**********************
وصلا لمنزلهما الخاص وما إن دلفا أخذ يصرخ بوجهها على ما جعلته يعيشه في اللحظات السابقة :- شوفتي آخرة عنادك وصلت لإيه ؟ لو كنت أتأخرت شوية ولا مردتش على الفون عارفة كان هيحصل إيه ؟ عقلك استوعب دة ولا لسة ؟
قالها بغضب جام كردة فعل على قلقه المضاعف حينما سمع صوت صراخها، وما رآه جعل الدماء تفور في أوردته، بينما هي جلست بإهمال على أول مقعد قبالتها فما عادت قدماها تحملها، وشعور بالخوف وأنها بمفردها قد طغى عليها، لتبكي بصوتها المسموع قائلة:- أنا عاوزة بابا، أنا خايفة.
وكأنها مصرة على تهشيم فؤاده فور سماعه لجملتها تلك، ليهدأ قليلًا فهي بحاجة لأن تشعر بالأمان لا الترويع، زفر بضيق وجلس بجانبها وبدون تردد حاوطها بذراعيه رغم اعتراضها على ذلك لتقول بوهن :- أبعد عني أبعد.
همس بحنو بجوار أذنها :- بس خلاص أهدي أنا جنبك أهو متخافيش .
أقرت بما حرفيا :- لا أنت مش أماني علشان ما أخافش وعمرك ما هتكون كدة .
لم يتركها رغم ما قالته لأنه يعلم حالتها جيدًا، ليقول بندم :- أنا آسف.
لم يقولها أبدًا هذه الكلمة لأحد، ولكنها تستحق ذلك الاعتذار .
أردف بهدوء :- سبيل بصيلي .
أذعنت لطلبه لتنظر له ليرى غابات عينيها التي يحاوطها الاحمرار من فرط البكاء ليكمل بتوتر وكأنها ساحرة ألقت عليه تعويذة جعلته يرغب بالتعمق في هذه الغابات ويكتشفها بتمهل:- أنا مديونلك بإعتذار وكمان توضيح بس مش دلوقتي لما تهدي كدة نبقى نتكلم .
أردفت باعتراض :- لا أنا مش عاوزة منك حاجة عاوزة أروح بيت بابا وبس .
رواية ملتقي القلوب كاملة جميع الفصول بارت ٢٤
تحدث بلهجة لا نقاش فيها:- أنسي الموضوع دة وطلعيه من دماغك استحالة اسيبك تقعدي هناك لوحدك .
ردت عليه بعناد :- لا يعني لا مش هسمع كلامك أنا همشي مش هفضل في بيت واحد مش طايقني، مش هفرض عليك نفسي تاني كفاية أوي لحد هنا .
أردف بحدة طفيفة :- أنتِ بتألفي من دماغك، مين قالك إني مش طايقك ومين قالك إنك فارضة نفسك عليا ؟ شيلي الهبل دة من دماغك ربنا يهديكي.
أردفت بحنق :- ليه شايفني مجنونة بشد في شعري.
أردف بضحك :- لا شايفك عيلة وبتتصرفي تصرفات العيال .
ازاحت يديه من حولها لتقول بغيظ :- أوعى كدة بقى، أنا مش بكلمك ولا هكلمك تاني .
ردد بمرح :- مش بقولك عيلة .
وصل غضبها منه إلى منتهاه لتقوم بغرز أسنانها في ذراعه بقوة، وهي تعضه بكل غل وحنق تشعر به تجاهه، بينما يحاول هو أن يبتعد عن مرماها فلا يريد أن يؤذيها لا هي ولا طفله ليقول بغضب مكبوت :- اه يا بنت العضاضة سيبي دراعي هتطلعي بيه في إيدك . بقلم زكية محمد
وفعلا نجح في التحرر منها لتنهض قائلة بصراخ :- علشان تقول عليا عيلة تاني، أنا هروح عند ماما شهد مش هقعد هنا معاك .
رفع حاجبه باستنكار ليقول :- ليه بعض ولا إيه النظام، اتمسى وقولي يا مسا وتعالي عاوزك في موضوع دلوقتي.
لم ترد عليه ووقفت محلها بعناد وهي تنظر للجانب الآخر ليقول بتهديد :- لو مردتيش عليا وسمعتي الكلام هتشوفي مني تصرف تاني .
استدارت لتقول بتحدي :- هتعمل ايه يعني ؟
نهض من مكانه وملامحه تغيرت ولا تبشر بخير أبدًا، بينما هي تقهقرت للخلف حتى اصطدمت بالجدار ليشرف عليها هو بقامته المديدة لتقول هي بخوف من منظره وهي تخفي وجهها بيديها :- متضربنيش تاني حرام عليك إيدك تقيلة .
