ثم أشاحت بكف يدها باتجاه باب المنزل المؤدي إلى الخارج وأردفت بنبرة قوية وملامح وجه شامخة:
– وياريت دي تكون آخر مرة نشوف بعض فيها تاني.
هبت شقيقة زوجها وتحدثت بنبرة ساخطة:
– إنتِ بتطردينا من بيت أخونا اللي لسة جِتته ما بردتش في قبره يا عديمة الأصل.
بتصرف مشابه، هتفت والدتها بسخط:
– مش بنتي هي اللي عديمة أصل يا نُهي، عديم الأصل هو اللي خان وغدر وأهو الحمد لله، ربنا جاب لبنتي حقها لغاية عندها وهي قاعدة في بيتها.
وعلى غرار موقف والدتها، صخبت والدتهُ بدفاعٍ مستميت عن فقيدها الراحل:
– إنتِ شمتانة في ابني ومش مكسوفة وإنتِ بتقوليها في قلب بيته يا ماجدة؟!
لفت وجهها وتطلعت إليها لتنطق بقلبٍ محترق على فلذة قلبها التي تعرضت للغدر على من سلمتهُ حالها ومالها وجُل كيانها:
– دي مش شماتة يا حُسنية، ده وصفي لعدل ربنا وحكمته في إنه يكشف خيانة ابنك لبنتي بالشكل ده ويفضحه قدام الناس كلها.
بدفاعٍ أعمى، هتفت زوجة الإبن كنوعٍ من المساندة لعائلة زوجها متغاضية قلب تلك التي غُدرت من من أمنت له وأعتبرته سندها:
– فضيحة إيه اللي بتتكلمي عنها يا طنط، عثمان ما عملش حاجة غلط.
واستطردت بلامبالاة وتهاون:
– الراجل كان متجوز على سُنة الله ورسوله.
ابتسمت ريهام وهي تراقب الأقنعة التي تتساقط واحداً يلو الآخر. بطريقة تهكمية، صاحت مروة بمؤازرة لشقيقتها:
– وهي حتة الورقة العُرفي بقت على سُنة الله ورسوله يا سِت هَنا؟!
بغفوة منها، نطقت دون إدراك:
– الجواز إشهار يا مروة، وإحنا كُلنا كُنا عارفين، وده لوحده كفيل إنه يخليه حلال.
اتسعت عيناها وشعرت بتلك اللحظة بإنشطارٍ حاد قسم قلبها إلى نصفين. أنهُ لشعور مؤلم وكم هو مُر طعم الخيانة. لعنت حالها على غفلتها، بتلك اللحظة اكتشفت كم كانت بلهاء عديمة الحِس والبصيرة. كيف لها ألا تكتشف حقيقة هؤلاء المخادعين؟ كيف كانت تحيي مع أشخاص يتقنعون بأوجه البشر ليختبأوا خلفها ويخفوا بها بشاعة وجوههم الشيطانية؟ لما خُدعت بهم وكيف غابت عنها حقيقتهم المُرّة.
رمقتها حُسنية بنظرات ساخطة، ولكزتها شقيقة زوجها بيدها قائلة بتعنيف:
– إخرسي يا هَنا.
أما تلك المصدومة، فصاحت متسائلة بعينيها زائغة:
– يعني كلكم كنتوا عارفين وشهدتم على غدره بيا؟
واسترسلت وهي تتناقل النظر بين جميعهم بنظرات لائمة وبالأخص تلك الـأمنية، والتي كانت تعتبرها كشقيقتها وليست كزوجة لشقيق زوجها:
– طب ما صعبش عليكم حالي وإنتوا شايفيني عايشة مخدوعة قدامكم؟
أشاحت أمنية ببصرها خجلاً بعيداً عن مرمى عينيها، فاسترسلت بدموعها التي خانتها وسالت فوق وجنتيها بهدوء:
– كنتوا بتحسوا بإيه في كُل مرة كُنا بنتجمع فيها وناكل على سُفرة واحدة من نفس الطبق؟!
بنبرة قاسية وجبروت، تحدثت الأم:
– ابني ما عملش حاجة غلط يا ريهام، ابني اتجوز علشان يخلف له حتة عيل يشيل اسمهم ويورثه ويحافظ على تعبه وشقاه.
اتسعت عيناها بذهول ثم هتفت باستنكار وهي تُشير على حالها:
– وأنا فين حقي؟ فين حق وقفتي معاه بعد ما دمرني وكان السبب في إن عُمري ما هكون أم طول حياتي؟!
أبعدت الأم بصرها بعيداً ثم أردفت بملامح وجه صارمة:
– ابني مالوش ذنب في اللي حصل لك، ده نصيبك اللي ربنا كاتبهُ لك ولازم ترضي بيه.
وأنا رضيت، المهم إنتوا كمان ترضوا… جُملة نطقتها بكل شموخ مما جعل الجميع ينتبه لها بإنصات، فاسترسلت بقوة:
– ابنك قبل ما يتوفي كتب لي كُل أملاكه بيع وشرا، ومحامي الشركة سجلها في الشهر العقاري من يومين.
كلام إيه الفارغ اللي بتقوليه ده يا سِت إنتِ؟… جملة غاضبة نطق بها الحاج راجح الذي دخل من البوابة للتو بعدما انتهى العزاء الذي أُقيم بحديقة المنزل الواسعة بالخارج، يجاورهُ نجلاه حيثُ يسانداه لكِبر سنه، صالح نجلهُ البكري، وحسن نجلهُ الأوسط.