الفصل السابع
شظايا الكلمات
رُبَ صُدفة تجمعنا ولحظة تُرافقنا وعمرًا يُنسينا سنكون معاً ذات يوم
******************
ضباب، كل ما يجول حولها ضبابٍ تام، تخلل لمسمعها صوتٍ حزينٍ خافت يتلو بعض الآيات، رغبت بالخلاص وأن يكون واقعها مُجرد هلاوس بصرية تجول بها، تمنت من صميم قلبها كونها فراشة حُرة ترفرف بين الأزهار وتتلمس بأجنحتها المُلونة جُزيئات الرياح ولكن!!!
هي بالواقع، رمشت بأهدابها بتعب ومن ثم كشفت عن داكنتيها الحزينين، رطبت شفتيها ووقع نظرها على «هبه» الممُسكة لكتاب الله تتلو لها، ابتسمت بحبٍ وخرج صوتها الضعيف أثر نحيبها: صوتك بيروي الروح يا هبه
رفعت « هبه» نظرها من المصحف لتتسع بسمتها الحزينة أسفل نقابها عندما أبصرتها، لقد ظلت لساعتين غائبة عن الوعي بفعل بعض المُهدئات التي حقنها الطبيب بها، نهضت مُقتربة منها وجذبت المقعد لجوار فراشها، انحنت طابعة قبلة مُطمئنة فوق جبينها وأردفت بحب: أنتِ بخير؟
هزت « وردة» رأسها وتصاعدت العَبرات المالحة لتسكن حدقتيها وأشاحت بوجهها بعيدًا وهمست برجاء: هو كويس صح؟!
تساقطت دموع « هبه» المُتألمة وربتت بكفها فوق حِجابها وهمست بتأكيد: ومستني يشوفك
رمقتها « ورده» بنظرة متلهفة ودموعها تبلل وجنتيها الشاحبتين ثم ابتلعت ريقها بخوف وتمتمت بتوجس: هو فاق وبقى كويس!؟
ابتسامة« هبه» المؤكدة جعلتها تنهض بضعفٍ شغوف من مخدعها وتهرول لمن أرهق قلبها، استندت على جُدران الغرف حتى وصلت لغرفته ووقفت أمام الباب وتنهدت بعمق وطرقته، آتاها صوته المُتعب الذي مزق قلبها إربًا وجعلها تكتم صُرخها وتخطو للداخل بتباطؤ…..
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
وقع نظرها المتلهف عليه، فقد بريق عيناه التي كانت تغوص بغاباتها الخضراء، شفتيه الشاحبتين أوضحت نقص الأكسجين بجسده، جسده الهزيل والأجهزة الموصلة به جعلتها تُشيح ببصرها عنه تنوي الخروج قبل إظهار ضعفها ولكن صوته الملئ بالرجاء جعلها تتقدم منه وتجلس على ركبتيها أمامه وتهمس بحنوٍ: عامل إيه دلوقت
ابتسم « براء» باتساع وتنفس بعمق رغم ضيق صدره وتمتم بإرهاقٍ: أنا آسف
هزت رأسها بعنف وأغمضت عينيها لتسمح لدموعها بالتوازي على وجنتيها وهمست بأمل: هتبقى بخير عشاني!
رفع « براء» كفه المرتجف ووضعه بحنانٍ على شِطر وجهها ليمسح دموعها بأنامله وتحدث بحُرقة: تتجوزيني؟!!
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
بعدما هدأ قلبها على صديقتها قررت العودة لشقيقتها، كانت في طريقها للخروج من الغرفة عندما التقت به، ابتسمت بتكلف وتمتمت له: ينفع نمشي؟!
أومأ لها بصمت ووضع كفه بجيب بنطاله وأشار لها بالتقدم….
إنها الثانية عشر بمنتصف الليل تمامًا حيث العاشقين والمحبين يتهامسون سِرًا وعلنًا عن ما يجيش بصدورهم، الثانية عشر من أوحش الزكريات القاسية على قلوب المخذولين والمُفارقين، الثانية عشر البداية الجديدة لحكاياتٍ جديدة مُبهجة لبعض الوقت….
طلبت منه التوقف أمام البحر، ترجلت من مقعدها وجلست على الأرضية الرملية محتضنة نفسها، يقولون البحر بئر الاسرار لم يرد قلبًا خائب ولا حزينًا تعيس، جميع المُحبين يأتونه ليقذفوا بأمواجه ندبات قلوبهم وعلقم حلقهم ثم يبتسمون وينتهي الأمر، شعرت بحركته يجلس جانبها لكنها لم تلتف واكتفت بسؤالٍ بسيط: بتحب البحر؟!
