همست بها ( ورده) وبدأت دموعها تتساقط من جديد مُعلنة بداية جديدة لها بمأساتها الجديدة التي ستطيح بصبرها !!!!……
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
بلهفة وتسرع التهمت الدرج وهي تُعدل من ثيابها ولم تنتبه للحائط البشري المُقدم عليها ، رفعت عينيها بلامبالاة عندما رأت ظلٍ رجولي أصبح حائل بينها وبين باب البناية، كادت أن تصيح فيه بالابتعاد ولكنها عندما رأته أخفضت رأسها بينما هو بادر بسؤاله الغاضب : راحه فين يا هبه دلوقت ومستعجله كدا ليه حتى مربطيش نقابك كويس
هزت رأسها بنفي وتمتمت ويديها تقبض على رِباط نقابها : راحه المستشفى لورده ممكن لو سمحت تعديني ؟
أفسح (ثائر) لها الطريق وسبقها متحدثًا بأمرٍ : اتفضلي ورايا هوصلك
لم يكن لديها مجالاً للمناقشة أو الرفض وسارت خلفه بخنوعٍ وقلبها ينبض بعنف من هواجسها التي تصور لها السوء برفيقتها، جلست بالمقعد جواره وشردت قليلاً بحالها ولكن …..
شرد هو بها، بداية من عينيها البُنيتين اللامعتين بالعَبرات حتى صوتها الهامس الذي بات يُدمنه ويعتاد عليه، تُشبه زهرة الربيع المُتفتحة التي مرت بقلبه لتتهادى بخطواتها المدللة فوق دقاته العالية، حمحم ( ثائر) بصوته قاطعًا الصمت وأردف بهدوء : مين ورده دي ؟
ابتسمت لصوته الذي تخطى جميع الحواجز ليعبر لقلبها ورمقته بنظرة جاهدت لإخفاء ارتباكها وهمست بحزن : صحبتي الوحيدة
صمت قليلاً وراقب الطريق من حولهم، السماء ليست بحالة جيدة الليلة، من المؤكد أن موجة من الأمطار قادمة، اختلس بعض النظرات لها ليرى تلك البُقعة المالحة أسفل عينيها والتي أكدت حِدثه بأنها تبكي، قبض على مقود السيارة بعنف حتى أبيضت سُلمياته ولكنه تمالك غضبه من حزنها وأردف بتوجس : عرفتيها إزاي ؟
حسناً هي تحتاج الحديث وها هو يُقدم لها بطاقة البِدء على طبقٍ من ذهب، أشاحت بوجهها للطريق حيث بدأت قطرات المياه بالهطول وصوت الرياح بدأ بالعزف على أحزانها وكأن الجميع يشاركها تلك اللحظة الفريدة وكم هي ممنونة لهم، فركت كفيها بتوتر وتحدثت ببسمة استشفها هو من صوتها : لما دخلت الحاره اللي والدة فاضل قالتلي هتعيشي فيها كنت تايهه، معرفش حد، خايفه، كنت تعبانه، كل ذرة بتئن من الوجع جوايا غير وجع قلبي، كنت ماشية بتسند على الحيطان لحد ما ظهرتلي بنت شالت عني شنطتي ومسكت رحمه ودورتلي على شقة فيها، فضلت معايا طول اليوم لحد ما نضفت الشقة وجابلتي أكل وبعدين سابتني، تاني يوم لقيتها جايه بتطمن عليا، وجابتلي دكتور والعلاج وفضل الوضع دا لحد ما خفيت، كنت بسيب رحمه عند مامتها وقت شغلي لأني خايفه عليها، صادف وشغلي كان معاها في نفس الشركة، كل دا ومكنتش تعرف حكايتي ولا اسمي غير بعدها بإسبوعين لما خفيت، مكنتش خايفه من وجودها، كنت مطمنه، حد بيطيب جرحك ببسمة منه وهو مفتقدها، حد بيحضنك لما تتعب بعد ما كنت وحيد بتعاني، ورده زي الحلم، أنا لو بحمد ربنا على رزق هيبقى ورده، علاقتنا مش صحاب ولا مجرد فترة وهتعدي، إحنا بنبعد وقت المشاكل لإننا محتاجين هُدنه بس لما قلوبنا بتحتاج بعضها بنرجع من غير تفكير، أصل الصحاب من بالعدد ولا بالكلام لا بالفعل والأوقات …..
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
دقت الساعة التاسعة وهم جالسان بالحديقة يتحدثان، رُغماً عنها أجلسها ووضع رأسه فوق فخذها وأغمض عينيه براحة، قلبه هادئ، روحه سعيدة، يومين فقط وستذهب معه لبيته ويستيقظ يحتضنها كل صباح، يومين فقط وستصبح ملكه!!
جذب (راكان) أناملها الرقيقة ووضعها بين منابت شعره الأسود وأغمض عينيه بعشق وهمس باسمها بتأني : أثير
ابتسمت هي الأخرى ولكن بخجل واحمرت وجنتيها وهمست بنعومة : نعم …
بلع ريقه بصعوبة من همسها الناعم الذي أطرب أذنيه وجعله يتخيل أشياءٍ لو علمتها هي لسقطت فاقدة للوعي من خجلها، أمسك كفها من بين خصلاته ووضعه برفقٍ فوق خافقه لتصبح قبضتها تتراقص على نبضاته السريعة وأنفاسه السطحية وأردف بتمني : أوعي تفرطي في قلبي يا أثير….لو في يوم حصل بينا مشكلة واجهيني بيها وعاتبيني بس متمشيش ولا تسكتي، متبعديش عن قلبي لأنه ضعيف من غيرك والله
غَصة مؤلمة اجتاحت حلقه يعرفها جيداً تلك التي تسبق بكاؤه جعلته يغمض عينيه ويتحدث متهربًا منها : اعرفي إن أي حاجه وكل حاجه بعملها عشانك والله، متفكريش تسيبيني من قبل ما تواجهيني وتلوميني، أنا عمري ما هقصد في يوم أوجعك ولا أجرحك ولو حصل بيبقى غصب عني …
ابتسمت بحنانٍ لتوتره وحديثه الغامض عليها وربتت فوق صدره هامسة برقتها المعهودة : اللي بيحب مبيوجعش يا راكان
هز رأسه بيأس من تلك الدموع التي تعنفه رغبة بالهطول وزاغ ببصره نحو النجوم العالية وتحدث برجاء : لا بيوجع ، بس ممكن ميبقاش قاصد ممكن يكون بيختارله وجع أخف من وجع ويضطر يوجع نفسه معاه، اللي بيحب بيوجع يا أثير
احتارت من صوته المتألم عكس لهفته وفرحته منذ قليل، ولما ذلك الوجع بنبرته؟! رفعت رأسه ببطء من فوق قدمها وثقبته بعينيها بنظرة شاملة وكورت وجهه بين كفيها بجرأة جديدة وأردفت : مالك يا راكان
اقترب بوجهه من كفيها أكثر وأغمض عينيه بألم ودموعٍ تشتاق للنزول وهمس بخفوت : احضنيني ….
لبت رغبته على الفور وفتحت ذراعيها بلهفة كدعوة صريحة له ليُلقي بألمه بين ثناياها الرقيقة، دفن وجهه بعنفٍ بين خصلاتها النارية وذراعيه متشبثين بخصرها بقوة وكأنه يخشى ذهابها ؟! همس بتعب : بحبك يا أثير … بحبك والله
ضمته بقوة مماثلة لقوته لعلها تستشف سبب تألمه ونزاع عقله الخائف من سببٍ مجهول!! رغبت لو همست له بحبها الجديد ولهفتها عليه ورغبتها بالبكاء على حزنه ووجعه ولكنها يجب عليها التحلي بالقوة لأجله !! ولكن هل للقدر ظنونٍ أخرى !!!؟
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
بخطواتٍ متعثرة بحثت عنها وقلبها بخفق بقوة وهلع، هوى قلبها للحافة عندما ناظرتها جالسة على الأرضية الباردة واضعة رأسها بين قدميها وصوت نحيبها يصل لها، أسرعت مقتربة منها حتى وصلت إليها وجلست أمامها وهمست بقلق : ورده !!
رفعت ( ورده) رأسها ببطء لترى رفيقتها الوحيدة بلهفتها وقلقها الواضح على محياها وملابسه الغير مرتبة وصوتها الخائف!، ابتسمت بحزن ورَمت بذاتها بين ذراعيها، لم تأبه بالمكان ولا العالم هي فقط رغبت بصدرٍ يستقبل وجعها ويضم قلبها، رغبت ولو بشفقة تخفف عنها أنين قلبها، بعدما صرح لها الطبيب بنتيجة الفحوصات التي أظهرت شدة مرضه لم تشعر بنفسها للآن، مازال فاقدًا للوعي وهي هنا تُصارع هواجسها المُرتعبة، بضعفٍ وتعب أغمضت عينيها وهمست بوهنٍ : هيروح مني يا هبه، بعد حُبي ليه دا كله بيضيع مني، بعد ما حبيت عيوبه وتعبه لقلبي عاوز يمشي ويسيبني يا هبه، براء عنده كانسر في حالة متاخرة يا هبه، كانسر عارفه يعني إيه ؟؟ يعني … يعني هيموت !! يعني بعد ما وجع قلبي هيمشي بسهوله كدا!!! دا قلبي بينزف بسببه وعشانه!! أنا قولت ليه مش عاوزة أشوفك بس مكنش قصدي كدا والله، أنتِ عارفه كدا صح ؟!!
تساقطت دموع ( هبه) المُشفقة والحزينة على حال رفيقتها التي مازالت تُدافع القدر لعله يبتسم لها ولكن بكل مرة تسقط مُدمرة وفاقدة لجزءٍ منها، لكل مرة تفقد قوتها وقلبها وتتحطم آمالها، هزت رأسها بصدمة من تلك الهيستيريا التي عليها ( ورده) وضمتها بقوة وهمست لها بتأكيد : عارفه يا قلب هبه …. عارفه والله
دفنت وجهها أكثر بصدر ( هبه) وببكاءٍ مكتوم همست : والله يا هبه مكنتش اقصد، كنت بس عاوزه هدنه بعيد عنه عشان قلبي تعب من حبه، رَجع ليها يوجعني بالحقيقة دي، أنا قلبي مبقاش حمل وجع جديد، هو مش هيمشي ويسيبني صح !!! هو بيحبني صح !!!؟
صوت نحيبهم جعل المارين يشفقون عليهم ومنهم من بكىَ حزنًا على حالهم…..
علا صوت نشيج كلتاهما وتراخت قوتهم وهتفت (هبه) مؤكدة : والله مش هيمشي عشانك والله بيحبك بس اهدي …
تراخت قوة ( ورده) وضعفها خلف سِتار حزنها ووجعها المزمن وسقطت قبضتها المتشبثة بصديقتها وسقطت غائبة عن الوعي، تاركة قلب ( هبه) ينتفض خوفا عليها……
هل ستنتهي قصتهم المأساوية عند ذلك السطر بنقطة سوداء أم فصلة متعددة تُبشر ببداية زهرية عليهم!!!