
قالت فتون بسرعة:
ازيك واخبارك..تمام..كويس..قوللى بقى عملت ايه؟
نظر اليها نبيل فى دهشة ثم ما لبث أن هز رأسه قائلا:
مفيش فايدة..فتون هتفضل فتون..خلاص ياستى..خلصت كل حاجة..حجزت ع أول طيارة نازلة مصر وحجزت الفندق اللى هننزل فيه..واتفقت مع شركتهم والميتنج بكرة بعد الضهر مع رئيس الشركة بنفسه..ياسين تاج الدين.
تنهدت فتون بعمق..ثم جلست فى مقعدها وقد التمعت عيناها الجميلتين بقسوة..ليجلس نبيل قبالتها وهو يقول بهدوء:
مالك..بتفكرى فى ايه؟
نظرت اليه فتون قائلة بهدوء:
مش قادرة أصدق انى خلاص هقابل اللى قت*ل أختى وأنتقملها منه..بس مش عارفة إزاى هقدر أخفى كرهى له واللى هيبان أكيد فى عينية وفى تصرفاتى.
أمسك نبيل بيدها قائلا:
فتون اللى أعرفها تقدر تعمل أى حاجة..ومفيش حاجة ممكن تقف قصادها عشان تحقق هدفها..ولاحتى مشاعرها.
نظرت فتون الى عيني نبيل لثوان لتهز رأسها وهى تبتسم قائلة:
معاك حق..مش ممكن حاجة هتوقفنى عن الانتقام لأختى..هخفى مشاعرى كويس..ومش هرتاح غير لما اخد تارى من اللى ق*تلها وحرمنى منها ولو هدفع حياتى تمن انتقامى مش هتردد ولو لثانية واحدة.
لتعود القسوة الى ملامحها الجميلة وقلبها القلق تغلفهم ببرودة ثلجية ..وصلت الى يدها الممسكة بيد نبيل لينتابه القلق فعلى الرغم من رغبته فى الانتقام والتى تماثل رغبة فتون الا أنه يخشى عليها من تلك الرغبة ..والتى قد تغرقها فى بحور الدم..ويخشى عليها أكثر من هذا القاتل الحر الطليق..والذى يدعى…..ياسين تاج الدين
*******************
كانت فتون جالسة على كرسيها تتأمل المكان من حولها..ذلك المكان الذى يحمل ذكريات طفولتها وشبابها..ذكرياتها مع أختها.. تلك التى ربما كانت تحمل بعض ملامحها ولكنها كانت تحمل العديد والعديد من سماتها..كروحها الطيبة وحب الخير للجميع إلى جانب الطموح والسعي للنجاح..ولكن كانت بينهما العديد من الاختلافات أيضا..مثل شخصية فتون القوية بينما تحمل ميسون شخصية رقيقة..و رفض فتون لأن تدخل فى أية علاقة تخص الرجال فقد رأت كم يستطيعون أن يكونوا بمنتهى الغباء ومنتهى الغدر أيضا بينما آمنت ميسون بأن هناك بعض الرجال الذين تستطيع أن تختار من بينهم من قد تستطيع منحه قلبها..لذا كانت تتنقل من علاقة لأخرى فاشلة ولكنها أبدا لم تيأس..لتنظر فتون حولها فى حزن تتساءل بصوت هامس مرير وكأنها تحادث روح أختها التى تشعر بها دائما حولها..قائلة:
ليه بس مقدرتيش تفهمى ان كل الرجالة غدارة ياميسون..ليه فضلتى تآمنى ليهم واحد ورا التانى..لغاية ما جالك اللى وراكى أد إيه ممكن يكونوا غدارين..لأول مرة فى حياتك ولآخر مرة..بس أوعدك زي ما غدر بيكى هغدر بيه ومش هسيبه غير وهو ميت..عشان أقدر آخد عزاكى وأقول إنى خدت بتارك وريحت قلبى وريحتك انتى كمان فى قبرك ياقلب أختك .
لترفع تلك الصورة فى يدها تتأملها لآخر مرة فى حقد قبل أن تمسك قداحة بجوارها وتشعل تلك الصورة بالنار..ثم تلقيها أمامها فى تلك المنفضة تراقب تحولها إلى رماد.
*******************
كان ياسين يتناول الطعام فى هدوء..تجاوره أخته دارين على يمينه بينما جدته على يساره..أنهى ياسين وجبته ثم امسك منديله ومسح فمه بهدوء وهو يرمق دارين وجدته اللتان تناولتا القليل من الطعام وتنظر كل منهما الآن للأخرى بقلق..قال ياسين فى هدوء:
هتتكلموا ولا أقوم أرتاح فى أوضتى أحسن؟
تبادلت الجدة مع دارين النظرات قبل أن تأخذ الجدة نفسا عميقا ثم تقول:
بصراحة ياياسين..أختك ملت من قعدة البيت واقترحت عليها تشتغل..وطبعا عشان مقلقش عليها قلتلها تشتغل معاك وأهى تبقى تحت عنيك..قلت إيه؟
نظر ياسين الى دارين قائلا:
انتى حابة تشتغلى بجد يادارين ولا عايزة تشغلى وقتك وخلاص؟
ابتلعت دارين ريقها قائلة:
لأ حابة طبعا أشتغل..واكيد هكون مبسوطة لو اشتغلت معاك يا ياسين.
رمقها ياسين متفحصا وهو يقول:
احنا الشغل عندنا مفيهوش هزار..ولا عشان انتى اختى هتتعاملى معاملة خاصة..هتقدرى تتحملى ضغط الشغل؟
أخذت دارين نفسا عميقا قبل أن تقول بثبات:
هقدر.
أومأ ياسين برأسه قائلا:
خلاص مفيش مشاكل..جهزى نفسك ومن الصبح هتنزلى معايا الشغل.
ابتسمت دارين فى فرحة وأسرعت بالنهوض لتقبل أخيها فى وجنته قائلة:
ربنا يخليك لية يا ياسين.
ابتسم ياسين فأسرعت دارين باتجاه حجرتها ليوقفها صوت ياسين قائلا:
رايحة فين ؟مش هتكملى أكلك؟
أرسلت له قبلة هوائية ثم قالت:
لأ شبعت ..هروح اجهز شوية حاجات عشان بكرة.
تابعها كل من الجدة وياسين بعيونهم..حتى اختفت ليلتفت ياسين الى الجدة قائلا:
انتى متأكدة ان فكرتك دى صح؟
ابتسمت الجدة قائلا:
أكيد متأكدة..بكرة تشوف انها لما هتشتغل هتنسى مروان خالص..غير انها لما هتشوفه وتعرفه من قريب هتكتشف انها محبتهوش أصلا وانه كان مجرد افتتان.
تنهد ياسين قائلا:
يارب ياتيتة يكون معاكى حق..والا كلنا هنضيع وأولنا دارين.
الفصل الثالث
اتجه مروان الى سيارته بخطوات واسعة يحمل داخله إبتسامة انتصار لم تظهر على ملامحه..لقد قام بالخطوة الأولى فى طريقه للانتقام ممن كانوا السبب فى عذابه..هؤلاء الذين كانوا السبب فى ابتعاده عن أبيه الحبيب..والذى توفي دون أن يراه ..ودون ان يخبره كم أحبه..سنوات يتعذب فى ذلك المعتقل الإجباري والذى فرض عليه ..لا يعلم السبب فى سجنه واعتقاله..يتخبط بين جنباته فقط..ولولا وجود ياسين معه.. لا يعلم كيف كان سيكمل أيامه فى ذلك المعتقل..نفض أفكاره التى أعادت اليه ذكريات مريرة وهو يفتح السيارة ويركبها ليقودها بسرعة خارجا من ذلك المكان المقيت الذى يشبه منزل الشيطان.. يضم بين جنباته الشيطان نفسه وأعوانه الكثر..حقا كم يكرههم ويكره تلك الحية التى ساعدت ذلك الشيطان عدنان على سجنه..ولكن مهلا..سينتقم منهم فردا فردا ..سيجعلهم يتمنون المو*ت..فقط عليه الصبر قليلا..لتحقيق انتقامه.
أفاق من أفكاره على ظهور قطة أمامه فحاول تفاديها بقوة ليعقد حاجبيه وهو يسمع تأوه ضعيف ..ليدرك أن هناك من يشاركه السيارة..ليوقف السيارة على جانب الطريق وهو يمد يده الى درج السيارة ليخرج سلاحه بهدوء ثم ترجل من السيارة بسرعة فاتحا الباب الخلفى وموجها سلاحه الى ذلك الدخيل..لتتسع عينيه بصدمة فهناك تحت المقعد الخلفى تقبع امرأة تضم طفل إليها بقوة وتنظر اليه برعب..امرأة يعرفها جيدا..يعشقها ويكرهها فى آن واحد..انها المرأة التى لم يحتل قلبه سواها، والذى أراد يوما أن ينزع قلبه من مكانه لأنه يرفض نسيانها..إنها الجميلة..الرقيقة….والمخادعة………………زينة.
****************
كانت فتون تجلس على مقعدها فى الطائرة المتجهة الى القاهرة يجاورها نبيل الذى أغمض عينيه يحاول أن يأخذ قسطا من النوم..أمسكت فتون هاتفها لتفتح ملف شخصى يحمل صور أختها الصغرى ميسون..تلمست الصور بحنان ..لقد افتقدتها حقا وافتقدت مزاحها وضحكاتها التى كانت تغمر كيانها بالسعادة..أغمضت عينيها ألما وهى تتذكر آخر مكالمة هاتفية بينهما..كم كانت سعيدة وهى تنتظر حبيبها الذى سيعرض عليها الزواج..وكم كانت ساذجة لأنها آمنت له..فق*تلها..وأضاع روحها البريئة للأبد..لتفتح فتون عينيها وقد ارتسم فيهم التصميم..لقد اقسمت فى بيروت أنها ستق*تله وها هي تجدد قسمها.. ان لم تستطع سجنه مدى الحياة..أو ان تجلب له حكما بالإعدام..ستق*تله ..نعم ستقت*له ولكن بعد ان تجعله يخسر أمواله وكل غال بحياته..لتمرر يدها على صورة أختها الحبيبة قائلة فى همس حزين :
ساعتها مش هيفرق معايا أم*وت او أعيش ياميسون..انتى كنتى كل حياتى..واللى عايشة بس عشانها..ورغم اننا مكناش اخوات شقايق..بس كنا زى التوأم..من يوم ما اتولدتى واحنا مفارقناش بعض..ولما ماما ماتت.. كنت ليكى أم وكنتى لية زي بنتى.. رغم فرق السن الصغير اللى بينا..ياريتك ما نزلتى شرم ..ياريتك ما شفتيه ياحبيبتى.
انتفضت على ربتة خفيفة على يدها لتنظر الى نبيل الذى فتح عينيه ينظر اليها متعاطفا ..مدت يدها الحرة لتمسح دموعها الخائنة، ليقول نبيل فى حزن:
كل شئ فى الدنيا قدر يافتون.. وقدرها كان انها تنزل شرم وتحبه وهو ميحبهاش..قدرها كان تمو*ت على ايديه وقدرنا نتعذب وقلوبنا تبكى من حزننا عليها..بس قدره كمان انه يتعذب على ايدينا احنا..مش هنسيبه لحد ما يخسر كل حاجة فى حياته.
أومأت فتون برأسها وقد ارتسم فى عينيها التصميم..فأخاها نبيل لا يعلم نواياها تجاه هذا الياسين..نعم ستجعله يخسر كل شئ فى حياته ولكن ما لا يعرفه هو أنها ستجعله يخسر حياته نفسها..فقط على ياسين أن ينتظر مصيره القاتم.. فهى قادمة اليه….. وبقوة.
*******************
أفاق مروان من صدمته بسرعة قائلا فى غضب:
ممكن أعرف بتعملى ايه فى عربيتى ؟
ثم أشار الى فارس قائلا:
ومين ده؟
ضمت زينة الطفل اليها أكثر وهى تقول متلعثمة:
أنا…أنا….
