يميل إليها شيئاً فشيئاً حتى بات قريب جداً منها ، لم يستطع تمالك نفسه كثيراً ، أطبق بذراعيه عليها بين أضلعه يحتضنها له و هو مغمض العينين ، حتى أنها شعرت بتشنج عضلاته على جسدها ، تسمع صوته يردد : عايزك جنبي دايماً ، أفهمي بقا .

أتسعت عيناها و هي تدرك ما يحصل ، و المغزى من حديثه ، كذلك إحتضانه منها و قربه الدائم و الغير مفسر و هو رجل متزوج و هي خادمة لديه .

زادت عصبيتها ، و كأن الكهرباء قد أنفصلت عن عقلها ، نفضته عنها بعنف و غضب و بدأت تتحدث بغل : إيه إلي أنت بتعمله ده ، أنت فاكرني إيه ، رخيصه ماليش قيمة ، أوعى تفكر تقرب مني تاني ، أنت سامع و لا لأ ، و لا أنا أصلا مش هفضل عندك هنا اكتر من كده ،عايزة امشي ، هو مش بالعافية على فكره… مش عايزة أفضل عندك ، أفهم بقا .

كان يتسمع لها و قد تفاجئ برد فعلها ، و لم يستطع التحمل ، هاجت أعصابه و هدر بعنف : اييييه ، هتحايل عليكي ، هشتحتك ، ما عنك ما فضلتي ، أنا إلي مش عايزك في بيتي ثانية واحدة زيادة ، أمشي من هنا مش عايز ألمح خيالك حتى ، أنتي سامعة و لا لأ… يالاااااا .

صرخ بالاخيرة عالياً حتى أنها شعرت بأهتزاز الأرجاء من حولهما ، صدمت قليلاً لكنها أسرعت في الخروج ، تركض ناحية الباب الداخلي ثم إلي الحديقة .

أرتمى على الكرسي من خلفه و هو يلهث من شدة الغضب ، صدره يعلو و يهبط بجنون يراقبها عبر باب مكتبه المفتوح و هي تهرول ناحية الخارج كأنها تنتهز الفرصة ، و كأنها كانت بسجن و ستتحرر منه .

رفع سماعة تليفونه يهاتف أحدهم فأتاه الرد على الفور ليقول بصوت لاهث متعب: أيوه يا عزام، حلا رايحة ناحية البوابة عايزة تخرج ، أمنعها حتى لو قالت لك إني سمحت لها .

اغلق الهاتف و عاد رأسه للخلف ، لا يفهم بل يصعب عليه التوصل لمعنى واضح عن ما يحدث معه.

و لا لما يفعل كل هذا ، لما لا يستطيع تركها و شأنها و لما لا يستطع الإقتراب أكثر طالما أنه يريد ذلك.

ليأتيه الرد على هيئة صوت … صوت سلوى التى دلفت لعنده مندفعه مبهورة تردد : غانم غانم … ألحقني يا غانم .

وقف مبهوت ، خائف على طفله و سأل : في إيه ؟ إيه إلي رجعك بدري ، الحمل حصل له حاجة ؟

هزت رأسها بجنون و هي تضع يدها على معدتها التي بدأت تنتفخ قليلاً و قالت: أنا مش مصدقه نفسي.. مش عارفه أصدق .. إحساس جنان.

هز كتفيه بجهل و قال: في ايه يا سلوى قولي بسرعه بالله عليكي أنا مش ناقص.

اقترب منه سريعاً و خطفت يده تضعها على معدتها لتتسع عيناه و يقشعر جسده و هو يشعر بتحرك شئ ما تحت يده حركة خفيفة.

أبتلع رمقه بصعوبة و سأل: ده… ده إيه ده ؟

قالت سلوى و هي حرفياً على شفى خطوة واحدة من الجنون: البيبي بدأ يتحرك يا غانم ، أنت متخيل .. يااااه .. أنا أول مره أحس الإحساس ده ، ده طلع إحساس جنان … كل مره ماكنش الحمل بيعدي الشهر التالت حتى فمكنتش بحس بكده ، دي أول مره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى