رواية بقلم جهاد وجيه الجزء الثاني

انت في الصفحة 4 من 15 صفحات

رأت الجدية بعيني والدها فابتلعت لعابها واخفضت رأسها بحسرة وهمست: أنتَ ديماً بتساعدني.. المرة دي دليني

ابتسم بطيبة وحنان وهمس: قلبك دليلك يا بنت بلال وعيونك متلهفه ودا كفاية

كادت أن تقاطعه وتبرر له وضع زواجها ولكنه أشار لها بالصمت وتحدث بجدية تامه: مش هعاتبك ولا هلومك ولا هسألك لأن بنتي مبتغلطش، طالما قلبك رايده أنا جنبك وفي ضهرك، متخافيش، بس خلي بالك لكل لحظة فرح ضريبة هندفعها فخدي بالك من قلبك

قبلت يده بعمق ونهضت بخطواتٍ مُتثاقلة تُرتب أفكارها من جديد بعد حديث والدها الجَدي
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

وضعت يديها على معدتها تُمسدها برضا تام عن ما خلفته، في حين أن نظرات ذلك المصدوم تكاد تُبرق من فرط مشاعره التي تؤرجح قلبه، زفر بحنقٍ منها ولكنه ابتسم بسعادة لتلك البسمة التي تزين ثغرها الشهي بعد محاولاته المستميته لجعلها ترفع نقابها لحين تناول المثلجات، راقب ارتخاء ملامحها التي أبرزت كم الانتشاء الذي أصابها بفعل تناولها للشيكولاته، بدت كنسيمٍ هادئ وسط عاصفة قاسية، تصنع انشغاله عندما رآها تفتح عينيها وتهمس بتثاقل: يلا نروح

لم يتحمل كتم ضحكاته الساخرة منها ومن هيئتها الشبه نائمة ونهض هامسًا بمرح: بقى كام علبه شيكولاته على آيس كريم يعملوا فيكِ كدا يعيني على الرجاله

لوت شفتيها بلا مبالاة من حديثه ورمقته بعينين ناعستين وهمست وهي تتثاءب: لازم تقدر وتفهم إن الشيكولاته بتعملي تُخمه وتخليني طايره… طايره في السحاب

ضحك بفرحٍ على تعابيرها الهائمة للشيكولاته واقترب ممُسكاً بكفها ليساعدها على النهوض وتمتم بتهكم: شكلك شبه دُب الباندا بعد وجبة خيزُران

عقدت حاجبيها بضيق وزمت شفتيها بغضب وتمتمت: متقولش دب باندا أنا قمر يا قمر

ضحك بشدة حتى ادمعت عيناه وتحدث من بين ضحكاته وهو يشير على نفسه : أنا يبنتي؟ شكرًا على ثقتك الغالية دي

نهضت « هبه» بتثاقل وانزلت نقابها وتقدمته ثم نظرت له بكبرياء ورفعت أحد حاجبيها وتمتمت: ورايا

عدل من وضع چاكيته ومسح على خصلاته وتمتم بغيظ: قدامي يا أخرة صبري وسلواني

سارا سويًا حتى خرجا من المحل ومازالت هي تتفاخر بمشيتها وتدندن بسعادة لدرجة أنه شك باحتواء تلك المثلجات على موادٍ مخدرة افقدتها عقلها الرزين، وسط نظراته لها بدأت السماء بالكشف عن مطرها الغزير الذي جعله يدفعها للتقدم بسرعة حتى لا تبتل ملابسهم ولكنها على عكس المتوقع جلست على الرصيف ورفعت كفيها لأعلى وعينيها تلمعان كلمعان البرق بالسماء، زفر بضيق من تهورها وعدم خوفها على نفسها واقترب يحثها على النهوض والسير ولكنها جذبت يديه ليقع جانبها ووضعت رأسها على كتفه بنعاسٍ شديد وتمتمت: عاوزه أنام كدا سيبني شوي

ابتلع لعابه بتوتر من قربها الشديد ورأسها الملامس لكتفه وتلك القشعريرة التي وثبت بقلبه وجعلته يرغب بضمها لصدره وليحترق العالم بأسرة، غابا كلاهما خلف تلك اللحظة وقطرات المياه الشاهدة على أول تقارب لقلوبهم العنيدة واحتضن كفها بين أصابعه وهمس بشجن: بتعملي فيا إيه بس يا هبه ومودياني على فين

مطت شفتيها للأمام بزنق وقربت جسدها منه وهمست بنعاس: على قلبي يا قرة عيني

نظر لها بصدمة سرعان ما تحولت لضحكٍ هيستيري لما تفوهت به وهو يتوعد لنفسه صباحًا عندما تستيقظ وتتذكر ما خرج من جوفها الشهي حتما ستصاب بجلطة من لسانها

بحنانٍ شديد حاول إفاقتها وخلع چاكيته ووضعه بحبٍ عليها وساندها حتى وصلا للسيارة ووضعها بالمقعد الخلفي وسارا

نهاية ليلة سعيدة عاشاها سويًا بلا قيود وبلا فوارق فقط قلوبهم كانت حُكامهم، اتبعا ما تُمليه عليهم مشاعرهم ولأول مرة تصدح منهم مثل تلك الضحكات السعيدة التي زلزلت فؤادهم، أهذا مذاق الحب الذي أخبرته والدته عنه؟؟…..
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

انحنت السُحب كاشفة عن نهارٍ جديد لقلوبٍ جديدة أرهقتها الليالي المظلمة، بدأت الشمس بإلقاء دفئها بعد ليلة باردة كان الدفء الوحيد بها هو الحب الكامن بين ثنايا الأفئدة….

وصلت « ورده» مع والدها ووالدتها للمشفى وقلبها لا يعلم أيفرح للقادم أم يهاب الزمن ويتراجع، هي لا تعلم طبيعة مشاعره ناحيتها ولم تُفصح عن خبايا قلبها، وقفت بتوتر أمام غرفته وفركت كفيها بخوف وطرقت الباب، آتاها صوته الخافت الذي ارجف قلبها بين قفصها الصدري، دلفت بخطواتٍ متثاقلة بعد والديها ولم ترفع عينيها فقط تستمع لحديث والدها معه عن حالته وحنان والدتها عليه وأصواتٍ رجالية أخرى لم تتبينها وأخيرًا صوت المأذون وهو يهتف بسعادة ورضا
« بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير»

ابتلعت ريقها الذي وخزها بقوة بحلقها ورفعت نظرها له، صُدمت بالغرفة الفارغة من حولهم سوى من نظراته العجيبة بها!! راقبت اقترابه منها حتى جلس جانبها على المِقعد وهمسه الضعيف: مُبارك لينا

أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وتساقطت دموعها الحزينة التي لا تعلم سببها ولم تتفوه بشيء، بينما نهض « براء» وجلس أسفل ركبتيها وحضن كفيها المُحمرين ثم لثمهم بقبلة رقيقة بعثرت ثباتها وتمتم بنْبرة عاشقة: مش عاوزه تسمعيني؟!

هزت رأسها بنفي وارتجفت يديها وسلطت نظراتها عليها لتغوص بزيتونيتيه وهمست بحرقة: مش عاوزه غير أسمعك

