رواية بقلم سوما العربي الجزء الثالث

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات

ذهب للمطبخ يبحث في الأرجاء عنها لكنه كان خاليا من طيفها و رائحتها التي أصبح مدمن عليها كلياً .

لم يجد سوى كرم فسأله : فين حلا ؟

كرم : مش عارف ، كانت هنا و أختفت مرة واحدة.

غانم بقلق : نعم ؟ أختفت راحت فين ؟

كرم : مش عارف بس أكيد في أوضتها و..

لم يتسمع له غانم او يعطيه الفرصة كي يكمل حديثه ، إنما ذهب لغرفتها يتأكد من وجودها فيها ليطمئن .

لم يدق على الباب ، فتحه دون إستئذان ليجد الغرفة فارغة.

جن جنونة … هاجت أعصابه.

و نادى بأعلى أرتفاع قد يصل له صوته : يا عزاااااااام .

لم ينتظر قدوم عزام إليه بل هرول بسرعة للخارج بينما يتقدم ناحيته بخطى سريعة رجل أسمر البشرة مفتول العضلات حتى أمتثل أمامه يردد: أوامر يا باشا .

غانم بلهاس و قلق : حلا ، حلا مش موجوده جوا. أقلبوا عليها الدنيا .

عزام بإستفهام : حلا مين ؟ أااااه البطة البيضة ؟

أحتدت أعين غانم بوضوح شديد ليستدرك عزام حاله و يردد بتوتر : أاأححاضر .. هدور عليها.

غانم بأمر: ماتسيبش مكان ما تدورش فيه أنت و الرجالة ، أنت سامع ؟

هز عزام رأسه و ذهب سريعاً ينفذ الأمر خوفاً من بطش غانم الذي بدى في ذروة غضبه .

وقف غانم يضع يدية في شعره بغضب شديد يدور حول نفسه بجنون ، يرى أن وقوفه هنا لا معنى له ، يجب أن يذهب هو الآخر كي يبحث عنها.

مرت ساعتين و ها هي الآن تدخل لحارتها مبتسمة بأنتصار ، ممتنة لذلك الباب الخلفي للحديقة الذي تُرك مفتوحاً .

كانت تشعر أن الله معها و أنها ما أن تحاول الهرب سيساعدها و ييسر لها الأمر خصوصاً و أنها قررت التراجع عن سرقة غانم أو ما ذهبت لأجله فساعدها الله بالفعل .

أول ما رأت بيتها و أصبح بينه و بينها خطوات حتى رددت : أخيراً ، أشهد أن لا إله إلا الله.

لهست بتعب ، لولا المواصلات لوصلت مبكراً لكن لا بأس المهم إنها هربت من أثر غانم .

ابتسمت بأتساع ستدخل لبيتها ، لكن …..

توقف إمامها سيارة سوداء عالية و أنفتح الباب الأمامي لها لتشهق عالياً و هي تراه أمامها تماماً.

يرتدي نظارة سوداء ذات الموقف رهبة و هيبة ، لا ينظر لها و إنما ينظر للأمام برأس مرفوع و لم ينتطق إلا كلمة واحدة بصوت قادم من نار ملتهبة : أركبي .

بقت مكانها ثابتة ، جامدة ، تلهث بوضوح ، لم تتوقع ، ما يحدث معها الآن لم بحدث حتى في أي فيلم عربي شاهدته مسبقاً .

أبتلعت رمقها تبحث عن بصيص من الشجاعة داخلها ثم قالت : مش راكبة .

لم ترى منه سوى تحرك فكة المتشنج من الغضب ، و مازال مثبت نظره أمامه و ردد مجدداً لكن بصوت أشد حزم : كلمة واحدة ، أركبي .

لتجيب : مش هركب و هصوت و ألم عليك الناس.

غانم : براحتك ، خليها تبقى فضيحة و انتو لسه جداد في الحارة.

يزيد من عصبيته بعدم نظره لها ، لكنها خائفة ، و قد زاد خوفها بعد حديثه الأخير خصوصاً و قد طال وقوفها أمام سيارته المفتوحه لها و قبلها دخوله بتلك الطريقة السينمائية الخاطفة ، فصعدت للسيارة بإذعان و هو أنطلق سريعاً ما أن أغلقت بابها .

صمت …. صمت … صمت .

طوال الطريق و هو صامت ، لم تحن منه و لو نظرة واحدة ناحيتها و هي قد تلفت أعصابها نهائياً

فقالت : أنت إيه إلي جابك ورايا ، أنا مش عايزه أرجع.