قبض على بعض الرمال وخللها بين أصابعها وابتسم بغموض وتمتم: البحر غدار ميتوثقش فيه ولا يتحب
دارت بنظرها له ورمقته بتعجب وأردفت: ليه؟!
اعتدل بجلسته واراح ظهره للخلف وسلط نظراته على النجوم اللامعة بالسماء والتي بدأت بالاختباء وتحدث: البحر زي الكتاب الاحتياطي اللي بتلجأي ليه لما كل اللي حواليكي يمشوا، هو بدوره بيغريكِ بموجه وصمته ولونه الصافي ويثبتلك إنه خير صديق بس هو ألد عدو واحده واحده تتمني تغوصي فيه عشان تفهميه بس وقتها بيبقى هو انتصر وسحبك لنهايته اللي بتوازي نهايتك، كلنا بنميل للبحر بلونه ولُطفه والراحه اللي بنلاقيها على رِماله بس في الحقيقة اللي بيحب البحر وحيد
اعطته نظرة جانبية مع ابتسامة فاتنة ولكنها مُختبئة خلف نِقابها وشردت بقلبها الذي سقط صريع قلبه وتمتمت: البحر دافي للعُشاق، بيشهد لقاءهم وحبهم، قلوبنا محتاجة رهبة البحر وأمانه
انتصب واقفًا أمامها بطوله الفارع وانعكاس ضوء القمر عليه جعلاه كأسطورة قديمة للجمال الإغريقي المُهلك، فتح كفه أمامها ونظرة عيناه الدافئة جعلتها ترفع كفها بلا تردد ليحتضن خاصته بحرارة وسرور، سار بها حتى وصلا على أعتاب الأمواج المتلاطمة وانحنى مُشمرًا بنطاله وعاود إمساك قبضتها بقوة وهتف بسعادة زلزلتها بوقفتها: سيبي نفسك وعيشي ولو لحظة بدون خوف من ماضي أو حاضر أو حتى مستقبل مجهول
ابتسمت بشدة حتى بكت من فرط سعادتها التي لم تتحقق سوا معه وبأبسط الامور وخلعت حذائها وما إن لامست قدميها المياه حتى شهقت من برودتها وتيبست قدميها ولكنه لم يتركها بل أشار لها بعيناه بمعنى لا مكان للخوف ومن ثم بدأت رحلتها بالحبو كرضِيعٍ صغير ولم تُضاهىَ سعادتها وصوت ضحكاتها الذي انعش فؤاده فهمس بلا وعي: يا صاحبة البُنيتين تمتلكين اروع بَسمة بين نِساءِ حَواءِ جميعهم…
شُلت قدميها ووقفت لوهلة مصدومة من غزله الصريح بها ونبرته التي حملت تلك التنهيدة الحارة التي استشعرها قلبها، وضعت يديها على وجهها من الخارج وتقسم أنها شعرت بحرارته رغم برودة الأجواء، على غفلة من شرودها شعرت بقطرات باردة من المياه تُلامس أهدابِها مما جعلها تضحك بقوة عندما رأت « ثائر» يقذفها بالمياة ومن ثم يتصنع البراءة، انحنت ودفعت المياه نحوه بقوة وصدحت ضحكاتها بالأجواء على تقاسيم وجهه الحانق منها، وقفت بشموخٍ وثقة مُختصرة وأدرفت: مش قد اللعب متلعبش
ابتسم « ثائر» بتهكم ورفع قدمه وهبط بها بالمياه حتى أغرقتها المياه بالكامل لتشهق بعنف وتدوي ضحكاته هو عليها تلك المرة، شردت بصوت ضحكته الرجولية وملامحه التي تتوهج عندما يبتسم وتلك النُغزة الممُيزة بخده الأيمن كم كان وسيمًا وجذابًا وعندما تنغلق عيناه بفعل خداه، ابتسمت ببلاهة وهتفت: عاوزه أكل آيس كريم
انقطعت ضحكاته وابصرها بعينين ضيقتين وهمهم بتفكير ثم قبض على كفها وسحبها خلفه بسعادة
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
استندت بسعادة عارمة على باب غرفتها واحتضنت تلك الروايات التي جلبها لها بعد موعدهم، يعرف كل شاردة ووارده عنها ولا يغفل عن أية نظرة منها، استمعت لطرقاتٍ خافتة على نافذتها فوضعت الروايات على الفراش واقتربت بحذر من النافذة وهتفت بخوف: مين؟
لم يأتيها الرد ولكن باغتها الطارق بدفعة جديدة للنافذة اغضبتها وجعلتها تفتحها على مصرعيها وتشهق بصدمة عندما رأت « راكان» يجلس بأريحة على الشجرة المجاورة لشرفتها، ضحكت بمرح وتعجب وهتفت: بتعمل إيه هنا يا دكتور يا محترم
تصنع « راكان» التفكير لعدة لحظات ثم بخفة ورشاقة قفز لغرفتها وسط صدمتها التي اختفت بين احضانه!!