أومأ لها وعلى ثغره الشاحب بسمة حزينة ووضع رأسها على ركبتيها وخرج صوته الذي تخلله الحزن والألم: كان في أسرة صغيرة من راجل وزوجته عايشين بهدوء وسعادة وحبهم كان مالي قلوبهم، فاتت الأيام وعدى على جوازهم سنه والتانية والتالته لحد ما كملوا ست سنين بدون ولاد والاتنين خايفين يكشفوا عشان ميقدروش يواجهوا قرارات بعض كانوا رغم حبهم إلا انهم أنانين، بعد فترة قرروا يكشفوا ولقوا إن الحل إنهم يعملوا عملية حقن مجهري، بالفعل عملوها وربنا رزقهم بتوأم ولاد، كانوا جُمال وأسرتهم جميلة والكل بيحسدهم عليها ويتمنى يبقى عنده أسرة شبهها، بس زي ما بيقولوا وما خفى كان أعظم، من أول الولاد بدأوا يكبروا ومعاملة الأم والأب ليهم مش عادلة، واحد ليه كل الحب والحنان والخوف والطيبة وكل اللي يطلبه والفخر وواحد ليه العُزله والفشل والرهبه والوحدة والكُره والهروب، الولد فِضل عايش في وسط كل الوجع دا لحد ما كمل 17 سنه، كان عنده استعداد يهرب وقتها ومحدش هيهتم لأمره ولا هيفكروا فيه لأن طالما اللي مفروض ومُجبرين يحبوك مش بيحبوك يبقى ملكش لازمه في الحياة، الولد حاول ينتحر كتييير بس كل مره محاولته بتفشل وكأن ربنا عاوزه يتعذب، قرر يسيب البيت ليهم في ليلة شتا في آخر ديسمبر ومشي….

شعرت بدموعه التي بللت ثيابها حتى وصلت لجسدها لتحرقه، حاولت مواسته وإخراج صوتها وربما ضمه ولكنها فشلت واكتفت برفع كفها لمنابت شعره لعلها تخفف عنه كم الألم الذي يعتصر صدره بقوة ويضغط فوق روحه….

صمت « براء» لعدة دقائق يلتقط أنفاسه ثم ابتسم بعشق لفعلتها وأغمض عينيه واسترسل تلك الزكريات القابضة فوق صدره: الولد مشي بطوله من غير هدوم ولا اكل ولا فلوس، هِرب من عيلته اللي حطمته ودمرت ثقته وطموحه، فضل قاعد تحت كوبري ميعرفش حتى مكانه بيحمي نفسه من البرد ويشاء ربك إن راجل عجوز يشوفه وياخده بيته ويتعاطف معاه ويحبه ويربيه مع ابنه، وفاتت السنين والولد دا كبر وخلص كليته وكان في حاله طول عمره، وبعد 9 سنين أهله رجعوا يدوروا عليه ويلاقوه بالصدفه وعاوزين يخدوه بعد ما توأمه مات بمرض خبيث بعد ما هو مشي بسنين، بس الولد وقتها كان قلبه بقا جاحد نسى أهله نسى أزاي كان بيحب أو فين رحمته وطيبته

رفع رأسها ودموعه التي أغرقت وجهه الباكي وأشار على صدره بلكمة قوية وهتف بحرقة: قلبه اتوجع من أهله، قلب الولد دا مات من ليلة الشتا وبقى في قسوة الشتا، الولد دا اتعذب بحق كل ليلة بات بيبكي من إهمال اهله ليه وعدم خوفهم وتجاهلهم وجوده، الولد دا اتحطم

هزت رأسها بنفي وهبطت لتصبح بمستواه وجذبت رأسها لصدرها بقوة ودموعها النازفة تكوي قلبها المسكين، لن تعاتبه فيكفيه ما عاناه بعمره منذ صغره، لقد نشأت بين عائلة تحبها وتخاف عليها وتحتويها عكسه هو، شددت من ضمها له وصوت نحيبه يمزق كيانها، تتفهم ما يشعر به تقسم أن قلبها يئن بوجعه، رفعت رأسه من حضنها وكورته بين أناملها بعشق وعلى استحياء طبعت قبلة متيمة جانب ثغره وهمست: الولد دا قلبه مفيش في حنيته ولا في شهامته وجدعانته، الولد دا قلبه بخير ولو مش بخير مكنش هيفضل موجود لدلوقت

