ذهب للمطبخ يبحث في الأرجاء عنها لكنه كان خاليا من طيفها و رائحتها التي أصبح مدمن عليها كلياً .
لم يجد سوى كرم فسأله : فين حلا ؟
كرم : مش عارف ، كانت هنا و أختفت مرة واحدة.
غانم بقلق : نعم ؟ أختفت راحت فين ؟
كرم : مش عارف بس أكيد في أوضتها و..
لم يتسمع له غانم او يعطيه الفرصة كي يكمل حديثه ، إنما ذهب لغرفتها يتأكد من وجودها فيها ليطمئن .
لم يدق على الباب ، فتحه دون إستئذان ليجد الغرفة فارغة.
جن جنونة … هاجت أعصابه.
و نادى بأعلى أرتفاع قد يصل له صوته : يا عزاااااااام .
لم ينتظر قدوم عزام إليه بل هرول بسرعة للخارج بينما يتقدم ناحيته بخطى سريعة رجل أسمر البشرة مفتول العضلات حتى أمتثل أمامه يردد: أوامر يا باشا .
غانم بلهاس و قلق : حلا ، حلا مش موجوده جوا. أقلبوا عليها الدنيا .
عزام بإستفهام : حلا مين ؟ أااااه البطة البيضة ؟
أحتدت أعين غانم بوضوح شديد ليستدرك عزام حاله و يردد بتوتر : أاأححاضر .. هدور عليها.
غانم بأمر: ماتسيبش مكان ما تدورش فيه أنت و الرجالة ، أنت سامع ؟
هز عزام رأسه و ذهب سريعاً ينفذ الأمر خوفاً من بطش غانم الذي بدى في ذروة غضبه .
وقف غانم يضع يدية في شعره بغضب شديد يدور حول نفسه بجنون ، يرى أن وقوفه هنا لا معنى له ، يجب أن يذهب هو الآخر كي يبحث عنها.
مرت ساعتين و ها هي الآن تدخل لحارتها مبتسمة بأنتصار ، ممتنة لذلك الباب الخلفي للحديقة الذي تُرك مفتوحاً .
كانت تشعر أن الله معها و أنها ما أن تحاول الهرب سيساعدها و ييسر لها الأمر خصوصاً و أنها قررت التراجع عن سرقة غانم أو ما ذهبت لأجله فساعدها الله بالفعل .
أول ما رأت بيتها و أصبح بينه و بينها خطوات حتى رددت : أخيراً ، أشهد أن لا إله إلا الله.
لهست بتعب ، لولا المواصلات لوصلت مبكراً لكن لا بأس المهم إنها هربت من أثر غانم .
ابتسمت بأتساع ستدخل لبيتها ، لكن …..
توقف إمامها سيارة سوداء عالية و أنفتح الباب الأمامي لها لتشهق عالياً و هي تراه أمامها تماماً.
يرتدي نظارة سوداء ذات الموقف رهبة و هيبة ، لا ينظر لها و إنما ينظر للأمام برأس مرفوع و لم ينتطق إلا كلمة واحدة بصوت قادم من نار ملتهبة : أركبي .
بقت مكانها ثابتة ، جامدة ، تلهث بوضوح ، لم تتوقع ، ما يحدث معها الآن لم بحدث حتى في أي فيلم عربي شاهدته مسبقاً .
أبتلعت رمقها تبحث عن بصيص من الشجاعة داخلها ثم قالت : مش راكبة .
لم ترى منه سوى تحرك فكة المتشنج من الغضب ، و مازال مثبت نظره أمامه و ردد مجدداً لكن بصوت أشد حزم : كلمة واحدة ، أركبي .
لتجيب : مش هركب و هصوت و ألم عليك الناس.
غانم : براحتك ، خليها تبقى فضيحة و انتو لسه جداد في الحارة.
يزيد من عصبيته بعدم نظره لها ، لكنها خائفة ، و قد زاد خوفها بعد حديثه الأخير خصوصاً و قد طال وقوفها أمام سيارته المفتوحه لها و قبلها دخوله بتلك الطريقة السينمائية الخاطفة ، فصعدت للسيارة بإذعان و هو أنطلق سريعاً ما أن أغلقت بابها .
صمت …. صمت … صمت .
طوال الطريق و هو صامت ، لم تحن منه و لو نظرة واحدة ناحيتها و هي قد تلفت أعصابها نهائياً
فقالت : أنت إيه إلي جابك ورايا ، أنا مش عايزه أرجع.
لكنها لم تجد منه أي إجابة لتفلت أعصابها و تثور : أنت …. أنا بكلمك .
فجاوب عليها بضيق و ترفع : شششششش .
حلا : أنت بأي حق تكلمني كده ، هو الشغل بالعافية .
توقف بالسيارة ، لقد وصل للمنزل.
خرج منها و إلتف حولها يفتح الباب، أخرجها منها عنوة ، يقبض على عضدها و يجرها للداخل.
فتح باب غرفتها و القاها بالداخل حتى سقطت على الأرض متأوهه .
مال عليها يشهر إصبعه في وجهها منذراً : الي عملتيه ده مش هيعدي على خير ، سامعه ، مش هيعدي على خير .
صرخت فيه: و هو أنا كنت عملت إيه ، جيت عشان أشتغل و مش عايزه أكمل مشيت .
غانم : قولت لك الخروج من هنا بمزاجي و بأمري .
انتفتضت تصرخ بقهر : أنا عايزة أمشي أنت ما أشترتنيش على فكره.
فقال بدون تفكير : مين قالك ، أشتريتك و بقيتي ملكية خاصة.
وضعت يدها على فمها بصدمة و هو وقف مبهوتاً مما تفوه به للتو .
مرر أصابعه في شعره بضيق و توتر ، متوتر مما وصل إليه بنفسه .
و هي سكنت مكانها تنتظر أن يقول المزيد ، أي حديث ، فليقل أي شيء.
و قد قارب على التحدث من جديد و هو ينظر لها نظرة خاصة بأعين لامعة ثم قال : حلا أنا ….
غانم…. غانم.
كان هذا صوت سلوى زوجته تبحث عنه.
يستمع كل منهما لها و هي تقف بالقرب من غرفة حلا تسأل كرم : البيه فين يا كرم .
كرم : مش عارف يا ست هتلاقيه في مكتبه .
سلوى : مش هناك ، قولي صحيح ، ايه اللي حصل في غيابي ؟
كرم : لااا ده يطول شرحه .
سلوى : طب أعملي قهوتي هاجي أشربها و انت بتحكي لي على ما أشوف البيه .
كرم : أعتبريه حصل .
نظر غانم على حلا و أطبق جفناه ثم قال : قومي غيري و كلي أي حاجة.
حلا : مش عايزة.
غانم: مش بمزاجك ، قولت لك قومي كلي يبقى تقومي .
حلا : أنت بتعمل معايا كده ليه ؟ أنا أذيتك في أيه عشان تعاملني كده ؟
تحركت شفتيه ، عاجز عن البوح ، و خرج من عندها ، تحركت خلفه لكنها تصنمت عند الباب و هي تراه قد تقابل مع سلوى التي كانت لا تزال تبحث عنه و أول ما رأته أخذته في أحضانها مرددة : حبيبي ، كنت فين ، بدور عليك.
أبتسم بصعوبة و قال: أنا هنا .
أشتعلت نار مستعرة في قلب حلا لا تعلم من أين و لما ، و بقت متواريه تراقبهما و لم تغلق الباب و تدخل غرفتها كأي تصرف طبيعي.
ربما أرادت قتل شئ ما تولد داخلها ، تتنفس بسرعه و عيناها ترغب بالبكاء لكنها لم تبكي .
بينما غانم أحتضن سلوى هو الآخر و حاول مراضتها و قال: حقك عليا ما توعليش مني .
لكنها هزت كتفيها و قالت: لأ لسه زعلانه.
أغمض عيناه و سحب نفس عميق بتعب شديد ثم قال: و إيه يرضيكي ؟
تعلقت سلوى بكتفية ثم قالت بدلال : تخرجني دلوقتي ، اتفسح و ادخل سينما و بعدها نعمل شوبنج للبيبي.
تنهد بتعب من جديد ثم قال: حاضر ، روحي غيري .
مسحت سلوى على وجنته و هي تقول : تؤ ، تعالى أختار لي إلي هلبسه .
غانم : حاضر ، يالا.
ذهب معها دون أن ينظر خلفه و صعد .
و هي دخلت غرفتها و أغلقت بابها تبكي و تنتحب .
في منتصف الليل .
تسلل لغرفتها يفتح الباب ثم يسير بخطى حثيثه.
حتى توقف أمام سريرها ، يراها و هي ممدة أمامه بجلباب قطني قصير و مريح لونه وردي يناسبها جداً.
جلس على ركبتيه أمام فراشها يبتسم براحه و صدر منشرح ، الأن فقط يمكنه النظر لها على راحته و بلا أي حرج أو موارة.
تقلبات على الفراش فكان هنالك فراغ ، وقف عن الأرض و جلس فيه بجوارها .
مد أصابعه يزيح بعض الخصلات عن وجهها و أبتسامته تتسع رويداً رويداً.
سؤالها مذ سألته و صداه يتردد في عقله حتى و هو بالخارج مع سلوى ( انت بتعمل معايا كده ليه) .
ليتحدث إليها كأنها أمامه تسمعه و قال بصوت خفيف للغاية كي لا تستقيظ : هتعامل معاكي إزاي و أنتي جيتي قلبتي كل موازيني في يومين بس ، هتعامل معاكي زي ما أنا حابب و عايز إزاي و أنا كنت لسه مزعق لسلوى ، ما عرفتش .
عض شفته السفلى بشعور لا إري قد تملكه ، كأن موعد جرعته قد حان .
قأقترب منها يضع أنفه بالقرب من رقبتها يسحب القدر الممكن من رائحتها لصدره و هو يبتسم بإنتشاء .
ضيق عيناه و قد أنحسر الرداء عن رقبتها قليلاً فأظهر جزء من كتفها ليبتسم و هو يرى ثلاث شامات على كتفها .
رغماً عنه مال على كتفها يقبله قبله سطحية تعمقت رغماً عنه فبدأت حلا تتحرك بإنزعاج .
ليخرج سريعاً قبلما تستيقظ و تراه ، وقف خارج غرفتها يلهس و كأنه عاد تلميذ صغير و قبل فتاة لأول مرة.
وضع أصابعه على فمه و أبتسم ، بقى مكانه لدقيقة ثم تحرك لغرفته ، الآن فقط يمكنه النوم .
نام سعيد جداً و أستيقظ سعيد.
على عكسها تماماً ، فقد دلفت أليه بالقهوة التي طلبها متعمدة عدم النظر له فلم ترى بالطبع نظراته التي شملها بها و سعيد وحده و زادت سعادته حينما رأها .
وضعت القهوة و تبعها كوب الماء بسرعة ، تسارع كي تغادر و تتخلص من حضرته و تأثيره عليها.
إلا أنه قبض بيده على يدها ، رفعت أنظارها له متفاجئة فرأته و هو يبتسم لها ثم ردد: البطة مكلدمة النهاردة ليه ؟
جعدت ما بين حاجبيها بإستغراب من طريقة حديثه معها و تغير مزاجه.
وقف عن كرسيه و دار حوله و هو لا يزال متمسك بكفها حتى توقف أمامها.
نظر لعيناها و أبتسم ثم قال : زعلانة مني مش كده ؟
لم تجيب فقط نظرت بعيداً عنه ثم قالت: و أنا هزعل من حضرتك ليه؟ ربنا ما يجيب زعل .
غانم : حضرتي ؟
حلا : أيوه.
زم شفتيه ثم أبتسم و قال: طيب حضرتي جايب لحضرتك هدية .
نظرت له و قد جعدت ما بين حاجبيها و سألت : ليا أنا ؟
هز رأسه و قال بابتسامة تشرح صدر أي فتاة : أيوه.
أدخل يداه لجيب سرواله و أخرج منه علبة من القطيفة الزرقاء وفتحها لتتسع عينا حلا غير مصدقة و هي ترى سلسال رائع الشكل ذهبي اللون.
أقترب منها و قال: ممكن حضرتي يلبسها لك بقا ؟
لم تجيب ، لم يكن عقلها معها ليصدر رد فعل ، فقد طار مما يحدث الآن.
فاتخذ هو الخطوة و أقترب منها يميل على رقبتها، لا بل يحتضنها له مستغل للفرصة و سحب جرعته التي يحتاجها يومياً من رائحة جسدها ، يتذكر قبلته لها مساءً ، يجاهد على ألا يكررها الأن.
كل هذا و حلا مصدومة مبهوته ، وما أن أقترب منها حتى شعرت و كأنها فوث غمامة وردية جميله ، ارتفعت دقات قلبها ، و أوشكت على الذوبان .
علت وتيرة أنفاس كل منهما و لم تجد حلاً سوى الفرار .
أخذ يناديها : حلا ، حلا.