مسك يديها بهدوء ليقول بنبرة لينة وهو يسب نفسه على أنه مد يده عليها في السابق :- سبيل أهدي أنا مش هعملك حاجة، ممكن نتكلم شوية بهدوء .
نظرت له وكأنها مسحورة لتهز رأسها بموافقة، بينما أخذ هو بيدها واتجه إلى الأريكة ليجلسا عليها فقال هو بحذر :- عاوز أعرف مين دة ؟
طالعته ببلاهة وهي تنظر يمينا ويساراً وفي كل اتجاه قائلة :- فينه دة ؟
جز على فكه بقوة ليقول بغيظ :- أقصد مين الشاب دة اللي جيت لقيته في الشقة ؟
هزت رأسها بعدم معرفة لتقول بصدق :- والله ما اعرفه أول مرة أشوفه، بس لما سألته هو مين قالي أنه… أنه…
عضت على شفتيها بخجل وندم، فها هي تلك الفعلة تطاردها أينما ذهبت، ليقول هو بتساؤل:- قالك إيه انطقي.
أردفت بهمس لم يصل لمسامعه :- قالي أنه نفس الشخص بتاع الفندق .
أردف بصرامة :- مش سامع علي صوتك .
أردفت بصوت أعلى وهي تنظر للأسفل :- قالي إنه نفس الشخص بتاع الفندق، يعني …. يعني ..
قاطعها بتفهم ليرفع عنها الحرج ليقول :- أيوة خلاص فهمت .
رددت بدموع :- والله أول مرة أشوفه ومليش دعوة بيه نهائي.
قالتها بخوف خشية أن يشك أن هناك علاقة تجمعهما، لاتفاجئ به وهو يمسك يدها بدعم وقال :- متخافيش أنا هعرف أجبلك حقك منه الكلب دة كويس وهعرف مين اللي وراه وبردو مش هرحمه، هقوم اعملك أكل .
اتسع فمها حتى كاد أن يصل إلى الأرض من هول الصدمة، طه هو من سيحضر لها الطعام يا لعجب العجاب !
ابتسم هو على فعلتها ليردد بمرح :- أقفلي بوقك في حملة دبان جاية .
أغلقت فمها بحرج لتقول :- لا أنا مش جعانة، مليش نفس .
أردف بإصرار:- يا ستي نفتحهالك الواد اشتكالي منك وقالي إنك مجوعاه.
ردت بغباء وتساءل:- واد مين دة ؟
أردف بغيظ من غبائها ذلك :- واد الجيران يا سبيل ربنا يستر عليه ما يخدش جينات الغباء منك .
نظرت له بحزن وقد ظنت انه يعايرها بأن آخر مراحل تعليمها هي الاعداديه، بينما هو دكتور جامعي وله شأن كبير هكذا ظنت .
طالعها هو بعدم فهم للمحة الحزن تلك التي قرأها في عينيها ليقول :- مالك أنا كنت بهزر معاكي على فكرة متقلبهاش دراما وحياتك .
رواية ملتقي القلوب كاملة جميع الفصول بارت ٢٥
أردفت بمبالاة :- مش هتفرق كتير .
زفر بضيق ووجد أنه أسلم حل هو أن يدخل يعد لها الطعام، بينما ظلت هي في مكانها لا يصدر منها أي شيء سوى عينيها التي تتأمل الفراغ بشرود .
*****************************
تقف تقى تتحرك بالصغير جيئة وذهابًا، فهو يبكي له فترة طويلة ولا يريد أن يهدأ ومهما فعلت له لا يستجيب لها، تفحصت حرارته بشفتيها لتجدها عادية، إذا ما الذي يؤلمه ؟
كادت أن تشاركه البكاء ولم تجد حلاً سوى أن تنزل به عند ندى ريثما يأتي سفيان، وأثناء نزولها قابلت عاصم ليرى الصغير يبكي ليسألها باهتمام :- ماله صهيب ؟
هزت رأسها بعدم معرفة لتقول:- مش عارفة ماله مش راضي يسكت مش جعان وغيرتله وكل حاجة بس بردو بيصرخ.
حمله منها بحذر وضمه إلى صدره في محاولة منه لتهدأته ليقول له :- مالك يا بطل بتعيط ليه بس ؟ تيجي نشوف طنط تقى يمكن تسكت معاها .
استدار لتقى ليقول بتوتر :- ممكن ندخل جوة عند تقى يمكن يسكت معاها ؟
وكأنها قرأت ما في لبه لتقول بتأكيد:- أكيد طبعا يلا يا صهيب نروح عند حسناء .
دلفا للداخل ليدخل عاصم وهو يحمل الصغير ويتوجه لحسناء وهو يقول :- تعالي يا حسناء شوفي الأستاذ صهيب مش راضي يسكت ليه كدة ؟
نهضت بلهفة وقامت بحمله بحنو بالغ ثم أخذت تهدهده بذراعيها بلطف بالغ، إلى أن هدأ الصغير وهي تبتسم له بحنو وسعادة، لتقول تقى باندهاش :- كدة بردو يا صهيب تسكت مع حسناء وأنا لا، لا أنا زعلانة منك .
ضحكت حسناء لتقول :- حبيبي صهيب والله، خليه معايا شوية يا تقى .
أردفت بضحك :- ما إحنا جينا نقعد معاكي شوية .
طالعها عاصم بامتنان ليقول بتهذيب :- طيب أنا هدخل جوة أخلص شوية شغل ليا.
تركهم وانصرف للداخل بينما جلست تقى بجوار حسناء التي أخذت تلاعب صهيب بشغف كبير، وتقى تطالعهم بسعادة وبداخلها يتمنى أن يرزقها الله بجنين في أقرب وقت.
********************************
في نفس ذات اليوم ليلًا وقف طه يلهث بقوة، إثر ضربه لهذا الخسيس في محاولة منه لمعرفة من قال له على مكانها وأخبارها، ليهرتل الآخر بأنها هي من أخبرته بمكانها ولكنه لم يصدقه البتة، مال عليه ومسكه من تلابيب ملابسه بعنف وهو يقول بقوة :- بردو مش هترد وماله أدينا ورانا الليل بطوله مش ورانا حاجة للصبح.
تدخل عدي ليقول :- كفاية يا طه هتودي نفسك في داهية علشان كلب زي دة .
أردف بزمجرة :- لا مش كفاية لو طولت إني أخلص عليه مش هتأخر، دة داس على عرضي عاوزني أسقفله ! بقلم زكية محمد
ردد بمهاودة :- ماشي خلاص هنعرف منه كل اللي أنت عاوزه، من رأيي ندخل أبوك في الموضوع.
نظر له بتمعن ليقول :- بس أنا مش صغير أعرف أجيب حق مراتي كويس.
تدخل أحمد ليقول بموافقة:- عدي عنده حق يا طه لازم نبلغ بابا علشان يتصرف.
وبالفعل أخبروا أبيهم ليأتي ويعرف هوية ذلك الفتى كما يعرف أبيه ليفكر بتعقل في الخطوة القادمة .
في اليوم التالي اجتمع أكرم برفقة ياسين وامامهم يجلس الأميري والد قاسم، والذي ينكس رأسه بخجل من فعلة ابنه، فقد أخبروه بما فعله ابنهم وتصرفاته التي زادت عن حدها، ليقول ياسين بحدة :- ابنك مش هتشوفه إلا لما يعتذر عن اللي عمله، ومش بس كدة ميتعرضش لينا تاني ولا نشوف وشه وإلا سمعتك في السوق صدقني كلها كام ساعة وهتعلن افلاسك.
نظر له بهلع من هذه الفكرة ليقول بسرعة :- لا متقلقش يا ياسين بيه أنا ابني هربيه بمعرفتي وصدقني مش هيتعرض ليكم كلكم .
أومأ بضجر ليقول بصوته العالي:- طه هات اللي معاك وتعالى .
دلف طه وهو يجر قاسم الذي ظهر عليه الوهن، لينهض أبيه على الفور ويمسك ابنه وهو يسنده، ليقول أكرم بحزم :- ها يا أميري بيه ؟
هتف الأميري بسرعة وهو يقول لابنه :- أعتذر ليهم يا قاسم يلا وأنا عند وعدي مش هخليه يتعرض ليكم تاني .
وتحت ضغط وافق قاسم بأن يعتذر ليأخذه أبيه ويغادرا على عجالة، وها هو نفذ أول وعد لها يتبقى الأخير إذ تركهم وتوجه لها على الفور، ليجدها تجلس مع أمه ليستأذن منها ويأخذ تلك التي ظهرت على ملامحها الدهشة وسار بها للأعلى.
وعندما رأت هذه الغرفة انقبض قلبها، وذكريات ذلك اليوم قد تجسدت أمامها ثانية، كلما اقتربت من الباب خطوة شعرت وكأن هناك ما ينتظرها خلفه وسيقوم بالقضاء عليها، تعثرت في المشي حتى أنها رفضت أن تعبر معه ولكنه أبى أن يترك يديها ليدلفا الغرفة سويا، لتزداد ضربات قلبها بقوة وهي تنظر له بتوجس .
*****************************
رواية ملتقي القلوب كاملة جميع الفصول بارت ٢٦
وقف ينظر لها بتمعن ويراقب ردود أفعالها المختلفة، إذ شعر بالغضب من نفسه لأنه هو المسؤول عن الحالة التي عليها الآن، يا ليته عجل بالقرار ولكن لا ينفع الندم الآن فما حدث قد حدث ولا يمكن تغييره .
هتفت باختناق ونفور من هذه الغرفة والتي تحمل ذكرى وأد قلبها هنا :- عاوزة أمشي من هنا .
هتف بهدوء :- مش قبل ما تسمعيني يا سبيل أديني فرصتي اللي مستنيها منك .
جلست على إحدى المقاعد وهي تنتظر ما سيلقيه على أذانها والأهم هل ذلك سيكون في صالحها أم سيكون مسمار آخر يدق في نعشها، بينما هتف وهو يتنهد بعمق :- الكلب اللي اتعرضلك دة أخدت حقك منه تالت ومتلت، وللأسف عرفنا منه أن اللي وراه هو جارتك دي اللي اسمها نهلة هي اللي حرضته.
شهقت بصدمة وهي تضع يدها على ثغرها، لم تكن تتصور أن تكون نهلة بهذه البشاعة، ولكن ماذا تنتظر من شخصية هكذه فالغدر يجري في دمائها.
أكمل طه بتوضيح :- متقلقيش محدش يقدر يتجرأ يقربلك وأنا موجود ودة وعد مني .
نيجي بقى للمهم أنا لما طلبت منك تديني فرصة قبل كدة وتسمعيني كنت عاوز اوضحلك حجات مهمة جدًا.
صمت قليلًا قبل أن يفصح عما بداخله :- مش هنكر اللي عرفتيه يا سبيل، أيوة كنت بحبها وكنت على أمل إني اخطبها ونكمل مع بعض، بس اللي حصل طلعت إني كنت بحلم هي بتحب غيري واتجوزته، كنت مجروح جدًا ووجعي لسة مخفش .
ماما أصرت إني أتجوز وافقت على أساس انتقم منها، بس مكنتش أعرف نهائي إنك أنتِ العروسة ولما طلعوا بيت أنكل فادي افتكرت أنهم هيجوزوني آسيا وأنها رجعت في كلامها وحصل اللي حصل .
أنا مش عاوزك تحاسبيني من قبل ما أعرفك، أيوة غلطت في الأول في حقك بس حسبتها صح وإن اللي بعمله دة هبل وعبط وكان لازم افوق من الوهم دة .
عاهدت نفسي إن أول حاجة اعملها إني أتخلص من أي حاجة تخصها سواء في عقلي أو حواليا بس للأسف جيت متأخر.
تعالي شوفي كدة عملت إيه علشان تتأكدي.
قال ذلك ثم خرج بها إلى حيث منطقة لم تكن مسقوفة لتجد كومة من الحطب وتلك اللوحة التي مزقت قلبها ولدهشتها وجدته يشعل النيران فيها ليقول :- من اللحظة دي عاوزين نقفل الموضوع دة ومنجبش سيرته تاني .
قالها ووقف إلى جوارها يراقبان اشتعال النيران في اللوحة وبعض المقتنيات الأخرى، وما إن شبعت النيران وتحولت إلى اللوحة إلى رماد، مسك يدها ودلفا مجددًا للداخل فتعجبت هي من ذلك، ليرفع الستار عن لوحة لتتطلع إليها بانبهار وهي ترى ملامحها هي مخطوطة في هذه المرة .
أردف بابتسامة عريضة:- أول حاجة رسمتها في اللوحة دي عيونك، لقيتني برسمك من غير ما احس الظاهر كدة إن ليهم سحر خطير، أنا مش هكدب عليكي واقولك بحبك سيبيني أقولهالك لما أحسها أنا ومش معنى كدة إني رافضك، عاوز أبتدي معاكي من جديد من أول السطر يا سبيل .
أخذت تتطلع إليه بتيه ودهشة أهذا طه هو من يقول ذلك ؟ يا ليته يعرف كم تهواه على الرغم مما فعله يظل قلبها ينبض باسمه، فكيف تمحي الأيام ما رسخته السنوات وجعلته متينًا في قلوبنا ؟