أجفلت « أثير» من فعلته واحتضانه الشديد لها وتمتمت بزهول: أنتَ عملتها إزاي
ضحك « راكان» ملئ فاهه وقرصها بمرح بخصرها مما جعلها تنتفض بين ذراعيه وتهتف بخجلٍ وغضب: أنت قليل الأدب ووقح
هز كتفيه لأعلى بلا مبالاة وعاود جذبها من خصرها بقوة ولفها له حتى اصتدم ظهرها بصدره العضلي وخصلاتها النارية تُشعل شياطينه، ابتلع ريقه بتوتر وحاول إخراج صوته المُرتبك وهمس بدلال: عملتي فيا إيه يا أثير هانم
بجرأة منها لامست كفه المحتضن لخصرها واراحت رأسها على صدره بدلالٍ وهمست بنعومة: ولا حاجه وإسأل قلبك
توتر جسده من اقترابها المفاجئ ونبرتها التي تجعله يود فعل الكثير من الأمور الغير صالحة الآن ولكنه ليتهرب من كل ذلك دفن وجهه بين خصلاتها وتنهد براحة كغريقٍ حصل على أنفاسه وتمتم: قلبي تعب من بعدك ودلالك يا ست الحُسن بس لسه بيتنفس على أمل في يوم تكون ملامحك أو طله تشوفها عينيه
ارضى غرورها وثقتها بالفعل وجعلها تود احتضانه لمئة عامٍ حتى تزهق أنفاسهم سويًا، أمالت برأسها للجانب لتسمح له ببث شوقه وتعبه القاسي لها، ولكنها لم تحسب ضريبة ذلك بأنها سترتجف خجلاً وترتبك من قوة مشاعره التي يُغدقها بها…
لثم « راكان» عنقها بحرارة ولطافة جارفة جعلتها تشعر بالسُحب أسفل قدميها تقودها لوجهة خاصة بهم، كانت قبلاته مُلتهبة وشغوفة ومُشتاقة حد الجنون، أنفاسه التي تلفح جيدها الناعم جعلتها تتنهد بعمقٍ وحرارة وتهتف بتعلثم مُدلل: راكـــــ…. ااا.ن
أغمض عينيه من صوتها الناعم الذي يعبث برجولته وصبره وتنفس بين ثنايا عنقها الأبيض وهمس بصوته الأجش: ضي عيون راكان
أدارت جسدها لتُصبح بمواجهته وأنفاسها الساخنة تلفح صفحات وجهه وأحاطت عنقه بيديها وهمست: مش هتندم على جوازنا؟!
آتاها رده بقبلة عصفت بكيانها وجعلتها ترتجف بين يديه وتقبض بقوة على عنقه ليتعمق بقبلته التي زلزلت وجدانها، لحظه مُختسلة من واقعهم انستهم العالم وحلقت قلوبهم بعنان السحاب، فصل القبلة واسند جبهته على خاصتها ليلتقط أنفاسه وتهدأ ثورته المُتهدجة ولامس بإبهامه شفتيها برقة وهمس بعشقٍ: وحياة عيون أثير هانم اللي خطفتني ما هندم غير على اللحظة اللي مش هتكوني في حضني فيها
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
لتوها فاقت من صدمتها بطلبه للزواج منها، ليست مُخيره ستوافق مهما كلفها الأمر، رأت الكثير والكثير من الأحاديث بعيناه يود البوح به ولكن هناك ما يحول بينهم، بشجاعة طرقت باب والدها بعدما تركته بالمشفى وغادرت لتُخبر والدها، ابتسمت بتكلف واقتربت من والدها الجالس ولكن قبل أن تتفوه سبقها هو بصوته الثابت: خايفه ليه يا بنت بلال مش عادتك
ابتسمت هذه المرة براحة وجلست أمامه واحتضنت كفه وهتفت مباشرة: براء متقدملي…