فى مكان وبلد آخر يبعد مئات الاميال عن بطلنا نجد فتاه جالسة فى مقهى ما ترتشف مشروبها الصباحي .. تغمض عيناها استمتاعاً بمذاق القهوة التى تعشقها … تشعر بنفسها منعزلة عن العالم .. تنعم بهدوء لم يقطعه سوي رنين الهاتف لتعقد حاجبيها الجميلين فى انزعاج يزول بمجرد ان ترى اسم المتصل لترد بسرعة
……… : حبيبي حبيبي حبيبي … انت فين من امبارح قلقتنى عليك .. متصلتش بيا زي عوايدك .. هونت عليك … طمنى انت كويس ؟؟؟ يوووه مبتردش ليه
……… بضحك : يابنتي اديني فرصة الاول عشان ارد ….. ايه رغي رغي رغي مش بتفصلي ابداً … امبارح ياستى متصلتش بيكي بسبب انى كنت مشغول جداً بالمشروع اللي قولتلك عليه … انتى عارفة انى انا اللي مسكته و ميعاد التسليم قرب …. معلش بقى يا اسيل
أسيل : خلاص يا سيدي سماح المرة دي … معلش بقى قلقت عليك مش متعودة تغيب يوم من غير ما نتكلم ….. ومرضيتش اسأل عليك ماما و بابا عشان ميقلقوش …. المهم قولى اخبارك ايه ؟
قهقة خافتة شعرت بها تخرج من شقيقها لمحت فيها سخرية من حديثها عند ذكر والديهم .. تتفهم هى سببها … ومن ثم سمعته يجيبها بهدوء
……….. : بخير و الحمد لله … انتى اخبارك ايه و اخبار الشغل …. كله تمام مش كده؟
كادت ان تجيبه عندما لمحت صديقتها تدلف الى المطعم متجهة نحوها لتدرك للتو انها تأخرت و كعادتها عن العمل
أسيل بسرعة : ايوة ايوة كله تمام … ايمن معلش لازم اقفل دلوقتى عشان اتأخرت … هكلمك بعدين اتفقنا
أيمن : اتفقنا ….. خلى بالك من نفسك.. سلام
أسيل : انت كمان….. سلام
يخطو بكل ثقة متفادياً نظرات الاعجاب اليومية من حوله بل متأففاً منها …. ليصل الى مكتبه فيجد سكرتيرته كاميليا ترحب به برسمية فيكمل طريقه متجاهلاً اياها بعد ان يطلب منها قهوته الصباحية
و اثناء انشغاله ببعض الملفات يغزو مكتبه صديقه الصدوق بمزاحه المعهود
…… : يا اخى ارحم نفسك شوية و كفاية شغل …. طبعاً بدأت يومك من غير ما تاكل لقمة ولا حتى تشرب قهوتك …. نفسي اعرف شايف ايه فى الشغل ممتع للدرجة دي
آدم : قهوتى طلبتها من تلات دقايق .. مش ذنبي بقى ان الاخت كاميليا مش شايفة شغلها كويس و بعدين بتتكلم كأنك مش مدمن شغل انت كمان
يهز ايمن رأسه بعدم رضا
أيمن : تلات دقايق و بتقول مش شايفة شغلها ياعيني ده ميكفيش تعمل القهوة فيها … وبعدين مدمن شغل اه لكن مش ع حساب صحتي … ثم تنهد بقوة ليردف …. نهايته .. مفيش فايدة فيك على العموم انا جيت ابلغك انى خلصت المشروع ابقى بلغ شركة الاسيوطي بقى
اومأ برضى تام ليردف بعدها
آدم : ممتاز … والاخ معتز شرف ولا مجاش زي عادته ……. ايه مش عايز يشرفنا بطلته البهية
أيمن بتأفف : معرفتش اوصله النهاردة برضو … على العموم انا هعدي عليه فى شقته …. جاي ولا لا؟
هز آدم رأسه نافياً .. ليومأ له الاخر منصرفاً الى مكتبه
نعود الى بطلتنا أسيل لنراها جالسة مع فتاه تقاربها فى السن وصديق اخر لهما يتحدثون عن مواضيع تخص العمل حتى قاطعت صديقتها الحوار قائلة
(صاحبتها مش مصرية يعنى الكلام بالانجليزي بس هكمل عامي تمام؟)
…….. : صحيح عرفتي توصلي لأخوكي و تطمني عليه …. صدعتيني امبارح بعياطك و قلقك …. انا مشوفتش حد مرتبط بأخوه زيك كده
اجابتها ضاحكة
أسيل بمرح : اااااه يا كارول الحمد لله كلمني من شوية و اتطمنت عليه … كان عنده شغل عشان كده معرفش يكلمنى … و بعدين مالك ومالنا .. ايمن ده حبيبي و اخويا و ابويا و صاحبي و ……..
قاطعتها صديقتها قائلة بمرح مُحدِثه شريكهم
كارول : اه منك …. بدأنا و هتصدعينا … عرفنا يا ستي انه توأمك ونصك التاني …… ده انتى لما بتبدأي كلام عن الاستاذ ايمن محدش بيعرف يوقفك … يلا يلا كملى قهوتك خلينا نلحق الشغل
عادت لإرتشاف قهوتها وتناول افطارها وعلى ثغرها ابتسامة واسعة لمجرد اتيانها بسيرة اخيها الحبيب فهو اقرب الناس اليها … استغنت عن اتخاذها صديقة مقربة او حبيب واستبدلتهم بأخيها العزيز و كان هو خير بديل حقاً
عودة مرة اخرى الى بطلنا فنراه مازال منكباً على عمله و قد حل الليل عليه دون ان يشعر القى نظرة سريعة على ساعته ليجدها تشير الى الحادية عشر ليلاً انتفض من مجلسه متذكراً انه تأخر على طفلته وسارع بإلتقاط هاتفه متوقعاً وجود سيلاً من المكالمات والرسائل منها ولكن لا شئ تعجب لهذا وقرر الاتصال بها ليطمئن عليها ولكن لم يجيبه صوتها المحبب اليه بل كان صوت خشن جاف ونبرته لاتدل على ادراكه لفظاعة ما اخبره به … ظنه انه ابشع صوت قد سمعه فى حياته ….صوتاً يخبره …….
………… : آسف يا افندم بس صاحبة التليفون عملت حادثة و اتوفت فوراً …. البقاء لله
عناد حب 2
يتهاوى على مقعده فى منزله فاقد الاحساس بما حوله …. مر اسبوعان على وفاتها كان خلالهم كالإنسان الآلى يقوم بمراسم الجنازة بمعاونة من والديه… و اللذان اشفقا على حالته بجانب حزنهم العميق على زوجته.
غير مصدق لما آل اليه الحال..قصره يسوده الحزن والكآبة بعد رحيلها …. اعطى العاملين اجازة مفتوحة والذين يتمثلون فى الدادة جميلة وحدها فهى لا تستطيع التماسك و هو فى الاساس بحالة لا يحسد عليها
فقدها
فقد محبوبته
فقد طفلته و زوجته
بسبب ماذا ؟!!!!!!
حادث لعين وعُطل فى فرامل سيارتها ادى الى سقوطها من فوق تلة .. لم يكن بإمكانهم التأكد ان كانت الجثة لها ام لا لولا تحليل الحمض النووي .. فقد كان كلاً من وجهها وجسمها مشوه من كثرة جروحه
طالبته الشرطة بتشريح الجثة ولكنه ابى بشدة … يكفيه ما عانته قبل موتها.
الآن اصبح وحده لا رغبة له بالعيش…فبمرور اسبوعين زاد عمره سنتان اذاً كيف بعد فترة من الآن؟؟؟؟؟؟
يقاطع مكوثه وحيداً دخول شخص ما الى غرفة المكتب القابع بها آدم
……… : كفاية بقى اللي بتعمله فى نفسك ده ….. اسبوعين بحالهم مكلتش فيهم لقمة واحدة
…. فكرك هى هتفرح بحالتك دي ؟
لم يجيبه او يلتفت الى وجوده من الاساس
………. : انا عارف ملك كانت بالنسبالك ايه واد ايه صعب فراقها ….. بس و بعدين …. تفتكر هى هتكون مرتاحة كده لما تشوفك تعبان ……. على الاقل كُل لقمة قوي بيها نفسك عشان خاطرها هي
آدم ببكاء : هي مش هنا …. مبقتش هنا … سابتنى لوحدي يا معتز … ليه ليييه عملت كده انا عمري ما زعلتها فى حاجة يبقى ليه تسيبنى … ده … ده انا كنت لسة مودعها الصبح و كنا كويسين سوا … ليه حصل كده ليه؟
معتز : استغفر ربك يا ادم …ايه هتعترض على قضاؤه .. ده عمرها و محدش بيموت ناقص عمر
آدم باستسلام : استغفر الله العظيم …. ياااارب قويني على فراقها ….. الهمنى الصبر و القوة من عندك يارب
معتز : امين يارب .. يلا اسمع كلامى وقوم كُل اى حاجة و بعدين استحمى واطلع نام شوية عشان ترتاح
آدم بهدوء : حاضر يا معتز …. لولاك انت وامى و ابويا مكنتش قدرت اعمل حاجة بجد شكراً يا صحبي …… بس غريبة ان ايمن مش باين …. معقول معرفش باللى حصل
معتز : انا كمان مش عارف اوصله بس متقلقش هشوفه فين الاستاذ ده
اومأ له بهدوء وذهبا معاً لتناول الطعام
بعيدا عن قصرنا هذا نجد فتاة تكاد تبكي بدل الدموع دماً .. قلقاً وخوفاً على اقرب الناس الى قلبها .. مختفي منذ اسبوعان لا تستطيع الوصول اليه .. تموت شوقاً لتسمع صوته المرح يمازحها ويطمئنها على حاله
اين هو ؟ لما لا يجيب ؟ لما لا يسأل على احوالها ؟ .. لولا ظروف عملها التى ترغمها على البقاء فى هذه البلاد اللعينة لحجزت بأول رحلة عائدة الى وطنها بحثاً عن حبيبها الضائع
“انت فين يا اخويا ؟”
هذا ما كانت تردده اسيل خلال اسبوعان … اوشكت على الجنون … تتصل بأهلها ليخبروها انهم لا يدرون عنه شيئاً منذ فترة … تموت قهراً على اهمالهم له منذ الصغر حتى اصبح شاب ليختار هو الابتعاد والاستقلال فى شقة خاصة به وحده والآن لاتدري عنه اي شئ
دلفت صديقتها و رفيقتها بالسكن الى غرفتها لتجدها على نفس الحال منذ اكثرمن اسبوع لتردف بدهشة
كارول : ياربي … انتى لسة على وضعك ده يا بنتى … اكيد حصلت ظروف معاه … سافر او تليفونه ضاع او مش فاضي …. دايما كده بتتوقعي الاسوأ
أسيل ببكاء : انا اكتر واحدة عارفة اخويا …. ايمن ميقدرش يعدى عليه يومين من غير مانتكلم … اكيد حصله حاجة ….. ثم اكملت برجاء …… و النبي قوليلي انك عرفتى تاخدى اذن من مستر جورج بأنى انزل مصر
كارول : حصل فعلاً بس على شرط … لازم ترجعي بعد اسبوع والا هتترفدى … كفاية غيابك اليومين اللي فاتو
اسيل بحماس : حاضر حاضر بلغيه شكري وانى هرجع قبل اسبوع ان شاء الله …. اتطمن بس على ايمن وهاجي فوراً
………….
تعود بطلتنا الى ارض الوطن وكلها حماس لرؤية شقيقها انهت اجراءات المطار سريعاً وانطلقت مباشرة الى شقة اخيها والتى كثيراً ما قضت بها ايام ممتعة معه خلال الاجازات التى تعود فيها الى الوطن اثناء فترة دراستها.
تخرج مفاتيح المنزل بهدوء رغبة فى مفاجئته ولكنها هى التى تفاجئت برؤية جثة اخيها ملقاه على ارضية صالة المنزل والتى من هيئتها ادركت سبب اختفائه لمدة اسبوعان كاملان لتصرخ صرخة هزت جدران المنزل ويغشي عليها لتسقط بجانب جثة اخيها العزيز
عناد حب 3
هذا هو حال الأحبة غالباً لكن بطلنا يُعّد استثناء فالآن لا يوجد لديه أية نقطة ضعف .. اصبح انسان لا يخشى شئ .. ذو قلب ميت او لنقُل لم يعد لهذا القلب وجود من الاساس .. فقد أعز الاشخاص اليه … حبيبته وصديق عمره
ماذا فاعلة بنا هذه الحياة البائسة تقسي علينا و المطلوب ان ننسى او حتى نتناسى أُناساً لا يُنسوُ
رحماك يا الله
بعد مرور ثلاثة اشهر على حادث زوجته ومأسآة صديقه نجده فى المشهد المعتاد جالس على كرسيه خلف مكتبه يبدو كالصقر المستعد للانقضاض على أية فريسة امامه …. ان كان فيما سبق قاسياً فلقد اصبح الآن جباراً وان كان عصبياً فلقد صار الآن قنبلة موقوتة جاهزة للإنفجار بأية لحظة فى وجه اى شخص يخالف اوامره او يخطئ فى عمله
هذا هو حال بطلنا .. الوحيد القادر على التحدث معه دون قلق او خوف هو صديقه وشريكة معتز فقد كان حقاً نعِم الصديق فى محنته لن ينسى له موقفه وقت حاجته .
نجدهم الآن جالسين فى انتظار شريكهم الجديد والذي سيكون بديلاً عن أيمن فلقد رفض والديه بيع اسهمه لآدم بحجة انهم سيجدون من يحل محله ويكون اهلاً لذلك…….
تدخل كاميليا معلنة وصول شريكهم الجديد فيسمح آدم بدخول الضيف
تدلف الى المكتب بخطوات رشيقة واثقة … بثيابها المهنية السوداء و الكعب العالى الذي يكسبها انوثة تطغى على شكلها العملي
ظل ادم على جلسته يحدق بها بصمت فى حين هب معتز مرحباً بها ماداً يده لمصافحتها ناظراً لها بإعجاب لترمقه بنظرة سريعة … علمت من تصرفه ذاك انه المدعو معتز و الاخر هو ادم شريكه …. تنحنحت بهدوء مجيبة اياه
………….. بجمود : اسفة مش بسلم
