وضع الطعام الشهي على السفرة التي جمعتهم بعد وقتاً طويل، فوزعت “إيمان” الأطباق على الجميع، وشرعوا بتناوله في جو من الألفة والمحبة المتبادلة فيما بينهم، فإنتبهوا لمن تهبط الدرج محدثة بحذائها صوت لفت إنتباههم، إستدار “عاصي” تجاه الدرج، فتعلقت عينيه بما ترتديه، كان مألوفاً بالنسبة إليه، فتجسدت أمامه “هند”، وكأن هناك من استحضرها لتسكن هذا الجسد، هامت عينيه بها وهي تتبادل السلام مع”عائشة” وخاصة بعد أن عرفتها “إيمان” عليها، شعرت “لوجين” بالحرجٍ من نظراته حتى أن الجميع لاحظ ذلك، فتمنت لو إنتهت تلك الزياردة سريعاً حتى تبدل ثيابها، وبعد دقائق إنصرف كلاً منهما لمنزله بعد أن إتفقت “إيمان” مع “عائشة” للخروج بالغد للتنزه قليلاً وشراء بعد المستلزمات الخاصة بولادتهن.
وما أن تأكدت “لوجين” من مغادرة الجميع حتى إتجهت لمكتب “عاصي” بعدما فضل الجلوس به بمفرده، دقت على الباب قبل دلوفها رغم إنه كان مفتوح، فقال دون أن يرى من الطارق:
_تعالي يا “لوجين”.
خطت للداخل بإرتباكٍ، فكانت تقدم قدماً وتؤخر الأخرى، فجلست أمام مكتبه وبعد صمت طال بها أجلت حبالها التي علقت به الكلمات:
_أنا أسفة إني لبست من لبسها، بس”إيمان” والله اللي ادتهوني لإني مكنش عندي لبس أنزل بيه تحت.
توقعت أن تواجه غضب منه أو حتى عتاب، ولكنها وجدته يمنحها إبتسامة تذهب العقل، ليجيبها بصوته الرخيم:
_وأيه ممكن يزعلني في كده!
ثم نهض عن مقعده وإتجه ليجلس على المقعد الذي يقابل مقعدها:
_أنا فاتني الحتة دي بس إن شاء الله نجيبلك لبس يكون خاص بيكي أنتي.
أسرت بذوقه وإبتسامته الجذابة، فقالت بإرتباكٍ:
_مفيش داعي، أنا لسالي يوم واحد وهوفي بوعدي لاني مش عايزة أسببلك مشاكل مع “قاسم”.
بلل شفتيه السفلى بلعابه ثم قال:
_لا مش هتمشي من هنا.
تطلعت له بذهولٍ، فإستطرد بتوضيحٍ لها:
_لإنه عرف إنك عندي فعلاً.
اتسعت حدقتاها في عدم تصديق مرددة باستنكارٍ:
_إزاي!
رد مؤكداً:
_بعتلي رسالة بيطلب فيها يقابلني بكره، ومن طريقة كلامه فهمت إنه عرف.
هربت الدماء من وجهها ونظرت له بعينين متسعتين في توترٍ:
_طب هعمل أيه دلوقتي؟
علق مبتسماً قبل أن يترك مقعده ليتجه للأعلى:
_سيبي الملزق ده عليا.
وإستكمل طريقه وهو يشير إليها:
_روحي نامي يا”لوجين” ومتفكريش في حاجة تانية.
كلماته منحتها أمان لطالما إفتقدته بوجود عائلتها التي تهاب “قاسم” ورجاله، وبالرغم من خوفها الشديد الا أنها إبتسمت على وصفه بالكلمة التي تنسبها إليه كلما لعنته أو نال منها معزوفة من الردح الخاص به، فعبثت بخصلات شعرها بشرودٍ في ذلك الأربعيني الذي بدى خطراً على قلبها ومشاعرها التي باتت تنجرف تجاهه، فنهضت “لوجين” عن مقعدها ثم إتجهت لتجلس على مقعده الأساسي، فمددت جسدها عليه بأريحيةٍ والابتسامة تزين وجهها، فإحتضنت سطح مكتبه ومازالت كلماته تحاصرها فصنعت لها سحر إستحوذ عليها.
