الاربعيني الاعزب ايه محمد

انت في الصفحة 3 من 15 صفحات

إنتهى الطبيب من فحصها، ثم جذب دفتره الخاص ليدون بالرُوشِتّة بعض الأدوية، ثم قدمها إليه وهو يخبره بعمليةٍ:
_الدوخة اللي عندها دي سببها الإجهاد وسوء التغذية، عشان كده كتبتلها شوية فيتامنيات، والأفضل إنها ترتاح خالص وتنام على السرير لحد ما تدخل في التاسع على الأقل.
شكره “غيث” وقدم له مبلغ من المال، وإتبعه للخارج، ثم طلب الدواء من الصَّيْدَلَةِ القريبة منه هاتفياً، وما أن أغلق هاتفه حتى ألقى بثقل جسده على أحد المقاعد، يحاول التفكير في مخرج لهذا الأمر، فهي وحيدة بهذا العالم، لا تمتلك أماً ولا شقيقة، حتى ابنة خالته وصديقتها الوحيدة تخوض نفس المعاناو مع حملها المرهق، هل سيزيد مسؤولياتها بمسؤولية زوجته، ربما يحتمل المخاطرة بها حينما تعود لشقتها التي إستأجرها لها ولكن كيف سيخاطر بإبنه الذي تحمله بأحشائها!
الأمر ليس سهلاً، لذا لم يملك أي خيارات قد تخرجه من مأزقه، لذا نهض ليتجه للمطبخ ثم أعد لها بعض الطعام الطازج، ليحمله ويتجه لغرفة نومه مجدداً، فوضعه على الكومود المجاور لها ثم جلس على المقعد القريب منها، ينتظر لحظة إفاقتها، فكانت تلك المدة ثقيلة على قلبه النازف،يرى معشوقته أمامه ويحارب عينيه أن لا تعانقها، من أصعب المعارك التي قد توجهها يوماً،معركة كان الخصم فيها القلب والعقل، فالعقل يستحضر كل لحظة سوء وضغينة حملها تجاه هذا الشخص فيمقت رؤياه وقربه،أما القلب فلا يستحضر سوى ذكراه الطيبة وكلما خفق لجواره يذكره بأقصوصة العشق الذي شهد عليها،ودونها بداخله، إستقام “غيث” بجلسته حينما وجد “عائشة” تسترد وعيها تدريجياً، فجاهدت لرفع جفن عينيها الثقيل، فبدت الرؤيا مشوشة عليها قليلاً، حتى استطاعت استعادته بشكلٍ كامل، فصُدمت حينما وجدت نفسها بداخل شقتها وبغرفتها التي إشتاقت إليها، خاضت عينيها بتفاصيلها التي إشتاقت لها، فتصلبت نظراتها حينما وقعت على من يجلس بالقرب منها، تنشطت ذاكرتها، فانتباها الأمل مصاحب لفرحةٍ غمرتها، مساعدته لها يعني بأنه مازال يحمل حباً تجاهها حتى وإن كان مبهماً، إتكأت “عائشة” على معصمها، ثم أخفضت ساقيها لتهم بالوقوف، فإستوقفها صوته الخشن:
_رايحة فين؟
رفعت رأسها الذي يدور بتعبٍ، وهي تجيبه:
_همشي عشان مسببلكش مشاكل مع والدتك.
حدجها بنظرةٍ حادة،وكأنها أخطئت بحقها، وبصرامةٍ لا تحتمل نقاش قال:
_إنتي مش هتخرجي من هنا لحد ما تولدي، بعد كده إبقي روحي في المكان اللي يعجبك بس لوحدك من غير ابني.
زداد من وجعها وجعاً، فشددت من ضغطها على فستانها الزهري وكأنها تحاول إستجماع شجاعتها فيما ستقول:
_يعني أيه هتحبسني هنا!
ترك مقعده ثم دنا ليصبح مقابلها:
_سميها زي ما تحبي.
ضمت شفتيها معاً بإرتباكٍ، فقربه يزيد من رجفة شوقها إليه، تود إن تمرمغ رأسها بأحضانه، فكم قست ليالي دونه بجفاءٍ، فبات نهارها شبيه بعتمةٍ الليل الكحيل، وكأنه سحب نورها وتركها تنازع حتى الرمق الاخير، لقاء الأعين القصير دفعها لخوض تجربة حالمة، تتمنى بها إن لم يحدث ما حدث بينهما، ليتها لم تفترق عنه، ولكنه لم يمنحها فرصة حتى لتدافع عن نفسها فبنهاية الأمر لعبت حماتها لعبة ذكية من الصعب الشك بها، أزالت رداء الصمت الذي إستحوذ عليها حينما همست برجفةٍ تصاحب كلماتها المذبذبة:
_أنا مش هتخلى عن ابني يا “غيث”.
أفترت شفتيه عن إبتسامة شبه ساخرة، فتعمد قطع المسافة التي تفصلهما وهو يهمس بشرٍ يلاحق وعده:
_مش بمزاجك.. إنتي غلطتي ولازم تتحملي العواقب.
وإستدار للخلف وهو يشير بيديه على الصينية الموضوعة على الكومود، ثم قال بصرامةٍ:
_كلي وخدي أدويتك.
ثم خطى خطوتين تجاه باب الغرفة، إستعادهما ليقف مقابلها من جديدٍ:
_ده مش عشانك عشان ابني اللي في بطنك.
ثم تركها وغادر من أمام عينيها، فسمحت لنفسها بالإنهيار أرضاً، بكت لتفرغ ما بداخلها من همومٍ وأوجاع كان من إنتشالها منهما السبب بها الآن، ظلت “عائشة” في حالتها تلك ما يقرب النصف ساعة، حتى إستعادت جزء من عزيمتها، فنهضت لتتدلف حمام الغرفة، ثم خلعت حجابها وتوضأت لتلجئ لمن يشهد على ما بصدرها.

بمنزل “عمر”
ناولت “إيمان” زوجها السكين، وهي تشير إلى قالب الكعك من أمامه :
_يالا يا “عمر” قطع التورتة..
كاد بأن يلتقطها منها، فقاطعتهما “لوجين”، حينما جذبت منها السكين سريعاً ثم قالت بدهشةٍ:
_إستنوا،هو إنتوا هتقطعوا التورتة بالسرعة دي!
تساءل “عاصي” باستهزاءٍ:
_وأيه اللي المفروض نعمله؟
منحته نظرة ماكرة، قبل أن تدور حول الطاولة وهي تدندن بدلالٍ:
_happy birthday عاصي….
دارت عدة مرات وهي تغني بصوتها العذب، لتتوقف بعد فترة قصيرة لتشير لمن يرمقها بنظراتٍ حادة، تحثها على التوقف عما تفعله، ولكنها لم تبالي، بل أشارت له بمرحٍ:
_مش هتطفي الشمع!
إنتقلت نظراته تجاه أخته وزوجها فوجدهما يتطلعون لبعضها البعض،وأفواهما يكاد يصل للأرضٍ من شدة الصدمة، فكان “عمر” أول من تماسك ليعود لثباته في لحظاتٍ، فدفع بكتفيه “عاصي” برفقٍ وهو يخبره مازحاً:
_مستني أيه، ما تسمع الكلام وتطفي الشمع يا أبو نسب!
تحولت نظراته القاتمة تجاهه وإنذار خفي يعلو صوته داخل أذن “عمر”، فأسرع بإبعاد يديه عنه وهو يردد بخوفٍ:
_أعمل اللي تحبه، إعتبرني مش موجود البيت بيتك.
راقبت “لوجين” ما يحدث بينهما ثم تساءلت باستغرابٍ:
_في أيه؟ انتوا كويسين؟
جذب “عاصي” السكين منها ثم قطع الكعك، ليضعه بالاطباق، ومن ثم ناول “عمر” إحداهما وكلماته تخبره بتهديدٍ صريح:
_خد الجاتو بتاعك وإقعد في جنب.
منحه إنذار بأن يكف عن الحديث، فجذب زوجته ثم جلس جانباً، أما “لوجين” فجلست على المقعد تتناول ما قدمه لها بشراهةٍ، وخاصة الشوكولا، فتأملها بتعجبٍ لحقه بقوله الساخر:
_مش عارف انتي جايلك نفس تأكلي إزاي،و انتي هربانه من عيلتك وقاعدة عند ناس المفروض إنك متعرفيش عنهم حاجة.
رفعت “لوجين” رأسها تجاهه، ثم قالت وهي تلوك قطعة الشوكولا بفمها:
_لا متخفش أنا دايماً عاملة حسابي وجاهزة لأي حاجة.
ضيق عينيه بذهولٍ، فتساءل بإهتمامٍ:
_ إزاي؟
بإبتسامةٍ واسعة قالت:
_هقولك.
ثم لعقت أصابعها التي تحمل بقايا الشوكولا، والأخر يراقبها بتقززٍ، فحاولت فتح حقيبتها الصغيرة، لتخرج منها زجاجة صغيرة للغاية، وجهاز متوسط الحجم، فأمسك به وتفحصه وهو يردد بإستغرابٍ:
_ده أيه؟
جذبته منه ثم قالت بفخرٍ:
_ده كهربا زيادة بعد عنك وعن السامعين فولتها زايد حبتين، حاسب لتعورك.
قرص أرنبة أنفه وهو يراقب أخته وزوجها، ويدعو بداخله إن لم يرى ما تحمله أحداً وخاصة حينما جذب الزجاجة الصغيرة، لتشير له بابتسامةٍ شيطانية إتبعها قولها المشاكس:
_أكيد عارف ده أيه صح!
رفع كتفيه ساخراً:
_في الحقيقة مش واخد بالي، بس ده ميمنعش إني أستفاد من خبرتك.
راق لها كلماته فقالت بغرورٍ:
_هتستفاد متقلقش.
ثم أشارت على محتوياتها قائلة:
_دي شطة حمرا من اللي قلبك يحبها، عشان لو حسيت بأي حركة غدر أستهدف العين على طول، خدت بالك؟
ضحك بصوته الرجولي، وهو يردد من بين ضحكاته:
_أنا واخد بالي من حاجات كتيرة أوي.

على مسافةٍ ليست ببعيدةٍ عنهما..
قال لزوجته وهو يوزع نظراته بينهما:
_أنتي شايفة اللي أنا شايفه!
أجابته “إيمان” بإبتسامةٍ مشرقة:
_صدقتني أما قولتلك إن الأمل في البت اللي لسه لاقيها صدقة دي.
انتقلت نظراته تجاهها، ثم قال بإستهزاءٍ:
_أنا مقلق من أخوكي، ليكون البت دي مدياله حاجة كده ولا كده.
اتنقلت نظراتها المحتقنة تجاهه، ثم قالت بغضبٍ:
_أنا موافقة تديله حاجات بس يقرر يتجوز بقا ونخلص.
إرخي جسده على المقعد بإريحيةٍ:
_عندك حق، عايزين نخلص من العانس ده في أقرب وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى