نظر لها بإستنكار يجعد مابين حاجبيه و شيئاً فشيئاً كانت يديه تلين من قبضته على لحم ذراعها يتذكر إنه لم يسمع منها رد فقال بإندفاع هو الآخر: عشان ماقدرتش استحمل أقف و أستنى أسمع ، يمكن خوفت أسمع ردك .
أبتعد عن الفراش يردد : أنا مش هفضل متحمل كتير ،أنا بردو بشر ، و مش هقعد أتفرج على البنت الوحيدة إلي حبيتها و هي بتضيع من أيدي .
مرت لحظة صمت و كل منهما ينظر للأخر ليقول أخيراً: أنتي هتفضلي هنا في الأوضة دي مش هتخرجي منها .
أبتعد كي يخرج لكنها قفزت خلفه تقول بصدمة: هتسجني يعني ؟
نظر لها بوجه جامد و ردد : أيوه ، أعتبري نفسك سجينة غانم صفوان ، و ده أقل عقاب ليكي .
أغلق الباب فوراً و هي ظلت تضرب عليه بقبضتها التي تشتد و هي تستمع لصوت المفتاح في قفل الباب تناديه لكنه لم يجيب .
هبط الدرج بوجه و جسد منهك ،كأن على أكتافه ثقل سنوات .
ليجد العم جميل يقف في نهاية الدرج ينظر له بعدم رضا و باشر على الفور في شن حملة مضادة عليه.
فأخذ يسأل : إيه إلي حصل ، و البت الخدامة دي فين ؟
نظر له غانم و قال بإنذار : ماسمهاش بت و لا خدامة ؟
لكن جميل كان و كأنه على مشارف الجنان بلا داعي و سأله : علمت لها إيه ؟ رد عليا ؟ عملت فيها حاجه ؟
غانم: دي حاجة خاصة بيا ، بلاش تتدخل في إلي مالكش فيه .
كظم جميل غيظه و حاول رسم إبتسامة على مهتزة على شفتيه و اقترب منه بهدوء يردد : أول مرة تقولي حاجة زي دي ، ده انا جميل إلي مربيك ، هان عليك تقولي كده ؟
نظر جميل أرضاً بتأثر بينما إلتف غانم ينظر له و قد بدأ يشعر بتأنيب الضمير فقال : أنا مش قصدي ، بس… أنا….
جميل : أنت إيه ؟ أنت بتضيع ، البت دي خطر عليك و على بيتك و على إبنك الجاي … مافكرتش أنك متجوز؟ مافكرتش في سلوى لما تعرف هتعمل معاها أيه ؟ أفرض قالت لك ننفصل ؟ إيه هتهد بيتك و بيت إبنك الي لسه ماشفتوش ؟
تنهد غانم يغمض عيناه ، هو بالفعل يتهرب من التفكير في تلك النقطة… أسرته .. ماذا عنها
لكن ماذا يفعل لقد وقع في عشقها و أنتهى الأمر ، لم يكن ذي سلطان على قلبه أو الهوى .
ربما أتاه الشخص الصحيح في الوقت الخطأ ، لكنه أتى و هو لا يملك القوى على التوقف عن حبه.
نظر جميل للكدمة التي بدأت في الظهور على جانب عينه و سأل: ضربتك ؟
زاغت عينا غانم يميناً و يساراً يتجنب المواجهة أو السؤال فقال جميل : و ما ضربتهاش ليه ؟ ده أنت فيك عافية تكفي قبيلة بحالها.
ارتبك غانم و لم يجيب فضحك جميل بسخرية يردد : لانت يدك ، ماعرفتش تضربها ، عشقتها يا ولدي ؟
جلس غانم على طرف الأريكة من خلفه ، يضع رأسه بين كفيه يردد و هو بهم و قلة حيلة: أيوه ،و مش عارف أعمل أيه ؟
جلس جميل قرب إذنه و همس : تعمل الصح ، دي خطر عليك ، أنت ماقدرتش عليها.. ماقدرتش تبقى غانم صفوان عليها و لا قدرت تأذيها ، ده أنت إلي بيرشك بالميه بترشه بالدم و إلي يخربشك خربوش بتفلقه نصين و هي …. جيت عندها و لانت أيدك .
شعر جميل بإستجابة غانم للحديث ، لم يوقفه عند حده كالعادة كلما تحدث عن حلا ، بل تركه يكمل .
فشعر أنها فرصته و بدأ يتحدث : خليها تمشي ، أنت أتعلقت بيها أوي و بعدين شكلها عينها من عزام .
انتفض غانم ينظر له بغضب فقال جميل : مش راحت تقابله يبقى عينها منه .
صمت غانم يدرك أن بحديثه الصواب ، أطبق جفناه و هو يشعر بالوحدة و الألم ، ألم ينهش قلبة و معدته مقبوضة .
لا أحد له كي بتكلم معه ، و من له لن يستطيع الحديث معها فيكف سيشكو إليها منها ؟
فلم يجد سوى جميل بجواره ، نكس رأسه لأسفل و هو يردد بعجز واضح: مش هقدر أبعد عنها ، لما بتغيب عن عيني روحي بتروح مني ، مش هقدر أخليها تمشي .. ما أقدرش أتحرم منها .
جميل : تتحرم منها و لا تتحرم من إبنك و عيلتك ؟
رفع غانم عيناه له بقلق فقال جميل : أمام فكرك إيه ؟ الست سلوى مناخيرها في السما و مش هتقبل بالي حصل خصوصاً لما تبقى فضلت عليها خدامتها .
نظر له غانم بنفس الضيق المعتاد كلما نعت حلا بالخادمة ليقول جميل: ما هي خدامة ،جت هنا تشتغل كده هو انا بتبلى عليها ؟
وقف من مكانه و قال: قوم يا ولدي ، أصلب طولك و أطردها من هنا؟ خليها تروح للي من توبها ، مش هي لسه بنت بنوت ؟
صمت غانم و لم يجيب فسأل جميل بقلق : ما ترد عليا يا ولدي .. أنت أذيت البت ؟
هز غانم رأسه بإنكار ليتنهد جميل براحه و قال رغماً عنه: أيوه كده خليها لصاحب نصيبها .
اهتز جسد غانم من الجملة شفوياً بحد ذاتها ، أطبق جفناه بألم و هو يهز رأسه يميناً و يساراً برفض تام: مش هقدر ، مش هقدر.
جميل: هات المفتاح يا ولدي .
عاد غانم يهز رأسه رافضاً و هو يتألم كأن روحه تزهق منه .
ليقول جميل بصوت قوي يخيره : مرتك و ولدك و لا البت دي ؟
رفع غانم رأسه يجاهد دموعه ، يطبق جفناه بقوة يتنهد و هو يسأل ربه الخلاص ، لا يستطيع الإبتعاد عنها و لا يستطيع جرح سلوى و خسارة إبنه.
فتقدم جميل يمد يده من كف غانم المقبوضة على المفتاح يربط عليها ثم يحاول فتحها و هو يقول : هتحب إبنك اكتر منها ، ده جاي بعد جوع و عطش … أفتح يدك و هات المفتاح يا ولدي ، هات يالا ربنا يهديك .
بقوة رهيبة و بشق الأنفس فتح كف يده أخيراً ، يعلم أنه هكذا يسحب روحه من جسده و يكتب شهادة وفاته بخط يده .
لم يتوامى جميل لثواني و التقط المفتاح و ذهب سريعاً لحلا التي وقفت معه بلهفة لا تسأل كيف أو لماذا.
لكن جميل قال : يالا معايا بسرعه لو فضلتي مش هيعتقك .
خرجت معه و هي تهرول ، لم تركض ، كأنها تنتظره عند البوابة الرئيسية يرفض خروجها ، ربما تمنت .
لكنها صدمت بالحرس الذي سبق و رفض خروجها حتى أنه رفض طلب سلوى يوافق الآن على خروجها.
وقفت عند البوابة و جميل يعطيها متعلقاتها نظرت لها بإستغراب فهو و كأنه قد حضرها لها .
نظرت بألم شديد و مشاعر مختلطة ناحية نافذة غرفة مكتبه التي يقضي بها ثلاث أرباع يومه ، لا تعلم لما هي الأن مترددة في الرحيل بعدما كانت تريده و كأنها أستلذت تعذيبه لها و هوسه بها .
ليلاحظ جميل كل هذا فيقول بحده : أمشي يالا و ما تبصيش وراكي ، أنا عملت البدع عشان امشيكي من هنا .
نظرت لجميل بإستغراب و سألت : غريبة ، ده غانم ده زي إبنك يعني.
جميل : أيوه بس انتي بنت و ربنا يستر على ولايانا ، شكلك بنت ناس ، أخرجي من هنا بسرعة قبل ما يرميكي هو بس و أنتي مش نافعة لحاجة ، أنا إلي مربيه و عارفة ، كل فترة بيعمل كده زي العيال الصغيرة بس إنتي شكلك بنت ناس ، أجري من هنا و ماتبصيش وراكي أنا ماصدقت طلعتك .
وجدها مازالت تقف كأنها موافقة على العيش معه حتى لو عاشت بالحجيم فقال بنبرة بها من الغلظة و الحسم المزيد : عايزه ترجعي أرجعي ، بس ساعتها نا تبقيش تعيطي و تقولي يا ريت إلي جرى ما كان ، في حاجات لو حصلت عمرك ما تعرفي ترجعي زي ما كنتي ، و إنتي فاهمه قصدي.
رمشت بأهدابها كأنها تصفع نفسها ، كيف نست رنا و ما حدث معها ، كيف نست أنه كاد أن يغتصبها منذ دقائق لولا دفاعها عن نفسها مستذكرة لبعض حركات القوة التي صمم والدها عليها أن تتعلمها .
لولا ذلك لاصبحت كرنا ، بل أبشع فرنا فعلت كل ذلك بإرادتها حتى لو وهمها بالحب أما هي فستكون مغتصبه و هو لن يرف له جفن ، كيف يرف له جفن و قد نسى رنا لا و يقول إنه لم يحب مطلقاً و لا يملك أي حساب على فيسبوك ، ممثل بارع و قد صدقته و صدقت تصريحه المزيف بالحب الذي لم يكن بالتأكيد سوى فرشة وثيرة لطريق نهايته مأساوية لها هي فقط بعدما تستسلم لكذباته .
لذا ألتفت بقوة و بغضب ، بخطوات واسعة ثم تحولت لهرولة إستحالت للركض .
تركض مبتعدة عن حب سيغرقها بالوحل رغم الألم المتزايد في أيسرها و كأن قلبها يؤلمها على شئ ما تولد داخله لشخص ولته ظهرها و تركته .
ظلت متماسكة متماسكة.. تمام التماسك حتى وصلت للبيت و مع أول ملامسة لها لأحضان و الدتها انهارت باكية .. تبكي بحرقة و ألم ، و كأنها تملك ألم شديد من جرح نازف مازال حي .
و مرت أيام…… غير معلومة العدد لكليهما ، لكنها مرت.
وغانم جسد بلا روح أو قلب ، لقد رحلت ، رحلت و لم تترك خلفها أي شيء منها .. كانت بخيلة تماماً فحتى رباط شعرها أخذته كأنها متعمدة .. لم تترك سوى رائحتها على الفراش حيث كانت تمكث.
و قد بات مضجعه بعدما هجر غرفته تقريباً ، يبيت فيها كي يستطيع النوم و هو محاط ببصيص من رائحتها .
دق هاتفه يعلن عن إتصال من أحدهم ، فرفع سماعة الهاتف بسرعه يقول : أيوة وصلت لأيه ؟
جاوبه المتحدث بشيئ لم يروقه تقريباً ، فقد جعد ما بين حاجبيه بضيق شديد و سأم ثم أغلق الهاتف.
عاد برأسه للخلف يسندها على وسادة حبيبته و هو متجهم الوجه لينتبه على فتح الباب.