الفصل السادس..
أباد ضوء الشمس الساطع ظلمة الليل الكحيل، وحينما احتضنت عقارب الساعة السادسة صباحاً، حتى إستيقظ “عاصي” ليركض بحديقة القصر مثلما اعتاد وفور إنتهائه إتجه لغرفة مكتبه من الباب الزجاجي الخارجي، فوجدها تستكين على مقعده كالملاك، اقترب منها “عاصي” وعقله مشدوهاً بها، فزارت شفتيه إبتسامة شبه ساخرة، فمن يرى جمالها الهادئ لا يصدق بأنها تلك المشاغبة التي أضافت شيئاً لحياته، مسح وجهه بيديه ثم اقترب منها ليرفع صوته حتى يزعجها:
_”لوجين”.
فتحت نصف عين، وهي ترد بنومٍ:
_ها.
سيطر على ضحكاته بصعوبةٍ، ليشير إليها بحزمٍ:
_ورايا شغل لازم أخلصه قبل ما أروح الشركة.
أتاه صوتها المنزعج:
_ما تخلصه أنا مسكتك يا عم!
إنتصب بوقفته ثم هز رأسه ساخراً:
_هخلصه إزاي وإنتي تقريباً نايمة على اللاب!
وجدت ما يقوله غريباً بعض الشيء، ففتحت عينيها لتتأمل المكان الذي غفلت به، فنهضت عن مقعد مكتبه وهي تلملم خصلات شعرها المبعثرة بحرجٍ:
_أنا مش عارفة نمت هنا إزاي!
حدجها بنظرةٍ مشككة، قبل أن يتبعها خشونة نبرته:
_إنتي أي حتة بتنامي فيها!
زمت شفتيها وهي تجيبه:
_لما ببقى عايزة أنام مبيفرقش معايا أنا فين؟
ضحك رغماً عنه، ثم أشار لها تجاه الدرج بمزحٍ:
_أوكي، إطلعي السلم هتلاقي أوضتك على الشمال وإتاكدي من الأوضة لأطلع ألقيكي نايمة المرادي في خزنة هدومي.
رسمت ضحكة مستهزئة رغم حدة نظراتها الشرسة تجاهه:
_مبتضحكش على فكرة، أنا مش مسطولة للدرجادي يا حضرت.
وأبعدت المقعد عنها فوجدته يعيق طريقها بوقفته القريبة منها، فأشارت له بضيقٍ:
_وسع كده.
رفع يديه للأعلى وهو يتراجع للخلف بخوفٍ مصطنع، حتى مرت من جواره وصعدت للأعلى بعصبيةٍ كادت بإبادته، فردد بعدم تصديق والإبتسامة مازالت مرسومة على وجهه:
_مجنونة!
عبقت رائحة القهوة التي يعشقها من صنع يدها منزله، فنهض “غيث” ليجدها تصنع له الطعام بحبٍ لطالما عهده منها، راقبها ببسمةٍ عشقت تفاصيلها، فشعرت من توليه ظهرها بوجوده، وكأنه مرهون بدقاتٍ قلبها النابضة داخل صدرها، إستدارت “عائشة” للخلف ببسمةٍ رسمت برؤياه:
_الفطار جاهز.
سؤاله المعتاد في كل صباح جمعهما، فكانت تسرع دوماً بإجابته مثلما فعلت اليوم، تحرك “غيث” تجاهها ليضمها من الخلف، ثم همس لها بإنفاسٍ كادت بحرق رقبتها:
_الأهم من الفطار إني أشوفك قبل ما أنزل كل يوم الشغل.
دفعته بعيداً عنها وهي تشير إليه بتحذيرٍ:
_على فكرة أنت إتاخرت ولازم تنزل بسرعة.
اقترب ليسد طريقها وهو يغمز بخبثٍ:
_مش مهم.
إنحنت “عائشة” من أسفل ذراعيه ثم أسرعت تجاه الطاولة:
_أنا لازم أنزل حالاً عشان رايحة مع “إيمان” و”لوجين” نشتري شوية حاجات للبيبي.