لكنها لم تجد منه أي إجابة لتفلت أعصابها و تثور : أنت …. أنا بكلمك .

فجاوب عليها بضيق و ترفع : شششششش .

حلا : أنت بأي حق تكلمني كده ، هو الشغل بالعافية .

توقف بالسيارة ، لقد وصل للمنزل.

خرج منها و إلتف حولها يفتح الباب، أخرجها منها عنوة ، يقبض على عضدها و يجرها للداخل.

فتح باب غرفتها و القاها بالداخل حتى سقطت على الأرض متأوهه .

مال عليها يشهر إصبعه في وجهها منذراً : الي عملتيه ده مش هيعدي على خير ، سامعه ، مش هيعدي على خير .

صرخت فيه: و هو أنا كنت عملت إيه ، جيت عشان أشتغل و مش عايزه أكمل مشيت .

غانم : قولت لك الخروج من هنا بمزاجي و بأمري .

انتفتضت تصرخ بقهر : أنا عايزة أمشي أنت ما أشترتنيش على فكره.

فقال بدون تفكير : مين قالك ، أشتريتك و بقيتي ملكية خاصة.

وضعت يدها على فمها بصدمة و هو وقف مبهوتاً مما تفوه به للتو .

مرر أصابعه في شعره بضيق و توتر ، متوتر مما وصل إليه بنفسه .

و هي سكنت مكانها تنتظر أن يقول المزيد ، أي حديث ، فليقل أي شيء.

و قد قارب على التحدث من جديد و هو ينظر لها نظرة خاصة بأعين لامعة ثم قال : حلا أنا ….

غانم…. غانم.

كان هذا صوت سلوى زوجته تبحث عنه.

يستمع كل منهما لها و هي تقف بالقرب من غرفة حلا تسأل كرم : البيه فين يا كرم .

كرم : مش عارف يا ست هتلاقيه في مكتبه .

سلوى : مش هناك ، قولي صحيح ، ايه اللي حصل في غيابي ؟

كرم : لااا ده يطول شرحه .

سلوى : طب أعملي قهوتي هاجي أشربها و انت بتحكي لي على ما أشوف البيه .

كرم : أعتبريه حصل .

نظر غانم على حلا و أطبق جفناه ثم قال : قومي غيري و كلي أي حاجة.

حلا : مش عايزة.

غانم: مش بمزاجك ، قولت لك قومي كلي يبقى تقومي .

حلا : أنت بتعمل معايا كده ليه ؟ أنا أذيتك في أيه عشان تعاملني كده ؟

تحركت شفتيه ، عاجز عن البوح ، و خرج من عندها ، تحركت خلفه لكنها تصنمت عند الباب و هي تراه قد تقابل مع سلوى التي كانت لا تزال تبحث عنه و أول ما رأته أخذته في أحضانها مرددة : حبيبي ، كنت فين ، بدور عليك.

أبتسم بصعوبة و قال: أنا هنا .

أشتعلت نار مستعرة في قلب حلا لا تعلم من أين و لما ، و بقت متواريه تراقبهما و لم تغلق الباب و تدخل غرفتها كأي تصرف طبيعي.

ربما أرادت قتل شئ ما تولد داخلها ، تتنفس بسرعه و عيناها ترغب بالبكاء لكنها لم تبكي .

بينما غانم أحتضن سلوى هو الآخر و حاول مراضتها و قال: حقك عليا ما توعليش مني .

لكنها هزت كتفيها و قالت: لأ لسه زعلانه.

أغمض عيناه و سحب نفس عميق بتعب شديد ثم قال: و إيه يرضيكي ؟

تعلقت سلوى بكتفية ثم قالت بدلال : تخرجني دلوقتي ، اتفسح و ادخل سينما و بعدها نعمل شوبنج للبيبي.

تنهد بتعب من جديد ثم قال: حاضر ، روحي غيري .

مسحت سلوى على وجنته و هي تقول : تؤ ، تعالى أختار لي إلي هلبسه .

غانم : حاضر ، يالا.

ذهب معها دون أن ينظر خلفه و صعد .

و هي دخلت غرفتها و أغلقت بابها تبكي و تنتحب .

في منتصف الليل .

تسلل لغرفتها يفتح الباب ثم يسير بخطى حثيثه.

حتى توقف أمام سريرها ، يراها و هي ممدة أمامه بجلباب قطني قصير و مريح لونه وردي يناسبها جداً.

جلس على ركبتيه أمام فراشها يبتسم براحه و صدر منشرح ، الأن فقط يمكنه النظر لها على راحته و بلا أي حرج أو موارة.

تقلبات على الفراش فكان هنالك فراغ ، وقف عن الأرض و جلس فيه بجوارها .

مد أصابعه يزيح بعض الخصلات عن وجهها و أبتسامته تتسع رويداً رويداً.

سؤالها مذ سألته و صداه يتردد في عقله حتى و هو بالخارج مع سلوى ( انت بتعمل معايا كده ليه) .

ليتحدث إليها كأنها أمامه تسمعه و قال بصوت خفيف للغاية كي لا تستقيظ : هتعامل معاكي إزاي و أنتي جيتي قلبتي كل موازيني في يومين بس ، هتعامل معاكي زي ما أنا حابب و عايز إزاي و أنا كنت لسه مزعق لسلوى ، ما عرفتش .

عض شفته السفلى بشعور لا إري قد تملكه ، كأن موعد جرعته قد حان .

قأقترب منها يضع أنفه بالقرب من رقبتها يسحب القدر الممكن من رائحتها لصدره و هو يبتسم بإنتشاء .

ضيق عيناه و قد أنحسر الرداء عن رقبتها قليلاً فأظهر جزء من كتفها ليبتسم و هو يرى ثلاث شامات على كتفها .

رغماً عنه مال على كتفها يقبله قبله سطحية تعمقت رغماً عنه فبدأت حلا تتحرك بإنزعاج .

ليخرج سريعاً قبلما تستيقظ و تراه ، وقف خارج غرفتها يلهس و كأنه عاد تلميذ صغير و قبل فتاة لأول مرة.

وضع أصابعه على فمه و أبتسم ، بقى مكانه لدقيقة ثم تحرك لغرفته ، الآن فقط يمكنه النوم .

نام سعيد جداً و أستيقظ سعيد.

على عكسها تماماً ، فقد دلفت أليه بالقهوة التي طلبها متعمدة عدم النظر له فلم ترى بالطبع نظراته التي شملها بها و سعيد وحده و زادت سعادته حينما رأها .

وضعت القهوة و تبعها كوب الماء بسرعة ، تسارع كي تغادر و تتخلص من حضرته و تأثيره عليها.

إلا أنه قبض بيده على يدها ، رفعت أنظارها له متفاجئة فرأته و هو يبتسم لها ثم ردد: البطة مكلدمة النهاردة ليه ؟

جعدت ما بين حاجبيها بإستغراب من طريقة حديثه معها و تغير مزاجه.

وقف عن كرسيه و دار حوله و هو لا يزال متمسك بكفها حتى توقف أمامها.

نظر لعيناها و أبتسم ثم قال : زعلانة مني مش كده ؟

لم تجيب فقط نظرت بعيداً عنه ثم قالت: و أنا هزعل من حضرتك ليه؟ ربنا ما يجيب زعل .

غانم : حضرتي ؟

حلا : أيوه.

زم شفتيه ثم أبتسم و قال: طيب حضرتي جايب لحضرتك هدية .

نظرت له و قد جعدت ما بين حاجبيها و سألت : ليا أنا ؟

هز رأسه و قال بابتسامة تشرح صدر أي فتاة : أيوه.

أدخل يداه لجيب سرواله و أخرج منه علبة من القطيفة الزرقاء وفتحها لتتسع عينا حلا غير مصدقة و هي ترى سلسال رائع الشكل ذهبي اللون.

أقترب منها و قال: ممكن حضرتي يلبسها لك بقا ؟

لم تجيب ، لم يكن عقلها معها ليصدر رد فعل ، فقد طار مما يحدث الآن.

فاتخذ هو الخطوة و أقترب منها يميل على رقبتها، لا بل يحتضنها له مستغل للفرصة و سحب جرعته التي يحتاجها يومياً من رائحة جسدها ، يتذكر قبلته لها مساءً ، يجاهد على ألا يكررها الأن.

كل هذا و حلا مصدومة مبهوته ، وما أن أقترب منها حتى شعرت و كأنها فوث غمامة وردية جميله ، ارتفعت دقات قلبها ، و أوشكت على الذوبان .

علت وتيرة أنفاس كل منهما و لم تجد حلاً سوى الفرار .

أخذ يناديها : حلا ، حلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى