الفصل الثـالث
خرج من غرفة العمليات بوجه مكفهر شاحب واعصاب مضطربة لقد نحاه مساعده اثناء اجراء العملية عندما رأى يديه ترتجف ولم يستطع ان يتحكم فى امساك المشرط زفر انفاسه الملتهبة بغضب ..نزع الروب الاخضر الخاص بالعمليات بعصبية مفرطة وذهب الى مكتبه ليرتمى عليه بقوة منكسا راسه واضعا راحة يديه حولها مغمضا عينيه فهذه المرة الاولى الذى يحدث له ذلك لقد اجهد نفسه فى العمل الفترة الماضية كان يلاحق الليل بالنهار ياخذ مناوبات زملاؤه ايضا حتى لايعود للمنزل الذى شهد الامه واحزانه كانه يهرب من كل شئ بل يهرب من حياته كلها
د.فارس البنهاوى شاب فى منتصف العقد الثالث من عمره وسيم بدرجة مفرطه بعينيه الرمادية ورموشه الطويلة ..وانفه المدبب ..وبشرته القمحية ..وشعره الاسود الغزير الناعم ..وشاربه ولحيته النامية المرتبة باتقان .. بجسمه الرياضى الطويل عريض المنكبين ..جراح المخ والاعصاب الحاصل على الدكتوراه من جامعة هارفرد الامريكية كان موهوب فى مجاله وعرضت عليه عدة مستشفيات العمل هناك بعد حصوله على الدكتوراه ولكنه رفض وصمم ان يعود لموطنه ويكون عضو فعال يخدم اهله وناسه
طرق الباب عدة مرات ليخرجه من شروده ومازال مغمض عينيه :لو سمحتى ياسماح قلت مش عاوز حد يدخل عليا صعبة ديه ولا مش مفهومة
طيب و انا ممكن ادخل ولا ماينفعش برضه يادكتور
رفع رأسه ونظر له بعينين غائمتين يكسوهم الالم والحزن:يوسف انت بتعمل ايه هنا وسايب شغلك ليه دلوقت وجاى
يوسف:اعمل ايه ياصاحبى دايما مغلبنى معاك جيت اشوف صديق عمرى ايه حكايته وبعدها لك ياصاح هتفضل كدة لحد امتى
يظهر مش مكتوب علينا نفرح فى حياتنا ديه ياهندسة
لا اتكلم عن نفسك لو سمحت انا مقضيها وبيس واخر حلاوة الدور والباقى على اللى مغلبنى معاه
“وانت فاكر العيشة اللى انت عايشها ديه عيشة انت فاكرنى مش عارفك ولا ايه ديه صداقة عمر ياصاحبى انا حاسس بيك وعارف ايه محزنك وبتهرب منه بسرمحتك وسهرك طول الليل ورجوعك وش الفجر”
تلعثم يوسف قليلا :عارف ايه انت هتهرب من مواجهتهى ليك وتنقل عليا ولا ايه انا مبسوط ياعم وعال العال الدور والباقى عليك وانت تاعب كل اللى حواليك معاك
“شكلها كدة كلمتك تانى ماهو مش معقول هتسيب شغلك فى وسط النهار كدة وتيجى لى بدون سبب”
صمت يوسف فلم يستطع الرد عليه وكلامه صحيح
“امك قلقانة عليك يافارس وحياتك كدة مش ممكن تسير بالشكل ده”
“يااا لسة فاكرة فريدة هانم تقلق على ابنها الحيلة لا والله فيها الخير”
“انا نفسى افهم ايه اللى بينك وبينها وخلاك تتغير من ناحيتها بالمنظر ده”
اظلمت عينا فارس ليصمت قليلا ولم يستطع الرد ثم اردف بصوت اجش : شكلى لازم اخد اجازة من الشغل وابعد شوية النهاردة ايدي كانت بتترعش تخيل الدكتور فارس جراح المخ والاعصاب ايديه تترعش فى عملية سهلة زى عملية النهاردة
“ماهو لانك اجهدت نفسك الفترة اللى فاتت اكتر من اللازم يادوك وانا مش دكتور علشان افهمك انك لما تكون داخل عملية لازم تكون على الاقل مرتاح جسمانيا ونفسيا لكن انت هتفضل تهرب من نفسك كدة لحد امتى انت مش اول ولا اخر واحد تم*ت مراته وتسيبه !!!”
تغضن وجه فارس وغص قلبه بالالم لذكرى وفاتها فهو الى الان لم يستطع ان يصدق انها غادرت عالمه وليست على قيد الحياة
ليسرع صديقه هاتفا:انا اسف يافارس مش قصدى افكرك بس انا عاوزك تخرج من الدوامة اللى انت حاشر نفسك فيها
همس لنفسه :ومتى نسيت ولم تمر على لحظة ولم افكر فيها سنة كاملة لحد الان وانا اتعذب خسارتها لم تكن هينة على ان افقدها هى وابنتى فى وقت واحد عاد من شروده قائلا: ايه رايك تسافر معايا شاليه الغردقة نغير جو فترة كام يوم
“والله هحاول اخد اجازة ولو انها صعبة اليومين دول لان الشركة عندنا ماسكة شغل مقاولات على كبير بس هحاول حتى لو ماقدرتش اسبقنى انت وهبقى احصلك اخطف لى يومين على الاقل”
اوك اتفقنا
اطير انا بقى لاننى استأذنت ساعة وراجع
نهض فى طريقه للخروج وعندها ناداه فارس:يوسف
ليلتفت له يوسف بتساؤل
شكرا لانك موجود فى حياتى بجد انت صديق مخلص ياصاحبى
عاد له مرة اخرى ليضغط على يديه ممسكا بها :ماتقولش كدة ياابو الفوارس ربنا يخلينا لبعض انا عارف اننى لو كنت فى مشكلة هلاقيك اول واحد مشاركنى فيها سلام ثم تركه مسرعا حتى لايتاخر على عمله
يوسف صديق فارس منذ دخوله الجامعة لقد كانت معرفته به عابرة بالمصادفة حينما تهجم عليه احد اصدقاؤه واتهمه انه يتحر-ش بصديقته ليبدا فى القتال ولكن فارس رأى الموقف من البداية وكيف كانت الفتاة تشاغله وهى من بدات فى الحديث معه ليتقدم منه ويحاول ان يفك ضر-ب الايدي بينهم لينال ض-ربة تدير راسه وعندها هجم يوسف على الاخر بكل قوته ولم يتركه الا مرمى على الارض ليذهب مسرعا لفارس ويحاول افاقته والاعتذار منه ومن يومها وفارس ويوسف اصبحا اصدقاء حتى بعد سفر فارس للدراسة كانا على اتصال دائم عبر الهاتف او النت بل وقويت علاقتهم اكتر ببعضهم البعض منذ عودته
يوسف من عائلة متوسطة والده موظف حكومى فى احدى المصالح طيب وحنون لم يبخل على ابنه بقدر استطاعته فهدفه فى الحياة ان يرى اولاده افضل حالا منه ووالدته سيدة حنونة لم تحظى على قدر من التعليم ولكنها ام رائعة عائلتها هى كل حياتها لديه اخت واخ اخرين عاش يوسف وسط اسرة محبة وعندما تخرج كان استاذه يساعده عندما رأى تفوقه ومحاربته لظروفه ليساعده فى ايجاد عمل ولم يصدق يوسف عندما حصل على اول راتب له ليساعد والده فى المعيشة وامور اخوته
يوسف شعره كستنائى ملفلفل بعيون بندقية وبشرة خمرية ضخم وعريض المنكبين ولكن نظرة عينيه تفيض بالحنان والحب لمن حوله والقريبين منه
اردت ان اقنع ابى لعله يوافق على طلب عمر فى عمل حوار عن سيرته الذاتية لكننى واجهت رفض تام من جهته الا اننى اصررت على موقفى
ها يابابى ايه رايك
رايى فى ايه مانا قلت لك حوارات وريبورتاجات صحفية لا ماعنديش استعداد اننى الاقى كلامى تانى يوم على صفحات الجرايد متفبرك وضايع نصه ومكانه كلام تانى مالوش اى قيمة
امسكت الشوكة احركها فى طبق الطعام امامى بدون هدف ثم رفعت عيني له بتوسل :يابابى ياحبيبى صوابعك مش زى بعضها فيك تشوف الحوار قبل مايتنشر وتقدر تحذف اى كلام مش عاجبك وحتى لو نزل ولاقيته مفبرك زى مابتقول ولو اننى مااظنش تقدر ترفع قضية على الجريدة
والاكييد انك هكسبها
وانا فاضى ياحبيبتى لكل الكلام ده والمثل بيقولك الباب اللى يجي لك منه الريح سده واستريح لا مش موافق
ارجوك يابابى وافق
نظر لها بريبة :وانتى ليه مصممة على الموضوع ده
تلعثمت قليلا فالموضوع لايهمها بقدر محاولتها رؤية عمر مرة اخرى فقد اشتاقت لرؤيته من جديد والحديث معه
ابدا يابابى بس بصراحة الصحفى اترجانى اننى اساعده انه يوصلك وبعدين الموضوع ده هيكون مفيد لكلتا الجانبين يعنى الناس هتتعرف على سيرتك الذاتيةوالشباب هتستفاد من خبرتك وعلمك والجريدة هتزيد اعدادها انت مش عارف قيمتك العلمية ولا ايه ايه يادوك والكل عاوز يتعرف على الدكتور العظيم ماهر مهران عن قرب
اخدتيني فى دوكة ياعفريتة عموما سيبينى افكر شوية وارد عليكي
طيب تقدر تفكر من هنا لحد الغدا مايخلص وبعدها تقولى قرارها
ماشى يااميرة البنات يالا نكمل اكل لاننى جعان والكلام اخدنا وريحة الاكل تجنن
تركته ليبدا فى تناول طعامهم وعقله يفكر فى ابنته ماذا بها هذه الايام لما يرى بريق جديد لامع فى عينيها يجب ان يتخذ عماد قرار سريع بشأن علاقته بها والا سيفقدها للابد ولكن كيف وهى لاتطيق قربه بالمرة هل تسرع بموافقته على طلب عماد للزواج بها ولكنه يراه مناسب وطموح وله مستقبل ويحبها فماذا يريد اكثر من ذلك لسعادة ابنته
قطعت شروده بصوتها العذب: بابى انت روحت فين
معاكى ياحبيبتى
لالالا انت شكلك سرحان خالص انا بكلم فيك من بدرى وانت لا انت هنا
كنتى بتقولى ايه
كنت بقولك ان الاكل طعمه حلو جدا بس برضه اكل دادة لايعلى عليه واطعم منه مش هلاقى
عندك حق الاكل من ايد سناء له طعم مختلف يالا بقى كملى اكلك علشان عندى ميعاد مهم
اوك ياحبيبى ثم اتما طعامهم ليقلها الى منزله وينطلق هو حيث هاتف عماد للقاؤه خارج المشفى
انت بتقول ايه
كان هذا رد عماد باندفاع وصياح على كلام ماهر
عماد اهدا واتكلم بالراحة احنا بنتناقش دلوقت
يادكتور حضرتك بتقول ان نور اتدخلت واسطة بينك وبين الصحفى ده اللى اسمه عمر وهى مصلحتها ايه من كل الموضوع ده
سيبك انت دلوقت من موضوع عمر انا بقولك انك لازم تغير طريقتك معاها البنت رقيقة وحساسة واى عصبية من بتوعك دول اللى انا شوفتهم بعيني دلوقت مش هينفع معاها واديك شايف نتيجة عمايلك ايه يعنى لو كنت سالتها بالراحة زى انا ماعملت اكيد كانت هتجاوبك لكن انت اتعاملت معاها كانها ملكية خاصة مع انها لحد دلوقت ماتعرفش مشاعرك ولا حاسة بيها اصلا
ياعماد انا مش هقدر اتدخل بينكم اكتر من كدة انت اللى لازم تحدد عاوز ايه وعلى اساسه هتتصرف صح لكن بحذرك انا مش ممكن اسمح لك تألم بنتى او تأذى مشاعرها
وانا عمرى مافكرت اننى اذيها لاننى بحبها يادكتور وعاوز ارتبط بيها النهاردة قبل بكرة
يبقى تحاول تقرب منها صح تعزمها فى مكان جميل تتكلم معاها برقة تجذبها ليك هو انا هقولك ياعماد اللى تعمله ولا ايه
يالا انا اتاخرت ولازم اروح سلام
سلام يافندم
تركه وهو فى حالة هيجان وشعور بالغيرة يمزقه ياترى ماهى علاقتها بهذا الصحفى وكيف سمحت لنفسها ان يتقرب منها بهذا الشكل وان تكون وسطة خير بينه وبين ابوها للدرجة ديه مستقلية بيا طيب يابنت ماهر انا وانتى والزمن طويل
فى احد الاحياء الشعبية وشقة صغيرة باثاثها البسيط مكونة من
ثلاث غرف وصالة حيث يعيش بمفرده فهو وحيد ابويه ويتيم ايضا بعد ان فقد والديه منذ فترة قليلة فى حادث اتوبيس على الطريق حيث كانا فى طريقهم لزيارة عمه فى محافظة اخرى كان مستلقى على فراشه البسيط فى غرفة نومه واضعا يديه تحت راسه ينظر الى السقف بشرود
فقد كان يوم عمل صاخب وطويل ولكن لم يكاد ان ينتهى حتى رن هاتفه ليعلمه بمكالمة قد تاقت لها روحه فمنذ ان رآها لايدرى ماذا
حدث له لقد شعر باحساس غريب لم يشعر به من قبل بداية من اندهاشه بهذه الفاتنة التى لايدرى لما تخيلها شخص بشع لايفكر سوى فى العلم والعمل الا انه عندما راها تغير عالمه
رد بلهفة فكان رقم غريب ولكنه كان واثق انها هى :الو
استاذ عمر معاك نور
بهدوء واتزان :اهلا دكتورة نور ازى حضرتك عاملة ايه
انا تمام بس حبيت ابلغك ان بابى وافق مبدئيا انه يقابل حضرتك بكرة ان شاء الله فى مكتبه على الساعة 9
بتتكلمى بجد انا مش مصدق نفسى معقولة وافق بالسرعة ديه انا تخيلت انه ..
عندها عاد الى وعيه يبدو انه كان متسرع كثيرا فى اظهار فرحته هو لم يفرح بلقاء الدكتور ماهر بقدر سعادته بانه سيراها بالتاكيد سيمر عليها يشبع لهفته بمرآى وجهها الفاتن ثم عندها سوف يذهب ليدير هذا الحوار المرتقب
شكرا لكى انستى لمساعدتك لى واتمنى اكون عند حسن ظنك
بالتوفيق ان شاء الله الى اللقاء
اللى اللقاء دكتورة نور
ظل متمسك بالهاتف وشارد يعد الساعات بل الدقائق يريدها ان تمر فى لمح البصر حتى ياتى صباح اليوم الجديد ويراها
شعرت بحركة فى غرفته ذات الباب الموارب فهى معتادة على عودته متأخرا دوما فمن سيكون بغرفته اقتربت لتجد ابنها ممسكا بحقيبة سفر لتندفع داخلة الى الغرفة
انت بتعمل ايه وايه الشنطة ديه
رفع راسه لها ثم اعادها ليكمل مايفعله:زى ماانتى شايفة ياامى مسافر
فارس انت عاوز تجننى هتسافر فين دلوقت وانت عندك شغل
لم يلتفت لها ولكنه اكمل:اخدت اجازة هسافر اريح اعصابى شوية
امه وبنظرة ساخرة :وان شاء الله كنت ناوى تعرفنى امتى بعد ماتسافر وترجع
واديكي عرفتى ايه اللى جد
يعنى عاوز تفهمنى ان معرفى زى قلتها على الاقل اعرف ابنى رايح فين ولا جاى منين
اغلق حقيبته بعصبية ليتحرك فى اتجاه باب غرفته :عن اذنك امى خدى بالك من نفسك ومن اميرة وابنها لحد مايرجع جوزها
استنى هنا انت مسافر فين وهتغيب اد ايه
مش مهم المكان ياامى لان الاماكن كلها زى بعضها كام يوم وهرجع ان شاء الله مع السلامة
تركها بدون حتى ان يستمع الى رد وهبط الدرج فى اتجاه باب الخروج ليستمع الى الصغير يناديه :خالو
التفت له وابتسامة باهتة
ترك حقيبته واقترب من الصغير ليرفعه فى احضانه ويضمه مقبلا اياه على وجنتيه:ازيك يابطل عامل ايه
وحشتنى قوى ياخالو مش شوفتك خالث من ساعة ما جيت
معلش ياحبيبى كان عندى شغل كتير
اقتربت اخته لتصافحه:ازيك يافارس بقى كدة من يوم ماجيت مش عارفة اقعد معاك شوية
اسف ياحبيبتى بس انتى عارفة الشغل واخد كل وقتى
طيب على الاقل ادينا من وقتك شوية انت عارف اننى بشتاق لك لما بتغيب عنى مدة طويلة
غير الموضوع هاتفا:المهم انتى عاملة ايه وايه اخبار مروان معاكى لينا فترة ماقعدناش مع بعض
اظلمت عيناها ليلاحظ حزنها فهو اقرب شخص اليها ويشعر بمدى تعاستها لكنها لاتريد ان تزيد من خزنه:انا بخير ياحبيبى ماتشغلش بالك ومروان كويس بس مسافر اليومين دول عنده شغل زى ماانت عارف
اه طيب ربنا يوفق الجميع
قبل الصغير واعطاه لوالدته :عن اذنك بقى لاننى مسافر اغير جو اليومين دول حاسس نفسى مرهق وتعبان ومحتاج ارتاح
ربنا يريح قلبك ياحبيبى سافر وغير جو وانبسط وربنا يسعدك
ابتسم لها مصافحا وخرج مسرعا فى اتجاه سيارته التى استقلها فى طريقه الى المطار فى اتجاه الغردقة ……
تململت فى فراشها لتفتح عينيها وحاولت ان تنهض فى هدوء قبل ان يفيق من بقربها الا انه شعر بها لتجد يديه تلتف حول خضرها هاتفا:على فين ياحلوة
صباح الخير مارو حبيبى
صباح الخير ياروح وعيون مارو
على فين بقى مش قلت لك ماتخرجيش من السرير طول ماانا نايم
وبعدين معاك انت مابتشعبش
لم تشعر الا وهو يدفعها بعنف عاطفى ضاما اياها الى صدره العريض بنفس العنف ويقبلها قبلات مجنونة بعاطفة وحشية وهى تردد اسمه بهمس منفعل وعندها دق هاتفه لتهمس له:مارو تليفونك
سيبيه يرن
ولكن رنين هاتفه مازال مستمر ليبتعد عنها بعصبية ويعتدل خاطفا هاتفه وعندما قرأ الرقم اظلمت عيناه من الغضب ….
<!–nextpage–>
الفصــــــل الرابع
يسير بهدوء واتزان فى اروقة المشفى باحثا بعينيه عن حجرة من يتوق عينيه لرؤيتها و يهفو قلبه للقائها ليقترب من الغرفة ويتسمر مكانه وهو حاملا باقة من الورود البيضاء وفى المنتصف وردة حمراء تعبر عما يختلج به صدره تجاهها كان قلبه يدق دقات متسارعة فعلى بعد خطوات قليلة منه سيلتقيها هل ستكون فى انتظاره ام لم يعنيها الامر برمته اغمض عينيه قليلا واخذ نفسا قويا ليهدا من خفقات النابض بين ضلوعه ثم طرق الغرفة
لم تكن واثقة انها ستراه ولكنها اليوم ارادت ان تكون فى صورة مبهرة فارتدت ثياب يصل الى كاحلها بدون اكمام باللون الوردى و فوقه جاكت جينز قصير واطلقت العنان لشعرها ليزيدها جمالا وسحرا ووضعت بعض مساحيق التجميل الخفيفة التى تكاد لاترى فهى لاتحب وضعهم بالاساس استقلت سيارتها وقادتها مسرعة وعندها دخلت المشفى بكل شموخ ووقار ولكن عينيها كانت زائغة باحثة عنه خائفة ان يكون وصل قبل قدومها تأكدت من ساعة معصمها انه لم يتبقى على موعده سوى نصف ساعة
لم يسمع اى رد طرق مرة اخرى لتسمح له بالدخول بصوتها الرخيم بنعومته ليدخل بابتسامة هادئة عندها هبت واقفة لتذهب فى اتجاهه وشفتاها ترتعشان بابتسامة خجولة ثم مدت يديها لتصافحه وترحب به:استاذ عمر صباح الخير ماكنتش متوقعة انك هتعدى عليا
كانت عيناه تطوفان كل قطعة فيها من اعلى راسها بشعرها الحريرى الناعم والمسرح بعناية الى اسفل مخمصيها باناقتها وجمالها الذى يذيب القلوب بسحره ينظر لكل حركة وكل همسة تنطلق من بين شفتيها الكرزتين يريد ان يحفظها داخل روحه وقلبه عندها اردف بصوت اجش صباح الخير دكتورة نور ثم مد يديه بالورود باتجاهها :اتفضلى
اخذتها منه بلهفة وسعادة واحمرت وجنتيها ونظرة خجولة تعتريها واردفت :الورد ديه ليا انا متشكرة جدا بجد كلك ذوق
عمر :ده شئ بسيط يادكتورة بيعبر عن شكرى وامتنانى لحضرتك لولاكى مش عارف كنت هقدر اوصل لدكتور ماهر ولا لا
بس انا ماعملتش حاجة .. المهم ورينا شطارتك يابطل عاوزة اشوف موضوع يتكلم عنه كل الناس
نظر لها بثقة مؤكدا :اوعدك ان الموضوع هيبهرك ويعجب الدكتور ماهر ان شاء الله ودلوقت اسيبك بقى مش عاوز اعطلك وكمان معادى قرب مع الدكتور ومش عاوز اتأخر عليه من اولها
اوك اتفضل وبالتوفيق وشكرا جدا على الورد ذوقك هايل بجد عجبنى جدا
لم يكن يريد ان يتركها يريد ان يظل اطول وقت ممكن قربها يشبع عينيه وقلبه من مرآها ويملا صدره بعطرها الجذاب الهادئ وانفاسها الدافئة الا انه يجب ان يغادر ذاهبا لملاقاة والدها …
كانت واثقة انه سينجح لقد بحثت عن موضوعاته الصحفية عبر النت وكم اذهلها اسلوبه وتعمقه فى ادق التفاصيل لقد اعجبت بكتاباته وشخصيته الفريدة وهذا زادها تعلقا اكثر به واليوم تأكد لها مشاعرها من جديد عندما رأت نظرة عينيه الملتهبة لها ولمحت بريقها اللامع مع كل كلمة ترد بها عليه لقد احست انه يبادلها نفس الشعور لكنه يبدو انه خائف ان يعترف لها هناك شئ يمنعه لكن ماهو !!!
كان يجلس امام البحر رافعا ارجله ومستندا بيديه القويتين عليها شاردا مع امواج البحر الصاخبة وعينيه تنظر للبعيد لم يكن يتخيل انه سيأتى الى هذا المكان مرة اخرى بدونها انه يحمل لديه ذكريات جميلة كان يبتسم تارة وعينيه تدمع تارة اخرى هنا ضحكت وتدللت عليه وهنا ضمها وهنا قبلها وهنا جرى معها وحملها بين يديه ورماها فى البحر ليشاكسها وتهرب منه وهنا وهنا كيف انتهى كل شئ وضاع فى لمح البصر وكيف مرت هذه المدة ومازال يتألم وجرحه غائر لم يضمد بعد
عاد بذكرياته عند اول يوم التقى بها فقد كان فى عامه الاخير وهى فى مرحلتها الدراسية الاولى كانت تائهة لاتعرف اين تذهب فتاة فى عمر الزهور بجمالها الهادئ وعينيها البنية بلون الشيكولا وبشرتها البيضاء وحجابها الذى ينير وجهها كانت رقيقة وشفافة يستطيع اى شخص ان يقراها بسهولة كانها كتاب مفتوح لقد كانت متعة للناظر اليها توقفت فجأة لاتعلم اين قسمها عندها التفتت له فقد كان يقف امامها وبصوت رخيم هادئ سالته عن قسمها ليجيبها وعينيه لم تفارق ملامحها الهادئة ومن يومها بدا يتابعها شعر انها ستكون شخص مهم فى حياته لم يحاول ان يفرض نفسه عليها او يتقرب منها وانما كان يتابعها عن بعد يرى معاملتها مع اصدقائها وصديقاتها معاملتها مع اساتذتها ومع ذلك احست به وباهتمامه بها وفى نهاية العام الدراسى عندما علم بان الجامعة سترسله فى منحة دراسية لحصوله على الماجستير والدكتوراه نظرا لتفوقه اقترب منها وطلب ان يتحدث معها قليلا .. اعترف لها بحبه ومشاعره نحوها وطلب منها ان تنتظره وانه سيعود لها وعندها فقط ستكون نصفه الاخر زوجته وكل شئ بالنسبة له وهى كانت هادئة بعفويتها وصفاءها تستمع له بانصات وبعد ان اتم حديثه ردت بكلمة واحدة :سأنتظرك وفرت هاربة لتترك على وجهه ابتسامة سعيدة بعدها سافر وهو واثق تمام الثقة انه عندما يعود سيجدها فى انتظاره لم يحاول الاتصال بها بل كان يطمن عليها دوما عن طريق صديقه يوسف الذى كان يحكى له دوما عنها وعن اخبارها الى ان عاد وعندما قرر الزواج منها توفى والده بازمة قلبية فى هذا الوقت لتتوقف عندها كل خططه المستقبلية
لاينسى كيف وقفت بجانبه وخففت عنه مصابه وكانت تدعمه بكل جوارحها هى اول من رأت دموعه ومسحتها باطراف اصابعها الرقيقة فوالده كان الامان والصدر الحنون له بل كان يعتبره صديقه لقد حكى لوالده عنها قبل وفاته وكان سيذهب معه ليتقدم لها الا ان حدثت الوفاة مفاجئة لهم جميعا ومر عام منذ وفاة والده وكانت ندى فى عامها الاخير للجامعة واضطر ان ينتظرها الى ان تنهى دراستها وعندها حدث والدته التى كانت تجهز له زوجة المستقبل ابنة احدى صديقاتها السطحية المستهترة لا ينسى كيف ثارت وهاجت عندما عرفت باختياره وامرته ان ينسى الامر الا انه اصر عليها ولم يستمع لها ياليته استمع لربما لم يكن ليفقدها وكانت على الاقل مازالت على قيد الحياة حتى لو كانت بعيدة عنه
عاد من شروده على صوت انثوى يصرخ :ندى ندى
ليلتفت نحو الصوت وقلبه ينبض بجنون ليجد طفلة تجرى فى اتجاه البحر عندها قفز مسرعا ليتلقفها رافعها الى حضنه هامسا لها :على فين ياحلوة
اخذت تتلوى الطفلة وتبعده عنها :سيبنى سيبنى عاوزة العب فى البحر
اهدى حبيبتى وهخليكي تلعبى بس على شرط تركبى العوامة انتى صغنونة والموج عالى ولازم يكون معاكى بابا ماتروحيش لوحدك
بس انا ماعنديش بابا
بتساؤل:ازاى
بابا راح عند ربنا ومامى بتخاف عليا وانا عاوزة اروح العب
عندها اتت الام مسرعة :شكرا ليك الله يبارك لك مش عارفة لو ماكنتش موجود كنت عملت ايه
اعطى لها الطفلة تحملها ليبتسم لها بود :خلاص هى سمعت الكلام تقدرى تلبسيها العوامة وتحاولى تكونى قريبة منها
ثم وضع اصعبيه يتلمس وجنتها :ماشى ياجميل
ابتسمت له الطفلة بسعادة واومأت له براسها : ماشى ياعمو
صافح الام وذهب مسرعا ودمعة من عينيه تسيل على صفحة وجهه ربما لو عاشت ابنته هل كانت مثل هذه الطفلة بجمالها البرئ وصفاء نفسها !!<!–nextpage–>
كانت تسير فى احدى المولات على غير هدى فقد قررت الخروج من سجنها الانفرادى التى وضعت نفسها فيه منذ سفر زوجها ممسكة بيد ابنها الذى يتملص منها ويحاول ان يجرى يريد ان يلعب ويهرب منها لتدخله فى النهاية احدى الالعاب المغلقة وتجلس فى احدى المقاهى التى تستطيع من خلالها ان تراه وهو يلعب امامها كانت شاردة فيما وصل له حالها :بقى كدة يامروان من يوم ماسافرت ماحاولتش تتصل بيا للدرجة ديه مااشتاقتش ليه ولا حتى لابنك ولا حاولت تتطمن عليه فجاة وجدت من يجذبها من يديها برفق :اميرة البنهاوى مش معقول
لتتسع عيني اميرة من الصدمة :سهر منصور همت بتقبيلها ومصافحتها
ازيك يااميرة والله وليكي واحشة انا لمحتك من بعيد وقعدت اشبه عليكي وماصدقتش نفسى الا لما شوفتك فينك يابنتى وفين ايامك
فى الدنيا
ومالك بتقوليها كدة من غير نفس لا شكلك عاوزة لك قاعدة وكوبيتن شاى بالنعناع كدة حلوين واحكى لى كل حاجة من يوم مااختفيتي منه لله بقى جوزك اللى مانعنا عنك وبعدك عننا
تلعثمت اميرة قليلا تدافع عن زوجها :انتى عارفة ياسهر مشاغل الدنيا والحياة اخدتنى عن كل اصحابى
نظرة لها بعتاب :حتى انا يااميرة ده احنا ماكناش بنفترق عن بعض ابدا وطول الوقت فى الجامعة كنت لازقة فيكي حتى الشلة كانت بتحسدنا على صداقتنا يااا كانت ايام جميلة ..
ومن يوم جوازك انقطعت اخبارك عنا وغيرتى نمرة تليفونك والجدع اللى يعرف يعتر عليكي
ثم نظرت لها لتلمح نظرة حزن عميق ساكنة فى عينيها :شكلى مش هروح النهاردة الا اما اعرف مالك فيكي ايه
حكت لها اميرة منذ بداية زواجها بمروان وكيف رفضت هذه الزيجة وارادت ان تعمل بعد ان تخرجت ولكن اصرار والدتها وعدم وجود اخيها قربها لتشتكى له فقد كان آن ذاك فى غربته يدرس وصمت والدها وموافقته على راى امها وفى النهاية اذعنت لرغبة والدتها لتفاجئ نفسها تعيش معه حياة باردة منذ اول يوم ملكها فيه رغم انها لم تقصر فى حقه بل حاولت ان تتقرب منه ولكنه كان دوما لايشغله سوى عمله فقط ونجاحه وكيفية السعى لتحقيق ذلك
يعنى عاوزة تفهميني انه مفيش اى مشاعر بينكوا
ضحكت اميرة بسخيرةواومات لها براسها قائلة : المشاعر ديه رفاهية ياحبيبتى انا لا استحقها لكن يعلم الله انا بحبه اد ايه لكن مش قادرة احس هو مشاعره ايه ناحيتى
لانك هبلة ماعرفتيش تبينى له مشاعرك تقربيه منك
يعنى تفتكرى كنت هقوله تعال انا بحبك انت مش بتحبنى ليه
لا طبعا الامور مابتتاخدش بالشكل ده
تقدرى تقولى لى انتى اخر مرة قصيتى شعرك امتى غيرتى لونه او تسريحته من كام سنة غيرتى استايل لبسك لالالالا انا مش هسيبك النهاردة الا لما نعمل نيولوك جديد ماهو لازم يرجع يلاقى اميرة تانية مش الشخص الكئيب اللى قاعد قدامى ده
بالفعل اخدت اميرة ابنها لتقله الى منزلها وتركته مع امها لتخبرها انها لديها مشوار هام كانت صديقتها فى انتظارها وخرجا معا لتاخذها الى بيوتى سنتر مترددة عليه دوما وتعرف جميع عاملاته:ازيك يامنار
اهلا ياانسة سهر نورتينا والله ها النهاردة هتعملى ايه
لا مش انا بصى بقى انا عاوزة نيولوك جديد لصاحبتى انتى شوفى اللى يناسبها ايه وشعرها ده تقصيه عاوزة تسريحة على احدث موضة
امسكت اميرة شعرها بخوف:لا ياسهر الا شعرى انا مش ممكن افكر اقصه ابدا
اميرة احنا اتفقنا على ايه انتى لازم تغيرى كل هيئتك وتبقى اميرة تانية واثقة من نفسها مش عاوزة اشوف النظرة التايهة الخايفة ديه تانى ممكن ياحبيبتى تثقى فيا انا عاوزة مصلحتك سيبى لى نفسك وشوفى النتيجة فى الاخر