مرر يديه على ذقنه النابتة بضيقٍ:
_لحقتوا تتفقوا على خروجات من دلوقتي!
ضحكت وهي تجذب المقعد للخلف لتجلس جواره:
_وده يضايقك في أيه بس ما أنت بتكون في الشغل وأنا لوحدي.
غمس قطعة الخبز بالجبن ثم تناولها قبل أن يشدد عليها:
_روحي بس خلي بالك من نفسك.
وضعت يدها بين يديه الموضوعة على الطاولةٍ وبحبٍ أظهرته إليها بحدقتيها قالت:
_بأحب خوفك عليا ونفس الكلمة اللي بتقوليهالي كل ما بقولك إني خارجة.
قرب يديه الأخرى ليحتضن كفها،وعينيه تغمز لها بمكرٍ:
_في كلام تاني كتير محوشه ليكي بس أنتي اللي مش مدياني الفرصة.
سحبت يدها سريعاً، ثم جذبت كوب الحليب لترتشفه في محاولةٍ للهرب من نظرات رغباته التي تفضحه، وحينما وجدته مازال يتطلع لها غمغمت وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه:
_بعدين يا “غيث”.
عاد ليتناول طعامه ببسمةٍ هادئة تلاشت تدريجياً حينما قرب شاشة هاتفه إليه ليرى من يتصل به بالصباح الباكر، خمنت”عائشة” كناية المتصل، فتساءلت بإرتباكٍ:
_ماما؟
أجابها باقتضابٍ عابس:
_أيوه.
كظمت إنزعاجها، فرغماً عنها تتذكر ما فعلته بها لتنهي هذا الزواج بالرغم من أنها بذلت ما بوسعها لتنال حبها، ولكنها كانت تكن لها كراهية وعداء لا تعلم “عائشة” سببه، فكانت تظن بأنها ستلين حينما تجدها تعاملها بلطفٍ، فسيطرت على التغير الجذري الذي طرأ على تعابير وجهها فور تأكدها بأنها المتصلة ثم أضافت متسائلة:
_طب أيه مش هترد؟
صمته المطول جعلها تستميله بحديثها:
_دي مهما كانت والدتك يا “غيث” ، رد عليها يمكن في حاجة مهمة.
حملق فيها بصدمة مذهولة حتى إن تفكيره إضطرب كلياً، فردد في عدم تصديق:
_بعد كل اللي عملته فينا وعايزاني أرد!
هزت رأسها محتجة:
_أنا بس كنت آآ..
بتر كلماتها على لسانها حينما نهض عن مقعده الذي سقط أرضاً من قوة دفعه له:
_أنا مش عايزك تتدخلي في الموضوع ده تاني يا “عائشة”، سامعة؟
أومأت برأسها دون أن تنطق بحرفٍ واحد، فعاد ليكمل بنفس اللهجة المتعصبة:
_ أنا اللي يطعن في شرف مراتي كأنه طعني أنا ويارتها كانت من حد غريب!
وتركها وإتجه لعمله دون أن ينبس بحرفٍ واحد..
استشاطت “سمية” غضباً من تجاهله لمكالماتها فصاحت بتهورٍ بعدما جرفتها مشاعر السخط تجاهها:
_أكيد هي اللي ملت دماغه من نحيتي بعد ما نصبتلي الفخ.
وضغطت على شفتيها بقسوةٍ وهي تردد بوعيدٍ لها:
_طب والله لأوريكي يا لمامة يا تربية الملاجئ، إما خلتك تقولي حقي برقبتي!
على صوت جرس بابها، فحواطتها مشاعر متدفقة بالسرور والبهجة، لظنها بأن ابنها قد أتى إليها، فنهضت عن الأريكة بسرعةٍ لا تتناسب مع عمرها، ثم إتجهت لتفتح بابها، حافظت “سمية” على إبتسامتها وإن كانت شبه مصطنعة حينما خاب أملها بالطارق، فرددت بترحابٍ زائف:
_”عاصي” تعالى يا حبيبي.
وتنحت جانباً حتى مر للداخل، فتبعته للداخل ثم أشارت له بالجلوس:
_إقعد يا حبيبي بقالي كتير مشفتكش.
جلس “عاصي” بهدوءٍ رغم شعوره بالنفورٍ مما فعلته خالته، فساد بينهما صمت على غير عادتهما باللقاء، فكان يبحث عن كلمات لائقة لا تجرحها، أما هي فتتهرب من مواجهة حتماً ستحدث بينهما، إلى أن قرر قطع حبال الصمت المطولة:
_أنتي أكيد عارفة أنا جاي هنا النهاردة ليه يا خالتي، فمفيش داعي إني ألف وأدور عليكي.
وفرت عليه ما سيقول وقالت مباشرة:
_لو جاي عشان تدافع عن تربية الملاجئ إنت كمان يبقى بلاش تتكلم يا “عاصي”.
رد عليها بتعابير مشدودة:
_لا مش جاي أتكلم عن تربية الملاجئ، أنا جاي أتكلم عن بني أدمة زيك وزيي، وتبقى مرات ابنك وأم حفيدك اللي أنتي مشككة في نسبه.
ردت عليه بنزقٍ:
_ليا حق أشك في نسبه مهو في النهاية ابن واحدة ملهاش لا أب ولا أم.
أخرج زفيراً مطولاً من صدره قبل أن يرد عليها:
_هو أحنا اللي بنختار حياتنا، محدش بيختار لنفسه الوحش يا خالتي.
ثم استكمل بصوتٍ حزين:
_بلاش تخسري ابنك الوحيد بسبب عمايلك دي.. إنتي أكتر واحدة عارفة اد أيه هو عنيد.
أتاه ردها فاتراً:
_وأنا أعند منه ومش هتقبل اللي في بطنها غير لما تعمل التحليل.
أوشك على فقدان آخر ما تبقى بطاقة صبره، وبصعوبة شديدة كبح إنفعالاته:
_يبقى هتخسري وهتخسري كتير.
زمت شفتيها معلقة في سخطٍ:
_ده ابني، يعني مهما عمل في النهاية مستحيل هيتخلى عني.
أجابها بعقلانية بعدما استقام بوقفته ليستعد للرحيل:
_ابنك مبقاش صغير بقى راجل والراجل أكتر حاجة توجعه إن حد يطعنه في عرضه وشرفه.
نظرة مترددة تكونت في عينيها، أخافها بما قال عن عمدٍ بما قال ليتنحنح بعدها مردداً بهدوءٍ:
_فكري كويس قبل ما تضيعيه من إيدك.
وتركها شاردة بما قال ثم هبط ليصعد لسيارته التي كان سائقها بإنتظاره، ليتجه به للشركة على الفور.
فتحت الحاسوب بلهفةٍ لترى نتائج ما فعلته بالأمس، فارتسمت إبتسامة رضا على وجهها حينما رأت نتائج مبهرة لما فعلته، فصفقت بيدها وهي تمدح نفسها:
_براڤو “لوجي”.. كده بقى ضميري هيكون مرتاح من نحيته!
فرحتها كانت غامضة وغير مفهومة، ولكن بعد ساعات مبسطة صارت علني للجميع على وسائل التواصل الإجتماعي، مما جعل”عمر” يسرع بالإتصال “بغيث”، فأخبره بما حدث ثم أكد عليه قائلاً:
_بلغه بسرعة بكلامي ده وخليه يتصرف بسرعة قبل ما نتفضح.
أجابه”غيث” بنبرةٍ ساخرة:
_أبلغ مين أنت مصدق إنه يعمل الهبل ده!
_”غيث” الموضوع مش هزار، إلحق بسرعة بلغ “عاصي” يمكن يتصل باللي نشر الكلام ده ويتراجع.
ببسمةٍ خبيثة أخبره:
_أنا أفضل إنك تبلغه بنفسك.
وأغلق الهاتف وهو يراقب ما أرسل إليه بصدمةٍ وعدم إستيعاب لما سيحدث حينما يعلم “عاصي” بالأمر.