بفيلا “قاسم خلدون”
ساعات متواصلة من البحث المتواصل، ولم يستطيع أحداً الوصول لشيء قد يفيدهم بمعرفةٍ مكانها، وكأنها إبرة رفيعة غرقت بكومة من القشٍ، تمرد غضب “قاسم” ليصيح برجاله بشراسةٍ:
_إقلبوا الدنيا لحد ما تلاقوها، حتى لو إضطريتوا تفتشوا بيت بيت، أنا عايزاهت واقفة قدامي هنا في أقرب وقت.
أومأ الرجل رأسه بخوفٍ:
_تحت أمرك يا باشا.
وأسرع للخارج ليتبعه رجاله للبحث عن العروس التي إنشقت الأرض وإبتلعتها، أما “قاسم” فجلس على البارٍ الصغير الموضوع بإحدى الزوايا، فإقترب منه عمه وهو يخبره بتوترٍ ملموس بنبرته:
_هترجع يا “قاسم”، هتروح فين يعني!
توقف عن إرتشاف المشروب، ثم إستدار بطرف عينيه تجاهه، ليشير له بغضبٍ:
_إدعي ربنا إنها ترجع ده لمصلحتك والا يا عمي متلومنيش في اللي هعمله فيك وفيها.
وتركه وجذب علبة السجائر الموضوعة على رخامٍ البار، ليتجه للأعلى تاركاً الأخير يلتقط نفسه بصعوبةٍ.
مرت ساعة كاملة قضاها “عاصي” بالحديث مع “عمر”، وحينما شعر بالفتورٍ خرج للشرفة ليضع قهوته جانباً والحزن يسيطر على معالمه، مازال يتذكر وجودها لجواره بمثل هذا اليوم الذي بات أتعس يوماً بالنسبة إليه، كل مناسبة تخصه باتت نقمة عليه بدونها، لا يعلم كم ظل على هذا الحال، ساعة أم ساعتين قضاهما وهو يتطلع للنيل بشرودٍ، فأفاق من غفلته حينما وجد أخته تقترب منه بحزنٍ إتبع لهجتها:
_مالك يا “عاصي”؟ إنت لسه منستهاش؟
نظراته الضائعة إليها كانت بمثابةٍ إجابة صريحة لها، فربتت على يديه الممدودة على السور بحنانٍ:
_حاول تنساها، عشر سنين وأنت لسه زي ما أنت كأنها ماتت إمبارح، العمر بيجري يا”عاصي” إمتى هيبقالك ذكريات جديدة متعلقة بيك!
زفر ليخرج العالق برئتيه ومن ثم قال بصوتٍ موجوع:
_مش عايز أتكلم في اللي فات يا “إيمان”.
تحطم قلبها لأجله، لا أحداً يشعر به أكثر منها، فحاولت أن تغير حديثها، فسألته بلهفةٍ:
_عملت أيه في موضوع”عائشة” ، البنت منهارة يا “عاصي”، ” غيث” ظالمها.
رد عليها بضيقٍ برز بإنفعال نبرته:
_حاولت أتكلم معاه أكتر من مرة بس عنيد واللي في دماغه في دماغه.
سكن الحزن قسماتها، فأجلت أحبالها الصوتية:
_مش قادرة أصدق إن خالتي تعمل كل ده عشان تخليه يطلقها.
استدار بجسده تجاهها، ثم قال:
_لإنها من البداية مكنتش موافقة على جوازه منها يا “إيمان”.
رددت بصدمةٍ:
_تقوم تعمل كده!
أجابها بتهكمٍ:
_تصرفها غلط بس هي عمرها ما هتشوفه كده، خليها تتفرج على ابنها الوحيد وهو بيضيع قدام عنيها بسبب اللي عملته.
وتطلع لساعة يديه بإنزعاجٍ:
_الوقت إتاخر، وأنا ورايا شغل كتير بكره، يلا تصبحوا على خير.
وتركها وولج للداخل فوقف مشدوهاً حينما رأها غفلت محلها كالطفلة الصغيرة التي إتبعت أبيها لمشوارٍ هام ثم غلبها النوم، فمرر يديه على طول شعره وهو يردد باستياءٍ:
_أهو ده اللي كان ناقص!
بصدمةلفه بالدلوف للداخل، فوقفت “عمر” وشقيقته
الفصل الثالث.
كظم غيظه بصعوبةٍ، فوزع نظراته بينها وبين ما تحمله بيدها، فإنحنى ليجذب أدواتها العظيمة التي ظنت بأنها ستحميها في وقتٍ لجأت به للنومٍ من الأساس، وضع “عاصي” ما بيدها جانباً، ثم أخفض يديه أسفل قدميها ليحملها، وقف محله مشدوهاً للحظاتٍ، فأخر من حملها بين ذراعيه كانت معشوقة قلبه، حينما وجدها ساكنة كالجثة الهامدة بغرفتها، قاوم “عاصي” ما يهاجمه من ذكرياتٍ مؤلمة، ثم إتجه لباب الشقة، فتطلع لمن يقف أمامه بضيقٍ، فشل “عمر” بفهم ما يريد، فإتجهت نظراته تجاه الباب، ففتحه على الفورٍ وهو يردد بسخريةٍ:
_نفتحه حاضر.
هبط بها “عاصي” للأسفل، ليجد سائقه الخاص في إنتظاره، ففتح باب السيارة الخلفي فور أن رأه، فوضعها بالمقعد الخلفي بحرصٍ شديد، ثم عاد ليجلس جواره بالأمام، خطف السائق نظرات خاطفة لمن تقبع بالخلف بدهشةٍ، فلأول مرة يصطحب سيده أحد النساء، فإحتدت نبرة “عاصي” وهو يشير إليه بغضبٍ:
_هنفضل واقفين كده كتير.
إعتدل في جلسته الغير متزنة، ثم أسرع بالسيارة على الفور..
*
أغلق “عمر” باب الشقة بعدما تأكد من رحيله، فوجد زوجته تتمدد على الأريكةٍ بتعبٍ بدى له مصطنع للغاية، وتأكد حدثه حينما قالت وهي تمسد بيدها على بطنها المنتفخة بصوتٍ تصنع الوهن:
_”عمر” نضف المكان لإني تعبانة أوي ومش قادرة أقف.
رمقها بنظرةٍ منزعجة، ثم إنحنى ليجمع الكؤؤس وبعض الأطباق، ليحملهما للمطبخ، وعاد مجدداً حاملاً لأحد الأكياس، فجمع به المهملات ثم أعاد ترتيب الصالون والردهة، وحينما إنتهى عاد ليجلس جوارها، ثم جذب ريموت التلفاز ليلهي نفسه قليلاً، وخاصة حينما وجدها مشغولة بقراءةٍ إحدى الكتب، تفاجئ “عمر” بها تضع قدميها على قدمه، ثم تخبره بدلالٍ:
_تدليك بقا لحسن الحمل تعبني أوي.
ألقى الريموت لجواره بتعصبٍ أخرجه من سكينته:
_وبعدين معاكي بقا يا “إيمان”.. هو مفيش حد في العالم حامل غيرك!
أغلقت الكتاب ثم تركته جانباً، لتستقيم يجلستها قبل أن تهاجمه بكلماتها:
_كل ده عشان بتساعدني شوية ما أنت طول الليل بره البيت وسيبني هنا زي أي جهاز موجود في الشقة، وبالرغم من كده عمري ما اتكلمت.
إبتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ، فعلى ما يبدو بأنه فتح لنفسه باب من جحيمٍ، لذا كان عليه أن يسرع في إغلاقه، فجذب”عمر” ساقيها، ثم أخذ يدلكها برفقٍ، وهو يردد بإبتسامةٍ واسعة:
_وعلى أيه يا روحي الطيب أحسن.
عادت لتسترخي بجلستها، ثم جذبت الكتاب لتعود لرحلةٍ قراءتها، هامسةٍ بغرورٍ:
_ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا.
عاد بها “عاصي” لمنزله، فصعد للطابق الأعلى ثم إختار أحد الغرف ليضعها على فراشها، كان قريباً منها بدرجةٍ أربكته، فإبتعد عنها سريعاً حينما إنتصب بوقفته، فأبت عينيه التخلي عن تأملها، إبتسم حينما وجدها تحتضن الوسادة بطفوليةٍ غريبة، ثم فردت ساقيها على طول السرير الضخم، وكأنها في معركةٍ حاسمة تخوضها بنومها، فخرجت نبرته المنخفضة ساخرة:
_مش طبيعية أكيد مجنونة!
ثم غادر لغرفته بعدما أغلق الضوء وتركها تنير ذاك الجانب البائس من قصره الذي إعتاد على صحبته هو فقط.