قال مروان فى حدة:
انتى ايه؟ما تنطقى؟
افاقت زينة من صدمتها وارتباكها لإدراكها أن صاحب السيارة وضيف عدنان هو مروان ..ذلك الذى تخلى عنها قديما وتركها تعانى ..لم يهتم بمصيرها أبدا لتبيعها زوجة أبيه الى ذلك الشيطان عدنان.. وتذوق هي العذاب سنوات طوال..وفوق كل هذا يقف الآن بكل قسوة وجبروت يصرخ بها ويتساءل عنها وعن طفلها فارس..لتنظر الى فارس برعب تدرك الموقف الشائك والذى وجدت نفسها فيه..عليها أن تبتعد الآن عن فارس حتى لا يسمع ما سوف يقال ..ستتحدث مع مروان بكل هدوء..ستجبر نفسها على البرود حتى تحتفظ بحياتها وحياة طفلها ثم تبتعد وبكل قوة عن مروان..مروان ..أول من دق القلب له ….أول وآخر حبيب ..هو من علمها الحب ومن جعلها تنفر منه.
تحولت ملامحها الى البرود قائلة :
بعد اذنك نتكلم بعيد عن ابنى.
أحس مروان بغصة فى قلبه..وظهر على ملامحه الألم..اذا هذا الطفل هو ابنها..كان لابد وأن يعلم ذلك.. فملامح الطفل تشبه كثيرا ملامحها الجميلة..يحمل نفس عيونها الرمادية الخلابة..تساءل فى مرارة ..هل تزوجت وأنجبت وعاشت حياة سعيدة بينما كان هو يتعذب بين جدران سجنه؟
لم ترى زينة ملامح الألم المرتسمة على وجه مروان وهى تلتفت الى صغيرها لتتبدل ملامحها من البرود الى الحنان قائلة:
حبيبى انا هتكلم مع عمو كلمتين..خليك قاعد مكانك ومتخرجش من العربية..اتفقنا؟
نقل فارس نظراته القلقة ما بين مروان الذى أخفى ملامح الالم سريعا، وبين والدته ليقول بلهجة بدت اكبر من سنوات عمره الخمس:
هتبقى كويسة؟
رغما عنه أحس مروان بالاعجاب بذلك الصبى ..والذى يخشى على والدته منه ..بالتأكيد شعر بالتوتر وذبذبات الكره التى ملأت المكان..ليرى مشهدا أشعره بالألم فى كل كيانه وزينة تميل تقبل الصغير بحنان قائلة:
طول ما انت معايا هبقى كويسة ياحبيبى.
أخفى مروان مشاعره تحت قناع من الجمود وهو يراها تخرج من السيارة وتغلقها لتمر بجواره تكاد تلامسه ليدق قلبه بقوة وخصلات شعرها الحريرية تلامس وجهه تذكره بأيام كان يقضى فيها الكثير من الوقت يمرر اصابعه بين تلك الخصلات..لينفض أفكاره بقوة وهو يتبعها حتى توقفت على بعد مسافة من السيارة والتفتت اليه قائلة فى برود:
كنت بتسألنى عن سبب وجودى فى عربيتك..مش كدة؟
نظر اليها فى جمود فاستطردت قائلة:
لو كنت اعرف انها عربيتك أكيد مكنتش هركب فيها..انا أهون علية أعيش جوة جحر الشيطان ومكونش قريبة منك ولازم تعرف ان أسوأ يوم عندى هو النهاردة لإنى شفتك فيه من تانى.
لم يظهر على ملامح مروان أى تأثر بكلماتها..فقط اختلاجة بسيطة فى فكه ..وقبضة يده التى ضمها فى قوة قبل أن يقول:
الشعور متبادل على فكرة..بعد ما افتكرت ان النهاردة من أسعد ايام حياتى..شفتك وانقلب اليوم غم..بس برده عايز أعرف حضرتك بتعملى إيه فى عربيتى؟
نظرت زينة اليه تشعر بمرارة شديدة فى قلبها ..لتقول بصوت ظهرت فيه تلك المرارة رغما عنها:
كنت هربانة ..ارتحت؟
عقد مروان حاجبيه قائلا بصرامة :
هربانة؟من مين؟وليه؟