لمعت عيناه ببريقٍ خافت واقترب ببطءٍ من وجهها حتى امتزجت أنفاسهم وتلامست شفاهِهم بقبلة عميقة وعاشقة لأبعد الحدود، قبلة طويلة بث كلاهما مشاعرهم المختبأة بها، لم يهتما للمكان ولا الزمان فقط كل ما يهم أنهم هنا معا، طالت قبلتهم واختفت أنفاسهم بها وكلاهما يرتوي من شهد الأخر رغم ضعفهم وضعف روحهم التي بدأت تُزهر من جديد، جذبها « براء» من خصرها ضاممًا جسدها لجسده بقوة ولم يقدر على إنهاء تلك القبلة الناعمة وكفيه يلامسان وجهها بحنانٍ جعلهم يحلقون بسماء العاشقين بعالمٍ حلله الله لهم……

بعد مدة طويلة ابتعدا ولكن مازالت أنفاسهم تتخلل بعضها البعض رافضة البعد والهجر من جديد، وضعت « ورده» يديها فوق خافقها الثائر لتهدأ من نبضاته وتُسكن جسدها المرتجف الذي انتعش بقربه الفاتن ولكنها فشلت فهل للعشق بقيودٍ تمنع الجسد من التراقص؟!

أما هو!! اكتفى ببسمة هائمة ونظرة خاطفة على هيئتها المرتبكة وخجلها وذلك النمش الذي ضاعف جمالها المُهلك، تمعن بملامحها وكأنها فنانٍ يلتقط صورة فوتوغرافية للوحته بعقله حتى يُعاود رسمها من جديد، بكل مرة ينظر لها يخفق قلبه بين صدره وتشتعل رغبته بضمها وتقبيل رأسها وهذا ما يُعنيه السلام النفسي له، القى برأسه على كتفيها بسلامٍ وتمتم وبسمته تتسع: لحد ما قابل بنت طايشه ومجنونه، بنت من أول يوم شافها وهم بيتخانقوا، بنت صغيرة وأوزعه حيرته، كان كل يوم بيروح الشركة اللي بتجمعهم قبلها عشان يشوفها وهي داخله زهقانه ومتعصبه أنها صحيت بادري، كان قلبه بيرقص لما يشوفها بتضحك في يوم، كانت اسم على مُسمى….« و..ر..د..ه» وهي كانت ورده بس وردة ربيعي اللي نورت ضلمة روحي، كنت كل مره بقول ليها يا أوزعه أو يا قصيرة بيبقى نفسي اضمها ليا واقول ليها والله قلبي ما بيفرح غير لما يلمح طيفك، كانت جميلة رغم خوفها، بسيطة في كل تفاصيلها، ضحكتها بتنورها قلبي ما تضوي قلبي، البنت دي خطفت قلبي وخلتني مش على بعضي، مكنتش عارف إن كلامي بيوجعها كدا لأنها بتبتسم وتزعقلي وتمشي… مكنتش اقصد في يوم أوجعها ولا اتعب قلبها دا انا كنت بعافر لأجل حُبها، غابت عني يومين توهت والدنيا اتقفلت في وشي وحطيت أي حجة عشان اشوفها واعتذر ليها بس هي طردتني وواجهتني بتعبها مني، حسستني بحقارتي وقد إية كنت قذر معاها بس هي متعرفش إن كل دا كان عشان أخليها تكلمني واسمع صوتها واسمي منها حتى لو بغضب ولقب، غبت وعرفت عيلتي وملقتش حد يضمني مكنش على بالي غيرها رجعت ليها بس قبل ما اعترف بغلطي هي عرفت بمرضي وتعبي، أنا حبيتها والله بكل ذرة قوة وضعف فيا ومتمنتش غير قلبها…. تفتكري هلاقي حُبها؟!!!!….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى