الفصل الثاني.
إزدحام إشارة المرور جعله في حالةٍ من الفتورٍ، فأسند رأسه على مقعد السيارة في مللٍ، فمر من جواره دراجة نارية تحمل رجلاً وعلى ما يبدو بأن من تجلس خلفه زوجتـ,ـه، إنتبه “غيث” لبطنها المنتفخة، وتمسك يدها بحافةٍ الدرجة خشية من أن تسقط من فوقها فيتأذى جنينها، حتى زوجها كان يراقبها بين الحين والأخر بقلـ,ـقٍ، حتى خف الإزدحام من أمامهما فقاد على مهلٍ، مراعاة لحملها، سيطرت عليه في تلك اللحظة غيمة من الحزنٍ على حاله، يلوم نفسه أحياناً بأنه سمـ,ـح لقلبه أن يحبها، وكعادته كلما يأتـ,ـي ذكرياتها يحاول أن يهرب منها حتى لا يضعف، فأمسك بمقودٍ سيارته ثم تحرك بها، حتى وصل للبناية التي يقطن بأحد زقاقها، فصف سيارته ثم صعد للأعلى وهو يدعو الله أن لا تكون والدته مازالت مستيقظة، فخطى الدرج مسـ,ـرعاً للطابق الرابع، ولكنها كعادتها فتحت باب شقتها وأوقفته حينما نادته قائلة:
_إتاخرت كده ليه يا حبيبي!
جز على أسنانه بغيظٍ، فكم لعن نفسه بأنه إستأجر شقـ,ـة في نفس العمارة التي تسكن بها والدته، فإستدار تجاهها وهو يرسم إبتسامة هادئة:
_كنت مع “عاصي” يا أمي.. وراجع تعبـ,ـان وحقيقي مش قادر أقف.
عقدت “سمية” حجابها حول رأسها بإهمالٍ، ثم أسـ,ـرعت تجاهه لتسأله بلهفةٍ عما انتظرته لأجله:
_طب قولي عملت أيه في الموضوع اللي كلمتك عنه؟
جز على شفتيه السفلية بقوةٍ، ثم مرر يديه على خصلات شعره الطويلة نسـ,ـبياً قبل أن يجيبها بضيقٍ:
_أنا قولت لحضرتك قبل كده أنا مبفـ,ـكرش في الجواز تاني.
إنكمشت تعابيرها الباسمة بحزنٍ، لتردد بعصبيةٍ:
_أوعى تكون لسه بتفكر في تربية الملاجئ دي، والله يا “غيث” لو رجعتها تاني لا تبقى ابني ولا أعرفك.
زفر بحنقٍ، وهو يوضح لها سريعاً:
_يا ماما أنا لا هرجعها ولا هتجوز تاني، أرجوكي سبيني أطلع إرتاح بقا.
سكن السرور والفرحة خلاياها، فربتت على كتفيه برضا:
_إطلع يا حبيبي، ونبقى نكمل كلامنا بعدين.
تماسك بصعوبةٍ وهو يستمع لإصرارها بالحديث عن أمر زواجه للمرة التي تعدت الثلاثون، ولكنه الآن لا يملك طاقة لخوض مجادلة عصيبة معها، فإستكمل طريقه للأعلى بصمتٍ تام، حتى وصل لشقته أخيراً، فدث مفاتحه بالباب ثم كاد بفتحه، ولكن سماعه لصوتٍ مألوف إليه جعل يديه تتجمد أطرافه المتمسكة بالمفتاح، وخاصة حينما عادت لتناديه مجدداً:
_”غيث”.
القرار الذي سيتأخذه تلك المرة صعب للغاية، إن إلتفت تجاه مصدر الصوت القادم من الدرج الجانبي ربما سيرى صاحب الصوت، أيعقل أن يكون يتوهم ذلك!
مهلاً أذنيه تلتقط صوت شهقات خافتة لبكاءٍ، علها حقيقة ستستهدف غضبه المحتبس بداخله طوال تلك الأشهر، لعق شفتيه بلسانه ليمنحهما رطوبة تزيل قسوتهما، قبل أن يستدير ليصبح مقابلها، نعم وجدها تجلس على الدرج وعلى ما يبدو بأنها هنا منذ فترة طويلة، إستندت بيدها على دَرْبَزِين الدرج، حتى استقامت بوقفتها، كان يعتقد بأنه سيندفع بالسباب العنيف فور رؤياها، كان يستعد لذلك قبل لحظاتٍ، ولكنه فور أن رأها سُلبت الكلمات منه، ربما عينيه تشتاق لرؤياها، وقلبه لسماعٍ دقات قلبها، وجسده يتلهف لقربها منه، فإزدحمت رغباته لتهاجمه بضمها بتلك اللحظة، أصبحت هزيلة كثيراً عما كانت، ويبدو عليها إرهاق الحمل الذي ترك أثره أسفل عينيها السوداء، إنخفضت عينيه تدريجياً تجاه بطنها المنتفخة، الآن هي بشهرها الثامن، نعم يعلم ذلك ويعد لها باليوم، مازال يتذكر اليوم الذي علم به بحملها، ولكن خانته تلك الفرحة فتسببت له بوجعٍ بعدها بإسبوعٍ واحد حينما عاد مبكراً من العمل ليراها ترفع صوتها على أمه حتى أنها كادت برفع يدها عليها، إستحضاره لذلك المشهد الذي لم ينساه أبداً جعل عينيه يستحوذهما شرارة مخيفة، بترت كل ما يحمله تجاهها من شوقٍ دفن مع الذكريات الجميلة التي جمعتهما سوياً، فتحرر لسانه ناطقاً بقسوةٍ:
_جاية ليه؟
فركت يدها وهي تقترب منه بإرتباكٍ، وبصعوبةٍ قالت:
_آآنا… كنت… آآ..
قاطعها بجفاءٍ، وكأنه لم تجمعهما علاقة يوماً:
_الإيجار اتدفع ومصاريف الشهر اتبعتتلك وبزيادة، مش شايف مبرر لزيارتك دي!
إنهمر الدمع من حدقتيها التعيسة، فخرج صوتها مختنق بالدموعٍ:
_أنا مش عايزة الشقة ولا فلوس.
رفع حاجبيه وهو يتساءل ساخراً:
_أحب أسمع اللي عايزاه.
أزاحت العبارات اللامعة بأهدابها قبل أن تجيبه بقوةٍ تحاول التمسك بها:
_عايزاك تعرف الحقيقة مش أكتر.
رد عليها بنفس حالة الجمود التي تستحوذ عليه:
_اللي هي!
رغم جفائه بالحديث معها، الا أنها لم تتوقع الا ذلك، فالتقط نفساً مطولاً قبل أن تخوض معه تلك الحرب التي ستستنزفها نفسياً:
_من أول ما دخلت البيت ده ووالدتك مش متقابلة وجودي، كل ما بتشوفني تحت بتقولي كلام صعب على أي حد يستحمله وفي اليوم ده قالتلي آآ…
قطع حديثها حينما إقترب ليصبح قريباً منها، فارتدت للخلف بخوفٍ، فحدجها بنظرةٍ قاتلة قبل أن يلحقها صراخه:
_وده يديكي الحق إنك تحاولي تمدي إيدك عليها، أنا اللي غلطت من البداية لما دخلتك البيت اللي عمرك ما كنتي تحلمي بيه، أنا السبب في الغلط ده وأنا اللي هصلحه..
ثم أشار لها بيديه وهو يستطرد بإنفعالٍ:
_أوعي تفكري إني عشان لسه مطلقتكيش لحد دلوقتي أبقى لسه باقي عليكي، أنا مستني اللحظة اللي تولدي فيها وأخد ابني بعد كده متلزمنيش.
طعنها بخنجرٍ سن نصله واستهدف صدرها ليصل لقلبها، شعرت في تلك اللحظة بدوارٍ مفاجئ يهاجمها، فخشيت أن تفقد وعيها أمامه فيظن بأنها تستعطفه، لذا تركته وهبطت أول درجات الدرج، فإحتد بها الدوار حتى أنها خشيت السقوط عن الدرج فتفقد الرابط الوحيد الذي يجمعها به، لذا إختارت حل وسط لتكون منقذ لها، فجلست محلها على الدرج لتسبح في غياهب الظلام التي إبتلعتها، ذابت طبقة البرودة التي يتخفى خلفها، حينما رآها مغيبة عن الوعي، فأسرع تجاهها ثم حملها بين ذراعيه، ليتجه لشقته مجدداً، فحرر المفتاح العالق ببابه ثم ولج بها للداخل، ليضعها على الفراش، وجذب هاتفه ليطلب الطبيب على الفور.
بمنزل “عمر”.
إستحوذت الصدمة عليهما، فلأول مرة منذ سنوات يصطحب “عاصي سويلم” فتاة معه، كانت “هند” الإمرأة الاولى والوحيدة بحياته، وكلما حاولت شقيقته “إيمان” أن تجد له عروس مناسبة إليه، ولكنه رفض في كل مرة أتت له بفتاة مختلفة، وأخبرها بأنه لا يفكر بالارتباط بعد موت خطيبته وحبيبته “هند”، وهي الآن تراه يقف أمامها وبصحبته فتاة جميلة للغاية، تجاهل”عاصي” السؤال المطروح، فعادت شقيقته لتسأله من جديدٍ:
_مين دي يا”عاصي”؟
ابتسمت وهي تقترب منها، لتجيبها بابتسامةٍ عذباء:
_أنا”لوجين” ، وأنتي إسمك أيه؟
انتقلت نظراتها المتعجبة تجاهه، ومن ثم أشارت له هامسة:
_قولي يا “عاصي” مين دي؟
جذبهما برفقٍ للغرفة القريبة منه، وأغلق بابها ليلتفت إليهما ومن ثم قص على مسماعهما ما حدث، فقال “عمر” بصدمةٍ:
_سيبني أركز بس في اللي قولته، يعني البنت اللي برة دي تبقى خطيبة “قاسم خلدون” اللي المفروض في صفقة هتم بينكم في نفس اليوم اللي كان فيه خطبتهم، فخطفتها أنت لأنها مش عايزة تتجوزه، أيه الورطة السودة دي!
ابتسمت “إيمان” لتقطع حديث زوجها بحماسٍ بعد تفكير جعلها تنجرف بعيداً:
_ كل قصص العشق والغرام بتبدأ بأحداث زي دي بالظبط، أنا دلوقتي متفائلة بالبنت دي وحاسة إنها هتعمل اللي فشلنا إحنا فيه.
استدار تجاهها”عاصم” ثم صاح بها بانفعالٍ:
_إهدي يا “إيمان”،مفيش حاجة من اللي بتقوليها دي هتحصل، قولتلك ألف مرة إن قلبي مات في اللحظة اللي “هند” ماتت فيها..
ثم تركها وخرج من الغرفة ليجلس على الاريكة مقابل”لوجين” التي تنتظرهما بالخارج، فما أن جلس جوارها حتى قالت بخجلٍ:
_أتمنى أني مكنش سببتلك إحؤاج مع عيلتك .
لمس بحديثها خجل يتخفى خلف نبرتها الهادئة، وها قد إستكشف بها جانب جديد جوار مشاكستها وجرائتها التي أثارت اعجابه، لم ينكر بأن تلك الفتاة بها شيئاً يثير إعجابه، ولكنه علل لذاته بأنه لم يتخلى عن أحداً قط حتى يتخلى عنها وهي بحاجة لمساعدته، فقال بصوته الرخيم:
_لا أبداً… إختي كانت عايزة تطمن عليا بس.
قاطع “عمر” الهمس المتلهف بينهما، حينما قال بترددٍ:
_إتفضلوا جوه..
لم يفهم “عاصي” لماذا يريد منه الدخول، فغمز بعينيه وهو يخفض من صوته خشية من أن تستمع له زوجته:
_المفاجأة اللي قولتلك عليها، أنت لحقت تنسى ولا أيه؟
إبتسامة شبه ساخرة رسمت على محياه على طريقته بالحفاظ على سر زوجته، فنهضت “لوجين” عن مقعدها وهي تشير إليه بحماسٍ:
_مفاجأة أيه دي،قولي بسرعة.
أشار لها بأن تتبعه، فأتبعته للداخل ومن خلفهما “عاصي”، فوجد شقيقته قد زُينت الغرفة بأكملها بالبلالين الحمراء، والشموع، ووضعت طاولة كبيرة بمنتصف الغرفة، تحوى قالب عملاق من الكعك المغرق بالشوكولا الشهية، وكتبت على سطحها بالكريمةٍ
“عيد ميلاد سعيد عاصي”…
تطلع تجاهها وهو يمنحها ابتسامة حنونة، فلم يعد يملك بهذا العالم سواها هي وأصدقائه”غيث” و”عمر”، لا يعلم ماذا كان سيفعل بدونهما!
ساد الصمت بينهم حتى طوت صفحته صفقات تلك الفتاة واتبعها صياحها:
_أنا هنا في الوقت الصح، يالا نقطع الكيك لأنه شكله يجوع بصراحة.
ابتسمت لها “إيمان” بلطفٍ، ثم قالت:
_تعالي نجيب السكينة وأطباق..
أومأت برأسها بخفةٍ ومن ثم اتبعتها للمطبخ ومازالت نظرات “عاصي” تتبعها بدهشةٍ،فسرعان ما تأقلمت مع إناس تراهم لأول مرة، تتابعتها نظراته حتى خرجن من الغرفة، فأسرع “عمر” تجاهه ثم جذبه على الأريكةٍ ليردف بشكٍ:
_إنت هتقولي الحقيقة ولا أجيبك يوم عندي في عيادتي ووقتها مش هتخبي حاجة، فتعالى دغري كده وقولي مين البت دي؟
أبعده “عاصي” عنه ثم قال بسخريةٍ:
_فاكر إن كلامك الساذج ده هيجيب معايا نتيجة زي ما بيجيب مع المختلين اللي بتعالجهم لا فوق.
رد عليه بضيقٍ:
_وظيفتي اللي مش عجباك دي بتجبرني أنبش في ماضي الناس وحاضرهم يا أسناذ، لإني دكتور في النهاية.
دفعه بشراسةٍ قبل أن يجيبه:
_يبقى تمارس مهنتك الغبية دي بعيد عني والا هقطع رقبتك،فاهم يا دكتور!
إبتعد عنه ببعض الخوف:
_إهدى، ده مجرد نقاش عادي، إنت انزعجت ليه كده!
إستقام “عاصي” بجلسته ثم عدل من قميصه، لينتبه كلاً منهما لصوت الضحكات المرتفع الذي يقترب، حتى بات بالغرفة نفسها، فما كانت سوى ضحكات “إيمان” و”لوجين”المرحة بعدها تعرفت كلا منهن على الاخرى، فكونت صداقة سريعة بوقتٍ لم يستغرق الثلاث دقائق!