الفصل الثالث عشر
شظايا الكلمات
بـ الليالي الحزينة ستبقى الدموع هي الأنيس الوحيد لـ تعوض دفء أحضانك الخادعة
لـ كلٍ مِنا شِقين أحدهم يُخلق به والآخر يكتسبه وهذا يُقاسُ عليه ولكن مع الاختلاف لم يجعله الله غريزة بِنا بل جعلنا نتجرعه مع كل صدمة وندبة مُحتمة شعوره أقرب للسقوط بلا اكتراث من أعلى قِمم الجبال العاتية فاقدًا للألم، البكاء، الصُراخ وأيضاً للعِتاب… يسلبك قدرتك على التعايش مع كينونتك بـ جعلك أقرب لـ دمية تُحرك حسب ميولٍ مأساوية أو ربما انتحارية! ومن غيره!
الخذلان….
أولته ظهرها وكتمت صرختها المُتألمة التي تحرق حلقها بعنف، قبضت على قلبها لتمنع تلك الوخزة التي أصابتها والتي فشلت بتنحيها وتحكمت بدموعها وأردفت بثباتٍ أحرقه :
_نهايتنا كانت مكتوبه من البداية، أنتَ كدبت وأنا كنت المغفلة اللي صدقت وحبيتك، طلقني يا راكان وأطلع من حياتي …….
تصلبت قدماه عن التزحزح أو محاولة منعها عن الذهاب وكذلك عجز لسانه عن ترتيب حروفه عندما انصتت أذناه لنهايات حديثها المؤلم!! هل تطلب الفُراق؟! ستغدو خارج حياته بين ليلة وضحاها؟! حتى عقله توقف سيل الأسئلة المتدفق به وخارت قواه لـ يقع طريح الأرض وعيناه مثبتة على أثر خطواتها حيث اختبأت بـ غرفتهم!! أين هي شخصيته وتحكمه بـ زمام الأمور؟! أين هو كـ راكــان؟!
جذبت حقيبة السفر ووضعت ملابسها التي لم تهنأ بها بعد بلا اكتراث وفوضوية عارمة متجاهلة كافة تساؤلات عقلها وأيضاً مبعدة الواجب والمفترض أن يكون، لم ينشأ عنها سوى الدموع والنحيب الصامت مع القليل من الشهقات الحارقة سامحة لـ بعضٍ من جموحها الغاضب بـ الخروج، حملت حقيبتها وكلها عزيمة على قطع سبيل الوِصال لقد اتخذت قرارها بـ لحظة متهورة وقُضي الأمر لن تُبرح عن الطلاق مهما كلفها ذلك ومهما يُكَن لها من آلالامٍ قادمة
بعد مدة قد عاد له ثباته ورتب حديثه الهارب تزامُنًا مع خروجها من الغرفة متوجهة لـ باب الخروج، بعض الأمتار كانت فاصلة بينهم ولكنه بـ قرارة نفسه يعلم أنها أيامٍ وربما أشهر أو أعوام! لكنه لن يسمح لـ ذاته أن تسول له أن لا عودة لهم!! أزال دموعه التي برهنت صِدق ضعفه وحبه وطالعها بـ قلبٍ مُنفطر وروحٍ تحترق بـ الجحيم من فرط ندمها على ما ارتكبته بحق مسكنها الوحيد، اقترب منها بـ خطواتٍ حذرة ممسكًا بـ كفيها ولم يتعجب من صمتها أو عدم محاولاتها ردعه كـ المرة السابقة وهمس بـ ندمٍ ورجاءٍ شديد:
_ مش قادر حتى أقولك أسف ولا أحضنك واطمنك زي الأول، هسيبك تهدي وعارف إنك هتيجي وتسمعيني وتفهمي أسبابي اللي رفضتي تعرفيها، أنتِ عارفه مفتاح شقتنا فين كويس دا بيتك قبل ما يكون بيتي وهسيبلك كل الحريه فيه مش هسمحلك تبعدي أكتر من كدا عني…
ابتسمت « أثـيـر» بـ مرارة وتمتمت متهكمة:
_ البيت اللي صاحبه خاين وكداب عمره ما هيبقى مأوى أو بيت يطمني…
سحبت يديها من بين كفيه بـ هدوء وحملت حقيبتها وخرجت تاركة الباب مفتوحًا لـ يتسرب البرد لأواصله بعدما اعتاد الدِفء منذ وطأت قدميها قلبه المسكين، رمقته بـ نظرة حُطم فؤاده لها لما يتبين ماهيتها أهي لوم! أم عتاب! أم هي نظرة وداعٍ أخيرة منها!…
********************
بـ وقتٍ لاحق بـ نهاية اليوم
استندت « هبه» بـ ضعف على كلٍ من «رحمه» و «ورده» أثناء خروجها من المستشفى بعدما أصرت عليهم لـ خروجها وعدم رغبتها بـ البقاء، جلست بـ صعوبة بـ المقعد الخلفي و بـ جوارِها « ورده» حتى تعاونها على الجلوس، تنهدت « هبه» بـ ألم بعدما تحركت السيارة ورفعت رأسها لـ تصتدم نظراتها المتألمة بـ عيناه الهادئتين باعثًا لها طمأنينة جارفة لـ تنسجم بـ قلبها المضطرب مما جعلها تبتسم بـ حب وتدير وجهها لـ «ورده» المتابعة لهم بـ نظراتٍ حادة وتهمس بـ مزاحٍ:
_ في إيه يا بشكير قالبه وشك ليه
لم تبتسم «ورده» لمزحتها وإنما أشاحت بـ وجهها عنها حتى لا تُعنفها الآن أمامه…
عقدة « هبه» حاجبيها بـ ضيق من تصرف صديقتها الغريب وأخرجت نفساً تخلل قلبها وشردت بتواري الشمس خلف السُحب الملبدة بـ الغبار ولكنها رغم الظلمة التي تحجبها كل ليلة إلا أنها تعاود النهوض بـ قوة من جديد نافضة فكرة الانهيار بعكس حالها لا تملك الخيار للمحاولة فقط بـ كل مرة تنهار بها تتساقط أجزاء روحها حتى باتت فارغة من كل شيء….
بعد وقت طويل وصلوا للمنزل… سبقهم «ثائر» لـ فتح الباب ولكنه صُدم بتواجد «أثير» زوجة ابن عمه!! والأدهى أنها تبكي؟! كانت جالسة على بزاوية من الطابق العلوي لـ شقتهم، استطاع رؤيتها بـ صعوبة بسبب تكورها على نفسها وصوت بكائها وصل بـ وضوحٍ له مما جعله يسرع لها وهتف بـ قلق:
_ أثير؟!
رفعت « أثير» رأسها بـ تعب وإرهاق وعيناه تذرفان الدمع وكأنها خرجت للتو من جنازة عائلية بـ خصلاتها المشعتة ووجهها شديد الاحمرار جعلوها بحالها يُرثى لها، ابتسمت بـ تهكم وتمتمت:
_ هو اللي باعتك صح؟!
جعد «ثائر» ملامحه وتمتم بـ تعجب:
_ هو مين وقاعدة كدا لي وبتبكي وفين راكــان أصلاً
فور نطقه لاسم راكــان انتابتها نوبة بكاءٍ جديدة وارتفعت شهقاتها وهمست بـ حرقة وشرود:
_ متجوز عليا… الشخص الوحيد اللي حبيته واستثنيته عن العالم كله هو أول حد وجعني… فكرت إنه مش زيهم مش هيجرحني على الأقل ولا هيسخر مني… فكرته هيكون ضلي وسندي ويطمني… فكرته بيحبني… اطمنت ليه وسلمته قلبي قولت ليه بلاش أنت بالذات بلاش عشان لو جت منك هتحطم… قولت… قولت ليه بلاش والله.. بس هو عمل كل حاجه قولت ليه عليها لا… حطمني!!!
أشفق عليها «ثائر» وغلت الدماء بـ جسده لكذب صديقه على تلك البريئة التي كما قالت قد حطمها!! مما رآه بأم عينيه بأنها لن تسامحه!! فاق من تأمله الحزين لها على صوت ورده المتعجب:
_ بتعمل ايه عندك ومين دي يا ثائر
أبصرتها «هبه» بـ تشوش بسبب اشتداد الجرح عليها ولكنها ما إن لبثت وعرفتها وهتفت بـ توضيح:
_ دي أثـيـر مرات راكــان صح؟
هز «ثائر» رأسه بـ تأكيد ومسح على خصلاته بـ غضب وتمتم بـ توتر مشيرًا لـ «ورده»:
_ دخليها معاكوا هروح مشوار وهاجي علطول
أومأت كلتاهما بـ تفهم ودلفت « هبه» مستندة على شقيقتها بينما صعدت «ورده» الدرج لتأتي بـ «أثـيـر» الباكية بحالتها المذرية….
*****************
وصل «ثائر» بعد نصف ساعة للفندق المقيم به «راكــان» وجسده يغلي من الغضب ويتمنى لو أن ما تفوهت به «أثـيـر» ليس بـ حقيقي حتى لا يبرحه ضربًا حتى تتحطم عِظام جسده بـ أكملها ولكن حالتها الفظيعة أوضحت!! بل وأكدت صدق أقولها! ولكن كيف ولم يستمع خبراً عن زواجٍ سابق له!! كيف لم تُعلمه زوجة عمه!! بل وصديقه المقرب!! كيف له أن يجعل عروسه!! فلم يمضي على زواجهم بضع أيام أو أسبوع!!
بـ حدة وغضب طرق على الباب حتى خرج لها «راكــان» بـ هيئته المماثلة لـ زوجته مما جعله يتأكد من صِحة حديثها ولم ينتظر دقيقة بل كور قبضته وأطاحها بوجه «راكــان» بـ لكمة قوية أصابت فكه مما تسبب بـ جرح لثته ونزول بعض قطرات الدماء… وعاد لكمه مجدداً أقوى حتى تلون وجه «راكــان» بأكمله ولم يُحرك عظمة واحدة من جسده لـ يدافع عن نفسه!! بينما «ثائر» دفعه بعيداً وأغلق الباب وهتف بـ حدة وقسوة:
_ احكيلي حصل إيه يخلي مراتك تبقى برا بيتك لواحدها وهي عروسه وتقعد على سلم تعيط زي اليتامى عملت إيه في بنت الناس يا ابن البدري
تحرك « راكان» خلف «ثائر» كـ انسانٍ آلي غير واعيٍ لأي شيء وجلس بـ المقعد المقابل له وتمتم بـ شرود:
_ ميار كانت هنا واتكلمت مع أثـيـر…
عقد « ثائر» حاجبيه ورمقه بـ نظرة غاضبة وهتف:
_ مين زفته دي كمان ولا البيه مدورها
ابتسم « راكــان» بـ سخرية من حاله المتعثر وشرد بـ زكرياتٍ مضت عليها أعوامٍ عديدة وأردف بـ ندم:
_ تقدر تقول كانت القلم اللي فوقني وهي نفسها كانت نهاية حقارتي وضياعي… دي بنت اتعرفت عليها من عشر سنين في الفترة اللي كنت ضايع فيها بعد موت والدي كان عندي 20سنه كنت كل ليلة في سهره مع شله شكل وبنات شكل بس عمري ما وصلت إني أزني.. تقدر تقول كان جوايا خير لسه بس في الليلة دي كنت متخانق مع ماما.. مرات عمك وفضلت برا للصبح زي كل ليله وقومت لقيت البنت دي جنبي… معرفتهاش ولا هي كانت تعرفني بس حظنا جه كدا.. كانت أكبر مني بخمس سنين… مرات عمك عرفت ازاي معرفش بس أكيد من البنت وصممت إننا نتجوز وبالفعل اتجوزنا وبعد شهرين لقيتها اختفت… مكنتش مهتم بيها فعشان كدا مدورتش عليها وكملت حياتي بس بعدها جت حادثة ماما… وقتها عرفت إني مليش لازمه إني نكره قصاد قدرة ربنا… فوقت!! مش هكدب عليك وأقول دورت عليها لا نسيتها ومطلقتهاش لأنها مظهرتش وقولت حياتي بدأت تظبط وعدت السنين وبقت الدكتور راكــان اللي الكل بيتنماه زوج لبنته أو ابن ليه بس محدش يعرف ماضيه!! لحد ما قابلت أثـيـر و حبيتها… ورجع احساس الندم ليا تاني بعد غياب سنين… رجع الخوف ليا…
كانت كلمات « راكــان» صادقة بل ونابعة من فؤاده النازف ووصلت بجدارة لـ «ثائر» المتابع له… ليس أمامه سوى تصديقه فتلك الفترة من حياته كان يرفض دوماً التطرق لها والحديث عنها ويختلق الحجج والأوهام لـ يتهرب ولكنه بات يعلم السبب الآن… تمالك ثباته وهتف بـ توجس :
_ ومعرفتش مراتك ليه؟ استغليت طيبتها!؟
هز « راكــان» رأسه بـ نفيٍ قاطع وعض شفتيه بـ ندم وتمتم بـ مرارة:
_ كنت خايف من اللحظة دي..كنت خايف من نظرتها اللي شوفتها النهارده.. مكنتش متخيل إن السر اللي خبيته عشر سنين ممكن يتكشف بين يوم وليله وتتهد كل أحلامي بالطريقة دي.!!!..
رمقه « ثائر» بـ نظرة غاضبة ومشمئزة ولكنه صديقه!! ويحتاجه الآن! وهتف بلا تردد:
_ باللي شوفته النهاردة… مراتك من المستحيل تسامحك، كان ليها حرية الاختيار، اللي عملته مش كدبه بيضه ولا حاجه هينه، أنتَ خبيت عليها إنك متجوز ومن واحده أكبر منك وكمان تعرف منها وفي فترة تعتبر شهر عسل ليكوا!!
جحظت عيني «راكــان» وقبض بـ قوة على قبضته وهتف بـ قسوة:
_ شوفتها فين يا ثائر
ضحك « ثائر» بـ تهكم جعل «راكــان» يلكمه بـ غلٍ وصاح وقلبه يتقلب على جمرٍ:
_ أثـيـر فييييين
جذبه « ثائر» من تلابيب قميصه المُلطخ بـ الدماء وتحدث بـ اقتضاب:
_ كانت عند مامتك…
لم يرد إخباره بـ حالتها ولا كيف رآها كـ طفلة فقدت مسكنها بل عمل على تخليص حقوقها منه واشعال غضبه والثأر منه حتى وإن كان صديقه وهي غريبة عنه!!..
هز « راكــان» رأسه بـ ألم وأغمض عينيه بـ نفاذ صبرْ ونهض محطمًا كل شيء طالته يداه وكأنه نمرٍ ضال واجهته وتضاعفت ثورته وهتف بـ حرقة:
_ لييييه محدش بيسمع أسبابي… ليييه بتلوومووني.؟!!! كلنا بشر وبنغلط ونتعلم… كلنااااا لينا حق نتسامح… هي مسمعتنيش … حكمت عليا ومشيت… طلبت الطلاق وهربت من المواجهه… أنا ندمت واللله العظيييم ندمت ودفعت تمن أغلاطي وعصياني بشلل أمييي…. والله ندمتتتت…
اقترب منه « ثائر» وجذبه بـ قوة لصدره وضمه مربتاً فوق كتفيه وتمتم بـ صدق وألم لـ حال صديقه:
_ كل حاجه هتبقى بخير بس مفيش حاجه هتتحل بغضبك لازم تفكر وتهدى وترجع مراتك وتكلمها… النار لو اتسابت لحد ما تهدى هتاكل كل حاجه الحقها قبل ما تضيع منك…
ضمه « راكــان» بـ ارهاق وتعب وهو بـ حاجة شديدة لـه وهمس بـ وهن ووجع:
_ أنا ندمت ودفعت التمن والله يا ثائر ومعرفش هي رجعت تدمر حياتي ليه…
شرد « ثائر» قليلاً وتحدث بـ غموض:
_ هنعرف… هنعرف قريب
********************
جلست كلا من « ورده» و « هبه» يراقبان « أثير» الصامتة التي لولا تحرك صدرها مع دخول وخروج أنفاسها لظنوا أنها فارقت الحياة! مضت ساعة ونصف منذ ذهاب « ثائر» وهي على وضعها صامتة تراقب الفراغ بـ عينين مُرهقتين.. قررت « ورده» كـ عادتها الفطرية التخفيف عنها فتمتمت مستفهمة:
_ هو خانك؟!
ناظرتها « أثـيـر» بـ ضحكة ساخرة وأزالت بقايا دموعها وتمتمت بـ عبثٍ أليم:
_ ياريت يا شيخه كان هيبقى ارحم… طلع متجوز عليا وعرفت دا منها في شهر عسلي..
شهقت الفتاتان بـ صدمة مكممين أفواهِهم وانفرجا جفنيهم بـ زهول وخاصة « هبه» التي رأت عشق ذلك الرجل ينخرط من عينيه ولكن اكانت مخطئة؟!!!
ضحكت « أثير» بـ شدة عندما تذكرت حديث والدته «دعاء» عن توضيح موقفه وهتفت ساخرة من حالها:
_ ومامته بتقولي كانت نزوه!!!؟
#فلاش باك #
وصلت « أثـيـر» لـ البناية التي تقطن بها والدة « راكــان» بعدما استمعت لـ محادثته معها وتبينت أنها كانت تعلم حقيقة كذبته ولم ترأف بها بل ساعدته اتمام هذا الأمر!! غير مكترثين لـ تلك التي انشق قلبها!! لم تتمنى مثل هذه المشاعر أن تختلج قلبها وهذا الكم من الغضب أن يندلع من عينيها قط!!
دلفت للبيت من المفتاح الذي سبق ورأته يستعمله، دلفت بـ هدوءٍ عكس النيران الناشبة بها وبسمة مُحطمة تلوح بـ ثغرها…
_ تعالي يا أثـيـر
التفتت « أثير» بـ بطء لـ تنظر لها بعينين فارغتين وتمتمت ببرود:
_ يُفضل تحكيلي كل حاجه دلوقت من غير تمثيل أو مناقشات فارغه
لم تُعلق السيدة « دعاء» على حديثها الذي تعلم سببه جيداً فـ عندما رأتها تصعد البناية بـ ضعف استنتجت السبب وتألم قلبها لحال تلك الصغيرة الرقيقة، تحركت بـ كرسيها لتقترب منها وهتفت بـ ندم وضعف:
_ كان شاب طايش وقتها وبموت والده طيشه زاد وضاع مني وبقى شخص معرفهوش، سهر وكدب وبنات وخمره وكل حاجه وكنت سيباه على راحته عشان مقدره مدى تعلقه بوالده… حاولت معاه كتير وقتها كنا سيبنا بيت العيله وجينا سكنا هنا ولفت الأيام وجت ليا بنت بتبكي وفهمت إن ابني اللي ضيعت شبابي وعمري عليه زاني..!!! وكمان البنت أكبر منه…!! أجبرته يتجوزها وفعلاً والبنت جت قعدت معايا هنا لأنه كان جواز صوري اسم وبس!! مكنش في وقت نسأل عنها ولا نستفسر كل حاجه كانت بسرعه وهو مش مهتم!! ورغم كدا متعلمش من غلطه لا فضل على حاله والبنت بعد شهرين مشيت وهي على ذمته واختفت الكلام دا من عشر سنين… اللي كسرني إن عمري ضاع على الفاضي والسبب الوحيد اللي كنت عايشه عشانه طلع بالقذارة دي، رجع لسهر وكل قرفه تاني ومهتمش إن البنت مشيت ولا اهتم بأي شيء بس كنت فقدت الامل فيه لحد ما جالي اتصال إنه متخانق مع شله بتشرب مخدرات على أساس إنه أحسن منهم!! بس ملحقتش أوصل!! عملت الحادثه وزي ما أنتِ شايفه ومن وقتها وهو عرف غلطه وندم وقرب من ربنا ورجع ابني!! ولما شوفت حبه ليكي وكلامه عنك لسنين عرفت إن اللي زرعه شريف الله يرحمه فيه طول عمره مضاعش هدر حتى لو كان سبب فوقته هو أنا!! صدقيني مكنتش اتمنى توصلوا لكدا ومن أول يوم شوفتك قولتله يصارحك… قولتله بداية الكدب نار هتحرقك
صمتت بضع دقائق وأزالت دموعها التي قلبت عليها لعنات الماضي بـ جِراحه وظلمته وهتفت بـ حرقة ورجاء:
_ مش هطلب منك تسامحيه دلوقت ولا تغفري ليه بسهوله بس اديه فرصه، ابني محبش غيرك والله ولا شوفت الفرحة اللي بتنور وشه غير لما دخلتي حياته، ابني ندم والله، أنتِ عارفه إنه بيحبك، متسمحيش لـ واحده زي دي تخرب بيتك وتخطف جوزك يا أثـيـر، متسبيش بيتك ولا تفرطي في حبك عشان القذرة دي، عاقبيه بس متبعديش عنه لأنك لو بعدتي هيرجع زي ما كان…. كانت نزوه يا بنتي والله نزوه..
#عوده
عم الصمت على الجميع سوى من صوت أنفاس الفتيات منهم المتألمة ومنهم الشاردة بـ حياتها القادمة ومنهم الغاضبة!! لم يقطع الصمت سوى طرقات « ثائر» ودخوله بعدما فتحت له رحمه الباب…
انتظرت « هبه» تفسيراً منطقي عما بدر ولأنها واثقة من ذهابه لـ « راكــان» فتمتمت بتوجس:
_ حصل ايه؟
هز « ثائر» رأسه لـ يطمئنها ورمق « أثير» الصامتة بـ شفقة وغضب من صديقه وتمتم بـ تعب:
_ أثير راكــان برا مستني يدخل لما تسمحيله
أدارت رأسها له بـبطء ورفعت كتفيها بلا اكتراث وتمتمت:
_ وجوده زي عدم وجوده مش فارقه
اقتربت « ورده» منها بـ طيبة صادقة وعفويتها المعتادة وابتسمت بـ مرح وهمست لها:
_ خليه يدخل عشان امسكه بين سناني كدا وأخلي أكبر حته فيه قد عقله الأصبع الاستاذ بتاعك دا
ابتسمت « أثـيـر» على مزحة تلك الغريبة التي لم تتعرف بها بعد وهزت رأسها بـ هدوء ليسمح له « ثائر» بـ الدخول…
وقفت « ورده» عندما رأته يدلف بـ حذر وعيناه تدور بـ البيت كـ قطة جائعة وأردفت بـ غلٍ:
_ خلي عينك مكانها بدل ما احرمك منها يا وحش
رمقها « راكــان» بـ نظرة باردة لهيئتها المذرية وقِصر قامتها وتمتم:
_ غوري العبي بعيد يا شاطره.. جايبينك من انهي حضانه أنتِ!!
افترست « ورده» شفتيها بـ حقد وزفرت أنفاسها الغاضبة بـ وجهه وهتفت بـ برود:
_ من نفس المكان اللي جايبين عقلك التافه منه!!
صدحت ضحكات الجميع من حولهم على مظهرهم الأقرب للقط والفأر بنزاعهم واشتباكهم من أول لقاء لهم ولكنه لم يلتفت سوى لـ معذبة قلبه وحاصدة روحه تلك الأثير ذات الإكسير المُنعش لـ كيانه متناسيًا العالم بـ ضحكتها الفاتنة..
انتبه الجميع لـ نظراتهم المعاتبة فـ قرروا الانسحاب حتى يتركوا لهم المساحة الكافية ولكن «ورده»!!! لم تُبرح مكانها وإنما رفعت سبابتها بـ وجه « راكــان» وغمغمت بـ بسمة سمجة:
_ لو سمعت صوتك عالي والله ما هتطلع من هنا على رجلك
قلب «راكــان» عيناه بـ اشمئزاز مصطنع وهز كتفيه متمتماً بـ مرحٍ زائف:
_ اومال هطلع على إيه؟!
ضحكت « ورده» بـ سخرية وصفقت كفيها معاً وأردفت بـ جدية منافية لـ طبيعتها:
_على نقاله!! هتطلع من هنا على نقاله لأن رجلك مش هتشيلك!!! افتكر كلامي كويس مبحبش أعيده يا اسمك إيه
********************
جلس «راكــان» أمامها وعيناه تلتهم خاصتها بـ نظراتٍ حارقة وتمتم بتروي:
_ هتسمعيني!!!..
عقدت «أثـيـر» ذراعيها أمام صدرها وأراحت ظهرها للخلف رغم ما يعتمر قلبها من آلالامٍ وتمتمت بـ ببرود مصطنع:
_ دا أمر ولا قرار؟!
هز رأسه بـ نفي وشابك كفيه المُضمدين بـ الشاش وهتف بـ رجاء:
_ لا دا ولا دا… دا رجاء.. طلب
عندما وجد الصمت جلياً عليها وعيناها تدور على جرح يديه بـ لهفة لم تحاول إقصائها ابتسم خلسة لـ حبيبته الوحيدة التي لن تنفك عن عشقه يوماً ولن يُبرح هو عن تتيمه بها حتى تُحصد روحه، رفع نظره لـ تتلاقى نظراتهم وتحدث بـ رجاء:
_ عارف إني غلطان وكان ليكي كل الحق في غضبك ووجعك اللي بتمنى أشيله عنك بس والله قلبي ما دق لغيرك ولا عرف أصلاً يحب غيرك من أربع سنين، أنا كنت ضايع في ملزات الدنيا ونسيت ربنا ونسيت رحمته ومشيت ورا صُحبه غلط، دفعت التمن في والدتي اللي ضيعت عمرها عشاني، أنا كنت تايه يا أثـيـر… موت والدي دمرني ووجع قلبي وحسسيني بوحدتي وضعفي ومشيت في طُرق غلط… معرفش هي رجعت ليه ومش عاوز أعرف بس اللي متأكد منه إني مش عاو غيرك ولا حابب يكون جانبي غيرك… ازعلي واتعصبي واشتمي بس وأنتِ في بيتنا ومعايا متسمحيش لحاجه توقع بينا… أثير..!!
****************
دلفت « ورده» خلف الفتاتان وكلها عزيمة على بداية النزاع الجديد مع رفيقتها المراهقة، جذبت المقعد وجلست أمامها بعدما اطمأنت لـ ذهاب «ثائر» ليرى والدته وعقدة ذراعيها بـ غيظ وغمغمت بـ توجس واستنكار:
_ أفهم بقا بتعملي إيه في نفسك؟!
تصنعت « هبه» عدم الفهم وهربت بـ نظراتها للنافذة وتمتمت بـ تعب:
_ بعمل ايه يا ورده ما أنا كويسه اهو.. !!
مطت «ورده» شفتيها بـ دراما وتصنعت التفكير لـ عدة لحظات ثم تحدثت بـ هدوء:
_ بتحملي نفسك ذنوب أنتِ مش قدها!! أنتِ ناسيه إنك على ذمة راجل وبتحبي راجل تاني؟!
نهرتها «هبه» بـ شهقة مستنكرة وهتفت بـ تسرع:
_فاضل طلقني من شهر وأكتر يا ورده
صفعت «ورده» كفيها معاً بـ غيظ وغضب وتمتمت من بين أسنانها:
_ الله أكبر يعني في شهور عدتك؟!! بتقربي من راجل مُحرم عليكي وأنتِ تعتبري على ذمة راجل ممكن ترجعوا في أي لحظه!! محدش عارف القدر مخبي إيه!!! بتحملي نفسك ذنوب هتندمي ندم طول عمرك
أشاحت « هبه» بـ نظرها بعيداً عنها وترقرقت دموعها الموجوعة وهمست من بين أنفاسها:
_ عارفه إن علاقتنا غلط وإني مينفعش أعترف بحبي ليه ومفيش بينا حاجه رسميه بس بحبه!!
نهضت «ورده» بـ عنف ولوحت بـ كفيها في الهواء بـ غضب وصاحت:
_ هتقولي لربنا بحبه؟!!! جيتي بيت تبعه وسمحتي ليه يقرب منك وأكيد لمسك ولو لمسه إيد بسيطة سمحتي باب للشيطان ومشيتي وراه ودلوقتي بتقولي بحبه!! تعرفي إن ربنا مش بيبارك على العلاقات اللي بدايتها غلط!! حتى وإن كملت ليها عقابات!! حقيقي مصدومه فيكي يا هبه، أنتِ اللي قربتيني أكبر من ربنا!! مش بقسى عليكي ولا بهاجمك أنا بنصحك بفوقكك، طالما طلاقك تم تقدري ترجعي بيتك يا حبيبتي وتصوني قلبك أكتر وتستغفري ربنا ووقت ما يبقى في رابط شرعي بينكوا وتبقي حلاله تقدري تفتحي قلبك ووقتها هتفرحي وقتها صدقيني هتبقي اسعد واحده في الدنيا …
تساقطت دموع «هبه» النادمة سامحة للهدوء الولوج لها من جديد على ما اقترفته كيف تناست حدود دينها وانساقت خلف خطوات الشيطان حتى وإن كانت غارقة بـ الحب فـ ليس للمعصية بـ أعذارٍ تذكر!! رغم نضوجها وعقلها إلا أنها سمحت لـ مراهقتها بـ التدخل متناسية ضوابط دينها!!
نشبه الورود بماهيتها… إن سهلنا للعالم الوصول لنا لـ امتدت كفوف الجميع لـ قطفنا بلا حدود تذكر! ولكن إن زرعنا الأشواك حولنا لن يقترب إلا كل مُحاذر… سهولة الحصول تماثل سهولة التخلي وكذلك استحالة الوصول تعادل استحالة التخلي!!….
***************
فرغ «راكــان» من حديثه وانتظر إجابتها كـ طالب ثانوي ينتظر نتيجة نهاية عامه الدارسي والتي ستحدد طريق وجهته!! ولكنه لم ينتبه لـ تلك الواقفة تتابع حديثهم بـ عينين باسمتين وعندما طال الصمت قررت التدخل بـ خطواتٍ متغنجة وواثقة وهتفت بـ قوة:
_ طبعاً ملوش حق يكدب عليكي يا أثـيـر بأنه متجوز تؤ تؤ… بس في كدبه كمان نسي يقولها!! نسي حمزه!! ابنه…
شظايا الكلمات
الفصل الرابع عشر
حينما تعجز عن الاختيار… أغمض عينيك واترك قلبك يتفقد هويته
انقطاع تدفق الدماء لو لــثوانٍ عن العقل يسمح لــبعض الخلايا أو ربما جميعها بــالانسحاب والضمور الأبدي الذي لا شِفاء منه كـ مثل الصدمات المتتالية تُعطي للعقل بــهدنة زمنية من الانفصال عن العالم وولوجه لــبقعة نائية من الإنكار رافضًا الصمود والدفاع وبـذلك يبدأ التدرج بــفقده والعيش بلا اكتراث…
التوازن بين الأمور يقود الحياة البشرية لــقرونٍ من الهدوء الداخلي والسلام العام والعكس صحيح، كلما فَرُط الأعطاء كلما تكبد الجسد عناء الانسحاب تحت مسمى فقدان الشغف!…
فرغ «راكــان» من حديثه وانتظر إجابتها كـ طالب ثانوي ينتظر نتيجة نهاية عامه الدارسي والتي ستحدد طريق وجهته!! ولكنه لم ينتبه لـ تلك الواقفة تتابع حديثهم بـ عينين باسمتين وعندما طال الصمت قررت التدخل بـ خطواتٍ متغنجة وواثقة وهتفت بـ قوة:
_ طبعاً ملوش حق يكدب عليكي يا أثـيـر بأنه متجوز تؤ تؤ… بس في كدبه كمان نسي يقولها!! نسي حمزه!! ابنه…
دارت الرؤوس المصدومة والمزهولة من وقع تلك الحروف عليها وانفرجت الأفواه عن شهقات الفتيات القادمة من الخلف وكذلك «ثائر» الذي عاد من شقته وصادف دلوفه حديث «ميار» الصاعق!! بينما ملامح «أثير» لم تتغير كل عضلة بوجهها مرتخية بطريقة جعلت الجميع يناظرها بدهشة وصمت وكان للصمت دورًا رئيسي باللعب بتلك الأمسية الصاعقة لهم!! وقفت كلا من «ورده» و «هبه» يبصران تلك الدخيلة التي استغلت تركهم لـباب الشقة مفتوح وولجت باصقة سمومها المميتة لهم بكل شماتة جعلت دماؤهم تفور كفوران الحليب عند بسترته، مِثل الجميع يرمقها بـ أبغض النظرات على وجه الخليقة قابضًا فوق أحرف المقعد وغضبه المتفاقم يناشد للثوران والبزوخ للنيل من تلك العاهرة التي قضت على سعادته للتو!!
أخيراً وبعد دقائق من الصمت اتخذها الجميع كلا حسب مفهومه خرجت أول الكلمات من فم « أثـيـر» بلا اكتراث:
_ مش كنتي تستني امر بطور الانهيار وأفوق وبعدين ترجعي بصدمة جديدة عشان لما انهار المرة دي تبقى النهاية وتبقي وصلتي لغرضك ودمرتي سعادتي!!
عدة خطوات بسيطة فصلت بينهم قطعتها «ميار» بـثقة حتى أصبحت بـمنتصف البيت وعيناه تلتقط نظرات الغضب والشر والكره من الجميع ولكنها لم تبالي وتصنعت التفكير لـعدة ثوانٍ وما لبثت أن هتفت بـ مكر:
_ مش يمكن في صدمة جديدة جايه هتبقي الضاربه القاضية ووقتها أبقى حققت غايتي بتدميركوا!؟
لم يعد يحتمل « راكــان» وجودها الغير مرغوب به ولا نبرة الثقة والمكر التي تُعمر حديثها البغيض فـ نهض مقتربًا منها ينوي ازاحتها من أمامهم بالقضاء عليها وهتف بـ غضب من بين أسنانه:
_ ومفروض نصدق كدبتك دي صح؟! جايه بعد عشر سنين تقولي إني ليا ولد منك! كنتي فين من عشر سنين!! أنتِ نسيتي أنا عرفتك أزاي!!! نسيتي حقيقتك ولا إيه؟؟ ايه يخليني أصدقك!!!!
رفع يديه ينوي صفعها وجرها من حجابها الذي تخفي حقيقتها القذرة خلفه ولكن نظرة «ثائر» النافية لفعله جعلته يتراجع ويغلق قبضته ويهتف بـ كره وتوعد:
_ ورحمه أبويا لأدفعك تمن اللي عملتيه قبل كدا ولسه بتعمليه
ضحكت « ميار» بتشفي وسخرية منه وعقدت ذراعيها أمام صدرها وتبدلت ضحكاتها بنظرة قاسية أوعدت بها آلالامِها المكنونة وغمغمت بـقسوة:
_ وحياة كل لحظة وجعتني فيها يا ابن البدري لأخليك تتمنى الموت ولا هتطوله وما هتشوف يوم حلو في حياتك من النهارده
انقض عليها «راكــان» بـصفعة قوية صدح صداها بآذان الجميع ولم يكتفِ بذلك بل قبض على حجابها بين أصابعه وتمتم بـغل:
_ راجعة تدرمي حياتي لي يا قذرة، فاكرة كدبتك هتخول عليا وتلبسيني غلط واحد غيري واشيل الليلة لا، تبقي متعرفيش ابن البدري اللي بتحلفي بيه دا، هندمك أشد الندم
لم تتحرك ملامح « أثـيـر» قيد أنملة ناحيتهم وبقت على واضعها وبسمة ساخرة تزين ثغرها بينما شرع « ثائر» بتخليص «ميار» من قبضة « راكــان» الغاضبة الذي سول له شيطانه القضاء عليها وهتف بـغضب:
_ راكــان فوق وشوف بتعمل إيه الموضوع ميتحلش كدا، هتضيع نفسك عشان واحده زي دي، اهدي
لم يكترث له بل هبطت يداه لتحيط بــعنقها بقوة سالبًا أنفاسها بـ عنف واسودت عيناه بـقسوة وهتف:
_ اومال تتحل ازاي، واحدة وسخة زي دي دمرت حياتي بين يوم وليلة وبتكدب كمان وعاوزه تلبسني ولد منها بعد عشر سنين بعد ما هربت من غير أسباب، عاوزني اخدها في حضني!!!
حينها ضحكت « أثـيـر» بـتهكم وصوبت أنظارها الباردة عليهم وتمتمت بـ لامبالاة:
_ مش فارقه كتير، هي وصلت لهدفها واللي عوزاه قد كان، تفتكر إيه هدفها من الكدب!! مفيش كدبة ملهاش ماضي
قست نظراتها للحظة عندما تلاقت بـ «راكــان» وخرجت حروفها بـ قوة:
_ أية يخلني أثق في كلامك قصاد كلامها!! هي مكدبتش في حقيقتك!!! أنتَ الكداب الوحيد هنا… على الأقل ظهروها المره دي في الوقت المثالي لأني كنت في لحظة ضعف مني هصدقك واسامحك
تزحزحت يداه تاركة « ميار» واهتزت قدماه بـوجع وتقدم منها وعيناه تلمعان ببريقٍ خافت من الدموع وهمس بـأنين:
_ والله كدابة، هي هربت من عشر سنين وأنا مشوفتهاش ولا قربت منها إزاي تبقى حملت
تسللت «ميار» بـخوف من بينهم وكادت أن تصل لباب البيت لولا قبضة « ورده» الغاضبة التي نبشت أظافرها بجلدها وصوتها الحاد يهتف:
_ جيتي هدمتي بيت متعرفيش صاحبه عانوا قد إيه على ما وصلوا لبعض وكمان كسرتي قلب البت الغلبانه وعاوزه تهربي بسهوله كدا!!! دا يبقى عليا وعلى أعدائي
انهت حديثها بهجومها القوي عليها حتى اختل توازن كلتاهما وسقطت «ورده» فوقها نازعة حجابها بـ عنف سامحة لأظافرها بالتطاول لتُغرس بوجهها البغيض ولم تكف عن لكمها بمعدتها وسط صمت الجميع وعدم تدخلهم للسماح لها بالثأر من تلك الأفعى، رفعت « ورده» رأسها وابتسمت بـ شر وهتفت:
_ وحياة امي لو ما قولتي جايه هنا ليه وعاوزه إيه من البت لتطلعي ما فيكي حته سليمه يبنت العقربة
صرخت «ميار» بحرقة بسبب آلالام جسدها واصطدام رأسها بالأرضية وعنف تلك الفتاة معها:
_ والله ابنه وراجعه عشان ياخده… ابعدي عني بقا
عم الصمت لــدقائق معدودة وتناقلت النظرات جميعها لـ «راكان» الغاضب من كذبها المستمر فنهضت « ورده» عنها وهتفت مشيرة للباب:
_ عارفه الباب اللي دخلتي منه زي الحرميه دا ثانية لو مخرجتيش هطلع عفاريتي عليكي
انهت حديثها وتنفست بـراحة واقتربت من «أثير» الصامتة وجذبتها عنوة من أمام « راكــان» وصاحت بأمر:
_ اتفضل برا وتاني مره لما تحب تدخل البيت للزم تبقى عارف شعور صحابه ناحيتك إيه والظاهر ليك إن وجودك مش مستحب
كاد «راكــان» مجابهة حديثها بآخر غاضب ولكنها قاطعته دافعة « أثـيـر» تجاه هبه المتألمة وهتفت:
_ ادخلوا جوا وأنا هنضف المكان واجي
التفت ناحية « ثائر» المتابع للموقف وتحدثت بـهدوء مزيف:
_ خد صاحبك واتفضلوا ياريت عشان زي ما أنتَ شايف محتاجين نرتاح من قرف اليوم
انهت حديثها بنظرة ثاقبة لـ « راكــان» لتؤكد له أنه المعني بكلامها وراقبت نظراته القاتلة لها ثم خروجهم وهدوء البيت
*********************
انصرف الشباب وجلست الفتيات بعدما نامت « رحمه» وكلا منهم بعالمها الخاص، عليهم جميعاً اتخاذ القرار بحياتهم القادمة، العواقب الناتجة عن القرارات القادمة ستكون وخيمة عليهم، منهم من أخطأت بترعها والسماح لقلبها بالانجراف خلف حبٍ جعلها كمراهقة وتناست حدودها بل وارتكبت خطأ فادح بالبوح بمشاعرها، تناست ما مرت به وانغمست بما صوره لها شيطانها الذي صور لها الجزء الممتلئ من الكوب وغلف الجزء الفارغ منه!!
منهم من وثقت وأحبت بروحها وكيانها وقدمت حياتها ىهينة لرجلٍ كان الأحن والأقوى والألطف لقلبها ولكن!! تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، لم يكن صادق!! لم يحبها!! لم يُخلص لها!! كانت مجرد فترة بحياته!! ماذا كانت تنتظر ألرجلٍ مثله بوسامته وجاذبيته ان يحب فتاة ثمينة مثلها قُضي نحب فرحتها من قبل بدايتها؟!…
منهم أيضاً الخائفة من الفُراق الأبدي، لعل من يرحل ويهجر تأتي به الأيام ليعود الوِد والحب ولكن ماذا عن الرحيل النهائي! تخشي فقدان حبيبها لن يتحمل خافقها فقدانه فمجرد تألمه ينزف قلبها العاشق له ماذا عن موته!!
عليهم بالمشاركة لا التخفي والكتمان، اعتدلت «هبه» بجلستها وفركت كفيها بتوتر وهمست بـخجل:
_ أنا غلط… مكنش ينفع اجي هنا مع ثائر وافضل في بيته حتى لو هو شخص شهم وجدع، مكنش ينفع أسمح للشيطان بثغره يدخلي منها ومش بس كدا سمحت ليه يمسك إيدي ويقرب مره ورا التانية وانجرفت ورا قلبي في حب مراهقة مش ندمانه عليه بس ندمانه على عواقبه اللي هتأذيني، البدايات الغلط والمحرمه نهاياتها غلط ومأساوية وأنا مش عاوزه كدا، أنا حبيت ثائر بدون إرادة وسبب مني قلبي دق ليه بعد تجربة قاسية دمرتني وفجأة بعد شهور من المعاناة ربنا عوضني بقلب زي قلبه بحنيته، كفاية إنه فاهمني من نظرة عيني ومنفرش من عيوبي بالعكس بيحبها، حتى بعد ما عرفت إنه مخبي عليا طلاقي متعصبتش ولا لومته مع إني مفروض دا كان قراري ولازم يعرفني وقتها كان بإيدي أقول أفضل ولا امشي، الحب بيخلينا نتصرف غلط وخصوصا لما نسمع قلبنا، تجاربنا بتختلف زي عقولنا وقلوبنا وللآسف كلنا بنسمع للقلب رغم ثقتنا أن معظم قرارته غلط، الحب مش كفاية!! الحب أحياناً بيكون لعنه علينا او اختبار مجبرين نخوضه وعارفين نهايته بس خايفين منها، أنا متأكده إنه شخص كامل عكسي!! بس قلبي عنده أمل يفرح…
انهت حديثها وتسللت الدموع النادمة تشق طريقها لوجهها وكتمت صوت بكائها حتى يتثني لهم الحديث، ابتسمت « ورده» بحزن وشردت متحدثة:
_ لما قرر يعترف ليا بحبه عرفنا إنه عنده سرطان وفي مرحلة مش متقدمه بس معقوله، وقتها حسيت بزوال فرحة حبه وكأني وقعت من منحنى لبير كله ضلمه وخوف، بقالي سنين بحبه وبتحمل طريقته اللي عرفت اسبابها لقيته طفل!! طفل خايف!! خايف زي خوفي عليه، أنا مش معترضة على أمر ربنا بس أنا تعبانه!! خايفه!! جوايا كسرة مش قادرة أبينها ليه عشان لازم أكون قويه معاه عشان ميضعفش!! بس أنا ضعفت دلوقت!! لما حد بيغيب عننا بسفر أو ببعد مؤقت بنقدر نشوفه صدفه أو نسمع صوته ولما بيرجع بنحضنه، معرفش نصيبي لي ديما قليل بس والله راضية بيه!! بس مش عاوزه وجعي وحسرتي تكون فيه هو!! أنا لقيت نفسي بترقص معاه!! مستعده أفضل طول عمري سنداه بس يكون معايا!! بس هو… هو لو مشي!! هسمع صوته ازاي!! هحضنه امتى واضحك!!! هشوفه صدفه!! هيغازلني ويتقبلني زي ماانا!! مين بعده هيطمني رغم خوفه وقلقه!! أنا بحاول اقوى عشانه بيه!!..
تساقطت دموع الفتيات بقوة وعلت شهقاتهم من حديث « ورده» النازف وصوتها الذي برهن خوفها وحبها لذلك الرجل ولكن دور المحطمة لن يكون بهين إذا تلبسته عليها بالقوة حتى وإن افتقدتها لعل بذهابه لن تلوم نفسه على تلك النقطه!!..
ضحكت « أثـيـر» من بين دموعها وارجعت خصلة فارة خلف اذنها وهتفت بمرحٍ زائف:
_ دوري صح!!…
تنفست بـعمق مُجمعة لعنات اليوم معها وهمست بخفوتٍ متألم:
_ شخص غريب طول اربع سنين بتشوفيه عادي بس ولا عمرك فكرتي تلمحي لقلبك بيه وفجأة يظهرلك نفسه مره ورا التانيه ويقول إنه بيحبك ويطمنك ويطمن قلبك ويحسسك إن العالم فيه طاقة وحيوية تكفي روحك الفاضيه يخليكي تحبي الحياة والأدهى تحبي نفسك!! تبنى بروج من الأمل والحب والأحلام وتسمحي لخوفك بالهروب وترقصي تحت المطر بسعادة وتحبي!! تحضني مخدتك بعد كل مكالمه من صوته وكلمة بحبك منه ترجع كسوفك وتعلي دقات قلبك، تقفلي فستانك وتستعدي للدخول حياته بأمل وفرحه لأول مره تتوغل ليكي وتنسي عيوبك وكسرتك ووحدتك ولأول مره متخافيش!! نسيتي إن لكل حاجه ضريبتها!! نسيتي إن مع كل ضحكة بتضحكيها في مخزون وجع بيتحط في طريقك مماثل ليها، فجأة تصحي من الحلم الجميل دا وتكتشفي إنه كان مقدمة لكابوس هيفضل ملازمك طول عمرك، تكتشفي إن الراجل اللي عشقتيه وقلبك ادمن وجوده طلع متجوز!! وتعرفي من مراته في شهر عسلك!! وكمان تعرفي إنه عنده ولد!! كلمة وجع متكفيش الوصف ليكي!! الخذلان مكنش كفاية يعبر عن حالتك!! في وجع وأنين جواكي بس أنتِ عاجزه تعرفيه!! لسه مش مصدقه!! تفتكري قلبك حالته هتكون إيه؟!
همست « هبه» بتأثر وبلاوعي:
_ مقهور…
هزت « أثـيـر» رأسها بنفي وأزالت دموعها وهمست بأنين:
_ لا… بينزف!! بينزف وجع!!
أصبح التنفس هو رئيس الجلسة وعم الهدوء إلا من صوت أنفاسهم السريعة وأنين روحهم، كلا منهم قصتها المأساوية تكفي ليبكي العالم معها ليواسيها، تواجدوا بأوقاتٍ غريبة معاً وتألفت قلوبهم واجتمعت النفوس ليعلن القلب سلطانه وتكشف الألسن عن ما تخفي ليظهر الكتمان بـصرخاتٍ موجوعة مزقت كيانهم…
*********************
دلفا كلاهما للغرفة بعدما اطمأن « ثائر» من نوم والدته وبدل ثيابه وجلس يراقب تعابير « راكــان» الشاردة التي تتبدل كل ثانية وتقسو ملامحه ليتبين له حجم الفجوة التي يعاني منها، أغمض عينيه وتنفس بـهدوء وهتف:
_ إيه رأيك في اللي حصل؟
فاق « راكــان» من شروده ليجد نفسه بغرفة « ثائر» وتحديداً على فراشه فناظره بدهشة وهتف:
_ أنا جيت هنا ازاي!؟
ضحك « ثائر» بسخرية ولكزه بكتفه بقوة وتمتم بتهكم:
_ البيه كان سرحان من وقت ما ورده هزأتك وشكلك مكنتش واخد بالك من سؤالي؟! عندك إجابة لكل اللي حصل من شوي دا؟!
ضحك « راكــان» بتهكم على حاله ورمقه بنظرة مقتضبة وتمتم بتوجس:
_ أنتَ صدقت الشو اللي عملته القذرة دي؟! بتلبسني وساختها؟!
هز « ثائر» كتفيه ببرود ونهض متناولاً كأس المياه وتجرعه كاملاً وهتف:
_ وليه منصدقهاش في دي؟! ماهي قالت إنها كنت مراتك وطلعت صادقه! اشمعنا في دي هتكدب!!
هب « راكــان» من مضجعه بـغضب وصك أسنانه بقوة، جذب « ثائر» من تلابيب قميصه وتمتم بـحدة:
_ عشان كدابه، عشان أنا مقربتش منها ولا لمستها من بعد ما اتجوزتها كنت برجع البيت أنام في اوضتي وهي مع أمي ولا كنت بشوفها،لأنها مشيت وهي مش حامل وراجعه بعد عشر سنين تنفي دا!!! ونفترض أنها كانت حامل فعلاً هربت ليه؟ ولو هربت لأي سبب رجعت دلوقت ليييييه؟! قولي!!!!
نفض «ثائر» يداه عنه وبصق المياه المُختزنة بفمه لتغطي وجه « راكــان» بالكامل وهتف بتشفي:
_ تعرف أنا فرحان فيك عارف ليه؟! لانك كدبت عليا ولانك كنت وسخ زيها، الحاجه الوحيدة اللي زعلان عليها مراتك اللي ملهاش ذنب في كل دا، لو كنت صارحتني من البداية كان الوضع اتغير…
مسح «راكــان» وجهه من المياه العالقة به وغامت عيناه بلمعة انتقام وتمتم بغموض:
_ عندك حق الوضع هيتغير
تجاهله « ثائر» ومدد جسده على الفراش وهتف بأمر:
_ تعالى اتخمد في ليلتك الغم دي والصبح هنلاقي حل ووقتها هنعرف إذا كنت كداب ولا وسخ يا وسخ
ضحك «راكــان» رغماً عنه بسبب حديث «ثائر» المرح وتناسى أحزانه لدقيقة وهتف:
_ طب هاتلي حاجه البسها بدل اللي وسختهم بالميه يا حيوان
أدار «ثائر» جسده بتجاهل ووضع الوسادة فوق رأسه وتمتم بنبرة لا نقاش بها:
_ لا وتعالي اتخمد ومفيش هدوم عقاباً ليك يا قذر
هز «راكــان» رأسه بلا فائدة وابتسم لعلمه بصدق حديث ابن عمه وأنه إذا أراد أمرًا لن يتوانى عن تنفيذه لذلك عليه النوم بملابسه المبللة، اتخذ نومته من السرير وأغمض عيناه ونظرات زوجته الرقيقة تأبى فراقه وعينيها الحزينتين لا يبارحان مخيلته، يتذكر جيداً أنه لم يقترب من تلك المرأة فكيف أنجبت منه!! غضبه يتفاقم ليعميه وعقله يصور له أبشع الصور بكيفية قت…لها والتخلص من جسدها العاهر، وسط شروده لم ينتبه لقوة السبات التي غطَ بها سامحًا للهدوء بالولوج لقلبه حتى يستيقظ معافياً ليواكب أحداث الليلة…
********************
يومٌ جديد بعد ليلة قاتمة قضاها الجميع بالبكاء والنزف والعويل الساكن، توارت السحب لتبزخ الشمس بأشعتها الزاهية لتلقي بسهامها على الأرض فتتجفف قطرات الندى بعد ليلة قضتها بتلامس أوراق الاشجار الحبيبة، وصلت «ورده» للمستشفى وعقلها اتخذ قراره النهائي، طرقت باب غرفته ليصل لها صوته الذي غاب عنها ليلة أمس وتناست مهاتفته، تنفست بـتوتر ولفت حاجبة عينيها عنه وأسرعت ملقية بجسدها داخل ذراعيه سامحة لقوتها بالتراخي بين جنبات صدره، تشبثت بقميصه من الخلف وارتفعت شهقاتها، ضمها «براء» بقوة لصدره مستمدًا عونه منها وإليها وقلبه يخبره بحزنها الشديد، يعلم أنها ستخبره حلما تفرغ من وقوعها للبكاء ولكن تلك المرة!! هي ليست بخير، ابتعدت عنه ورفعت وجهها له مقربة شفتيها منه طابعة قبلة فوق شفتيه بخفة وهمست بعشق:
_ موافقه نتجوز وتكمل علاجك في بيتنا واحنا سوا
ضحك قلبه سعادة لتصريحها وجذبها في قبلة عميقة بادلته هي بأخرى قوية ليختلس لُبها كمٍ لا نهائي من الزكريات له وضمت جسدها له أكثر ويديها تتلاعب بلحيته الكثيفة، اسند جبهته على خاصتها بإرهاق وهتف بتوجس:
_ متأكدة إنك جاهزه؟!
هزت رأسها بلا تردد وهتفت:
_ جاهزه عن أي وقت فات يا براء
احتضنها لقفصه الصدري وغمغم باستفهامٍ:
_ اشمعنا دلوقت، حصل حاجه؟!
تسللت أصابعها لتختفي بلحيته السوداء ولمعت عينيها ببريقٍ من الدموع وهمست بثقة:
_ عشان مش عاوزه لحظة تعدي واحنا مش في بيتا، مش عاوزه ليلة تعدي وأنا مش في حضنك، عاوزه اقف في مطبخنا واحضر الفطار واستناك لما ترجع تحضني وتحكيلي يومك، عاوزه أكون جزء منك واثبت لنفسي إنك هنا معايا، مش عاوزه أخاف يا براء، عاوزه اطمن
لن ينكر خوفه المماثل لحالته ولكنه لن يظهر بل سيتظاهر بالقوة لأجلها مهما كلفه الأمر من تصنع، قرب كفها من فمه ولثم باطنه بعمق وهمس بنَبرة متلهفة:
_ مش مصدق إن اليوم دا هيجي ومعاكي، مكنتش اتوقع الفرحة اللي ماليه قلبي دلوقت بفضلك، أنا واحد عيشت عمري كله لواحده من مكان لمكان والحزن استعمر قلبي وفقدت شغفي أو تظاهرت بكدا بس بشوفتك رجعتلي روحي نفسها ومش مستعده تغيب عنك، أنا كنت ضايع من غير حبك، يا روح براء متخافيش، أنا هنا وهفضل هنا مهما كان وعمر قلبي ما هيفارقك ولا يفوتك وحيدة
ضمته « ورده» بـراحة ودثرت نفسها بجسده تستمد الآمان منه وتركت ذاتها لسلطان النوم الذي هرب منها ليلة أمس
********************
جلست الفتيات بسكونٍ حول مائدة الإفطار بعدما ذهبت «ورده» مبكراً، لم تدخل لقمة وحيدة بفم إحداهما ولكن التصنع والشرود غلب عليهم وسط نظرات الصغيرة الحانقة منهم فوضعت ملعقتها بـقوة انتبوا لها وهتفت بـغيظ:
_ هتفضلوا تقلبوا في الأكل كتير ولا هناكل ونبطل لعب شوي؟!
تركت كلتاهما ملعقتها وصبوا اهتمامهم على «رحمه» الغاضبة وتمتمت «هبه» بقلق:
_ رحمه حبيبتي أنتِ متعصبه ليه؟!
أبصرتهم «رحمه» بعينين متوجستين ولوحت بيديها بالفراغ وهتفت موضحة مقصدها:
_ لا مش متعصبه ولا حاجه بس اللي يشوف كلكوا يعطف عليكوا، مش نهاية العالم، دا حتى بيقولوا يروح قرد يجي غزال!! ولا هو انتو كدا بتحبوا اللي يهينكوا؟!
لم تتمالك الفتاتان ضحكاتهم وانخرطوا بموجة من الضحك حتى ادمعت عينيهم وغمغت «أثـيـر» بصوت ضاحك:
_ عندك حق والله بس المشكلة إننا لنحب القرود بتاعتنا زيادة حبتين تلاته
لم تتعجب «هبه» من تبدل حال «أثـيـر» ولكنها هتفت بتأكيد لحديثها:
_ فعلاً احنا بنحب القرود..
نهضت «رحمه» لتغتسل فنظرت «هبه» نظرات مستفهمة لـ « أثـيـر» وهتفت بتساؤل:
_ أنتِ كويسه؟!
ربتت « أثـيـر» على كفها بـتوتر وغمغمت:
_ يمكن مش كويسه ومعرفش امتى هكون كويسه ولحد الآن معرفش الحقيقة بس عندي ثقة في راكــان لحد دلوقت، سميه تخلف أو خوف من الحقيقة بس حبه كان كبير وواضح في عيونه، لسه عندي جزء بينفي كل الأحداث دي، ولو كل دا حقيقة وقتها مش عارفه هتكون حالتي إيه ومش حابه أعرف صدقيني…
ابتسمت «هبه» بأمل لها وربتت على كفها وغمغمت بتأثر:
_ صدقيني بإذن الله تعالى كل حاجه هتكون بخير
اومأت «أثـيـر» وتمتمت بحرج:
_ أنا اسفه على اللي حصل امبارح وإني دخلتكوا في حكاية غريبة زي دي وصدعتكوا بمشاكلي بالليل
هزت «هبه» رأسها بنفي وهتفت بطيبة صادقة:
_ لا يا حبيبتي متقوليش كدا، أنتِ بقيتي صاحبتنا ولو مرتحناش ليكي مكناش حكينا ليكي حاجه عننا، أنتِ طيبة وقلبك لسه صادق وتتحبي يا أثير
كادت « أثـيـر» أن ترد عليها ولكن صوت جلبة عالية قادمة من شقة الخارج جعلتهم ينهضون وتناسب «هبه» ارتداء نقابها ولكنها تعجبت حينما فتحوا ووجدوا الشرطة تحتل المكان حاجبين باب الشقة، لم يتثنى لهم رؤية الوضع جيداً ولكن صوت الضابط الذي صدح بقوة:
_ راكان شريف البدري مطلوب القبض عليه بتهمة قت..ل
نظرت الفتاتان لبعضهم بصدمة وهموا للذهاب ولكن صوت «راكان» المتسائل أوقفهم:
_ ق..تل إيه ومين؟!!!!
أجابه الظابط بحزم:
_ ق..تل… قت..ل ميار الشربيني
شظايا الكلمات
الفصل الخامس عشر
اتساع وخزات الألم مؤشر جيد لتباين جمود الفؤاد
احتمالية نجاح العلاقات مرتبطة بنسبة مئوية يضعها الطرفين بـالمثابرة والإيثار كلاهما يتحتم عليهم ربط حِزام الأمان للإقلاع لأرضٍ عامرة بالتغيرات الفسيولوجية والنفسية والدنيوية!! ليس من السهل تقديم الحب بإفراط ومعه إيصالٍ أبدي لـضمان الوجود!! يتنحى العقل بـتلك المعركة المحسومة ليتخذ وضع المُراقب! لحين سقوط ثبات الفؤاد وإعلانه التخفي الكامل ليستلم اللُب الوِجهة لانتزاع الألم وهدم أسوار الحزن والشوق!!
بـمركز الشرطة وقفت «أثـير» بـخوف وألم يمزق أحشاءها تبكي هلعًا مما قد يصيبه، مضت ساعة وهي على سجيتها تنتظر خروجه، لازالت لم تستوعب لما أُخذَ بتلك التهمة وكيف وهو لم يتثنى له الخروج من البيت كما أخبرها «ثائـر»!! دفنت وجهها الساخن بين كفيها المرتجفين وتوالت دموعها الملتهبة تحرقها من الداخل، لم تقدر «هبه» على القدوم لمرضها وكل من بقى معها الآن هو «ثائـر»!! كيف تتساقط عليها كل تلك اللعنات من بداية زواجها الذي لم يَدُم لأيامٍ قليلة وجاءت غريبة وانتزعت فرحتها منها ولم تبالي بالفجوة التي أحدثتها بـفؤادها حتى أضحى منقلبًا عليها وتزداد وتيرة آلالامه!! ترغب بضمة واحدة من جدها أو ربما والدها ولا بأس ببسمة والدتها الحنونة ولكن بأي محيا ستواجههم!! كيف ستخبرهم بتلك المصائب التي تُصب فوق عقلها بلا تأني!! خطة زوجها المزعوم سعادته كانت فاشلة ورُسمت بقلمٍ رصاص سهل المحو ولم تصمد فهي بالكاد تتشبث بالبقاء!! انتبهت لـخروج «راكــان» مُكبل الرسغين مُكفر الوجه وعلامات الغضب ترتسم باحترافية على محياه ولكنها لم تُخفي ألم قزحيتيه الراجيتين، هرولت إليه ودموعها لم تتوقف وهتفت بغضب مشيرة ليديه:
_ راكــان في إيه وواخدينك على فين؟!
رأته يستسمح الرجل الممسك به بعيناه وانتقل ببصره لها بنظرة فارغة ولكنها حانية وهتف مقترباً منها:
_ متخافيش شوية إجراءات هتخلص ونرجع بيتنا بس ارجعي أنتِ
عن أي هراءٍ يتحدث يظنها طفلة وهكذا يضحك عليها بكلمتين!! دفعته بـغضب وحرقة بـصدره بكلتا يديها وهتفت بـصراخٍ مزقه:
_ لسه بردو بتضحك عليا!!! قولي هم لي بيعملوا فيك كدا!!!! أنت ق..تلتها!!!!
قاطعها نافيًا بشدة وأمسك بكفيها بين يديه بـقوة يفتقدها وتحدث متهربًا بعيناه عنها:
_ لا لا… والله لا… هي أكيد ورا الكدبة دي… أنا معرفش يا أثـير… ارجعي البيت ومتخافيش
أنهى حديثه ونظر للرجل ليجذبه وتابعتهم بعيناه بـقلبٍ منفطر وروحٍ قاربت على الهلاك حتى اختفيا خلف جِدارٍ قاتم كـعيناه الدامعتين، تشعر بتشتته الهائل ولكن ما أقلقها هو هروب عيناه!!! دوماً كانت هي سبيلها الوحيد لتصديقه ولكن الآن!!
********************
بـمنتصف اليوم جلست «ورده» بـجانبه على أحد مقاعد الحديقة الذي أصرت على «براء» للخروج لها حتى يتعدل مزاجه قليلاً قبل جلسته الأولى غداً!! رأت حيرته وتدفق التساؤلات اللانهائية من عقله عن كيفية تلك الجلسات المرهونة حياته بها، ابتسمت بـحزن لحاله ولكنها لن تسمح له بالانخراط بأفكاره فـقاطعته بـقرصة خفيفة بـخصره جعلته ينتفض من مكانه ويهتف بهلع و بـغضب مصطنع:
_ بتقرصي بقرة يا بقرة
لوت شفتيها بـضيقٍ زائف وعادت الكرة مرة أخرى ولكن أقوى وهتفت بكبرياءٍ مازح:
_ ما هي البقرة مبتقعدش غير مع البقرة اللي زيها
تصنع «براء» الصدمة وخبط على صدره بـدراما وهتف بغباء:
_ تقصدي إني بقرة!؟
هزت «ورده» رأسها بـنفي وانفلتت منها ضحكة مرحة عليه وتمتمت بإنكار:
_ لا العفو يا قلبي عيب دا أنتَ مهما كان جوزي
جذبها «براء» لـصدره بـثقة ونصر وغمغم بغرور:
_ ايوا هي دي وردتي
كتمت ضحكاتها المستمتعة عليه وتمتمت بتماسك زائف:
_ أنتَ طوووور يا قلبي طوووووور
لم يدعها تكمل حيث دفعها من صدره كما جذبها لتقع على الارضية الخضراء وهتف بتشفي واشمئزاز مصطنع:
_ بالشفا يا قلبي
اعتدلت بـجلسته على الأرض ونظرت له من بين جفنيها المُغلقين نسبيًا بسبب أشعة الشمس وهتفت:
_ أما راجل قليل الأصل صحيح.. يعني مأكلاك ومنضفاك وخرجتك تتشمش وفي الآخر دي جزاتي!!!!!… رجاله توكس
ضحك «براء» بـشدة عليها حتى ادمعت عيناه وتمتم من بين ضحكاته:
_ اسمها تتشمس يا جاهله… يا تعليم حكومي
لوحت «ورده» بـكفيها معاً بعدما نهضت عازمة على وصلة من «الردح» المصري وهتفت:
_ حوش حوووش تعليم الخاص والاجنبي يخويا…. حتة براده بتتكلم أول مره أشوف حتة براده حديد بتتكلم يا جدع سبحان الله يحيي العظام
لم يتمالك زمام ضحكاته وانفجر ضاحكًا على معالم وجهها الشرسة وعقدة حاجبيها بدت رغم همجيتها عفوية له!!بدت ترياقًا خاص لسعادته وإعادة بريق ملامحه الشاحبة!! تلك الفتاة بـقوتها المتناهية تكفيه وتغنيه عن العالم برونقها الخاص!! جذبها من كفيها ونهض ضاحكا ثم هتف:
_ أنا تعليمك يا حلو يا مقطقط أنت
مدت شفتيها بـقرف وجعدت أنفها وتمتمت بـقلق وتوجس:
_ دا أخرك في الرومانسيه؟؟؟ مقطقط؟؟؟ قولي يا ابني لو أنت مش تمام ألحق نفسي قبل ما ألبس
غمزها «براء» من بين ضحكاتها وهتف بـوقاحة:
_ اديني فرصتي وهتعرف بنفسك يا بطل
بادلته وقاحته بأخرى مماثلة وجذبته من مقدمة قميصه وهمست أمام شفتيه بنبرة ناعمة:
_ هنشوف يا أبو عيون دوختني
استمعت لصدى ضحكاته بقلبها لا أذنها وهذا ما ارادته عن رغبة منها أن ينسى حزنه وأفكاره ويخرج معها قليلاً يشاركها عالمها المرح!! ستسحبه للعالم المُزهر حتى تنتهي فترة علاجه حتى ولو كلفها ذلك روحها، لن ينهزم أمامه السرطان ولا تُخار قوته!!
*******************
بـنهاية اليوم بعد العديد من الإثباتات والتحريات جلسوا جميعًا بـبيت «ثائر» ولم تنفك قزحيتي «أثـير» عن ذرف الدموع مما جعلها بحالة يرثى لها، جلست والدة «ثائر» محتضنة «دعاء» والدة «راكــان» المنهاره…
خيم الحزن على الجميع بعد فشل «ثائـر» بالتوصل لحلٍ نهائي، ضمت «أثـير» جسدها لـ «هبه» بـضعف وتمتمت:
_ هو مق…تلهاش يا هبه مستحيل راكــان يعمل كدا مهما حصل… صدقيني
فقيره للأصدقاء ووحيدة بالحياة فقدت ثقتها بـروحها خانها مصدر الأمان المُخزن لها فـتركت الأمواج تتقاذفها كـخرقة باليه لا حياة بها، ضُمت لتُكمل ثلاثي عُجت أرواحهم بـالندبات المماثلة مع اختلاف تأثيرها ولكن أضعفهم هي!!
جذبتها « هبه» بين ذراعيها بـحنانٍ وتمتمت وعيناه تتوسل «ثائـر»:
_ مصدقاكي بس اهدي عشان نفكر
قرر «ثائر» بـالخروج عن صمته الطائل وتمتم موجهًا حديثه لـ « أثـير»:
_ أثـير لازم تكوني أقوى من كدا عشان نعرف مين ورا اللعبه دي ومين عاوز يضر راكــان بالطريقة دي
ابتعدت « أثـير» عن أحضان «هبه» وضحكت بـتهكم هاتفة بـحرقة:
_ أنتَ بتقولي أقوى صح!!! وهبه عوزاني اهدى!!! اهدي وجوزي كل الادله بتثبت إنه فعلاً قت..لها!!! قت…ل مراته بعد ما هددها قدامنا كلنا!!! ق…تل مراته بعد ما اعترفت ليه بوجود ابن منه!!! ابن زنا منه!!! حاضر ههدى وهكون أقوى بس بعدها محدش يلومني!!! محدش فيكوا حاسس بيا!!!
حاولت « هبه» تهدئتها وجذبها ولكنها دفعتها عنها بـغضب وألم وأكملت بصياحٍ مؤلم:
_ محدش حاسس ولا فاهم….. جوزي طلع متجوز عليا وأنا زي الهبله بين كام ساعه حنيت ليه وكنت هسامحه!!! بس ربك كبير وضحلي وساخته وطلع عنده ولد كمان!!! مش كفايه صح!!! لا يق…تل مراته عشان يداري على قذارته بجريمه!!!! حد فيكوا شايف النار اللي بتنهش فيا!!! شايفين دموعي دي!!! ولا حاجه ولا حاجه جنب كسرتي وقلة حيلتي وأنا عاجزه حتى اروح لأهلي عشان يساعدوني!!! كفايه كسرتي مش هكسرهم معايا، أنا مش مسمحاه بس مش هبقى زيه، مش هكدب ولا ههرب، هعمل بأصلي وهقف جنبه وبعدها همحيه من حياتي ولو دا هيكلفني كل حياتي…
أنهت حديثها وخرجت مندفعة كـنيران ملتهبة وصفعت الباب بقوة خلفها انتفض الجميع على أثره وقلب تلك الأم يلتاع حزنًا ونزيفًا لحال فلذة كبدها الوحيد!!
عدة دقائق من القلق مرت عليهم قطعتهم والدة «راكــان» بـهمسٍ خافت موجهه حديثها لـ «ثائر»:
_ قولي يا ابني طمني على ابني
فرك «ثائر» جبهته بـتعب وإرهاق وهتف موضحًا:
_ راكــان فعلاً مكنش في البيت في الوقت اللي ميار اتق….تلت فيه ودا اللي هتجنن وأعرفه لأنه كان بايت هنا معايا وصحيت لقيته جنبي وفي تسجيلات من مصدر مجهول بتهديد راكــان لـ ميار لما كانت هنا ومحاولته أنه يخنقها وكل كلامنا، في أدله كتير ضده ولسه بيدوروا
تساقطت دموع السيدتان وهتفت والدته بـرجاء:
_ والمحامي قال إيه
أغمض « ثائر» عيناه وتنفس بـقوة ليجابه غضبه وهتف:
_ موقفه في القضيه ضعيف
لطمت السيدة «دعاء» صدرها بـقوة وشهقت بألم لحال ولدها الوحيد وصاحت بدموعٍ:
_ يعني إيه؟!!! يعني ابني قت…ل…ها؟!!! لالا راكــان مستحيل يعمل كدا…. ابني مستحيل يعمل كدا
********************
بـنهاية ذلك اليوم المأساوي وقفت «هبه» بـشرفتها سامحة للهواء بتلامس بشرتها بعد نزعها نقابها، كل تلك الأحداث عجز عقلها عن مواكبة سيرها والإختلاط بها، تُشفق على تلك الفتاة التي لا حول لها ولا قوة تبدو هشة، ضعيفة، هينة وسهلة الكسر، يؤلمها قلبها لدموعها التي لم تتوقف منذ رؤيتها لها وحال فؤادها المُحطم، هي بالأخير مرأة وضعت حبها لـرجل استغل نعومتها وطيبتها الشديدة لـيخفي جريمته بحقها، هي جريمة بكل ما تحمله الكلمة من سوء، يميل قلبها لتصديق لمعة عيناي ذلك الرجل عندما رأى ابتسامتها يبدو صادقً!! قطع سيل تحليلها صوت طرقات تعرفها، ابتسمت بـحب وجذبت نقابها لـترتديه، اطلع بهيئته المتعبة ووجهه المرهق وثيابه غير المهندمة من خلف بابها مما جعلها تسأله بتعجب:
_ في حاجه يا ثائـر؟!
لم يكترث لدهشتها بل تمتم بـتعب وحيره:
_ محتاج اتكلم معاكي شوي
أفسحت له المجال للدخول وتبعته بعدما تأكدت من استيقاظ «رحمه» وترك باب المنزل مفتوح، جلست أمامه بعينين مستفهمتين لم يقابلها سوى بنظراتٍ ساكنة جعلتها تشك بحاله وهتفت:
_ ثائـر في إيه متقلقنيش
أراح ظهره على المقعد من خلفه بـوهنٍ وتمتم بـتشتت:
_ خايف يكون راكــان عملها في لحظة غضب وتهور منه
قاطعته بـثقة لا تعلم مصدرها:
_ لا
اعتدل بـجلسته وعقد ذراعيه من ثقتها بـرجلٍ لا تعلم هويته وتمتم بتوجس:
_ وإيه سر الثقه دي
رفعت كتفيها ثم اخدلتهم وتمتمت:
_ معرفش بس يمكن لأنه بيحب مراته؟! لا دا يمكن بيعشقها؟!
ضيق عيناه بـاستفهام وتحدث:
_ إيه علاقة دا بأنه ميق….تلش؟!
ابتسمت بـخفوت وعقدت ذراعيها ثم تنهدت هاتفة:
_ إنه عارف حجم الجرح اللي سببه لمراته بكذبه، أنا شوفت شكله يوم الفرح وصعب أقدر انساه ودي حاجه غير عاديه ليا، أنا بنسى بسهوله بس صاحبك عيونه كانت بتحكي حبه وانا شوفتها غفله؟! يمكن شيطانه يصورله إن موتها هو الحل بس إنه يق….تلها حتى لو بالغلط لا!! معاك إنه متهور بس بيحط حبه لمراته قبل كل حاجه!! في نقطه ضايعه إزاي أنتَ بتقول كان موجود معاك وازاي اثبتوا إنه كان في مسرح الجريمه!! وأنتَ بتقول إنه كان نايم وصحيت لقيته نايم!!!
هدأ قلبه قليلاً من ناحية تلك الشكوك التي تساوره ولكنه تم إشعاله بنجاحٍ بسبب حديثها ولو بتوضيح عن رجلٍ غيره فهتف بغيرة:
_ وأنتِ لحقتي عرفتي كل دا عن راكــان بعد مرتين شوفتيه فيهم؟!
ابتسمت بـخجل وتفهم وغمغمت:
_ قولتلك حاجه مش من عادتي إني افتكر حد بالطريقة دي بس سميها صدفه عابره جت عشان تأكدلك إن صاحبك مق…تلش… مجرد شعور بس
صمتت قليلاً ثم همست بـخجلٍ:
_ ومفيش داعي للغيره دي
ابتسم هو الآخر لخجلها البادي من صوتها العذب وتمتم بـحب:
_ لو مفيش غيره مفيش حب يا حلو
نهض مغادرًا ولكنه توقف عند الباب وهتف بـعشق:
_تصبحي على خير يا هبه
ابتسمت بـخفوت عندما تلاقت نظراتهم بـعناقٍ دافئ وهمست لذاتها وكأنه يسمعها:
_ وأنتَ بخير يا قلب هبه
********************
هل تلك النهايه؟! هل كُتب عليهم الفُراق بلا بدايه؟! أحقًا فؤادُها الحاني هجره؟! أكانت تستحق ذلك منه؟! أتلك التي وعدها بالحب والوفاء والأمان؟! جميع الاستفهامات تُطرح بـعقله بينما جسده يرتجف بردًا من جلوسه على الارضية البارده بـآواخر الليل الطويل وسط مجموعة من المجرمين، ضحك بـسخرية على حاله وما وصل إليه من مأساة أطاحت به، الأستاذ الجامعي المنمق ينتهي به الأمر بزنزانة ورائحة حُرمِه تفوح منه!!! خبرٌ سيتصدر مكان عمله غدًا ليصبح حديث اليوم للشامتين، لا بأس لا يهمه الأمر إن كان سيرى لهفتها عليه كما اليوم!! لا بأس أيضاً بـدموعه وآلالام جسده المُبرحة!! لا بأس بحالة قلبه الهجين!! لا بأس بشوقه الجارف لها….
عاد بهِ عقله لـبداية اليوم…
#فلاش_بالك
أفاق من نومه بـصعوبة على صوت رسالة وارده لـهاتف «ثائر» فـتناوله بـحرص حتى يخفض صوته ولكن كانت الصدمة من نصيبه حينما لمح محتوى الرسالة والتي نصت على ..
( عاوزنا نصفي اللي بينا تعالي عمارة **** لواحدك ووقتها هثبتلك حمزه ابنك ولالا)
لم يعطي لـعقله فرصة للتهاون بل نهض مسرعًا وسار على اطراف أصابعه حتى لا يوقظ «ثائـر» وخرج غافلاً عن سهولة الفخ الذي نُصب له!! لم ينتبه لـكيف وصل رقم صديقه لتلك المرأة ولما بعثت برسالتها له هو!! كل ما جال بعقله أنها ستثبت له وهو موقن من براءته من هذا الذنب، بعد مدة وصل المكان المنشود وصعد البناية نافضًا قلقه مع أدراج الرياح العاتية سامحًا لشيطانه بالتدخل والتحكم، طرق بـهدوء على الباب وانتظر عدة دقائق حتى تلقى الرد…
لم يكترث بها وإنما دفعها بـقوة للداخل غالقًا الباب بـقدميه وهتف بـحزم:
_ قولتي إن عندك إثبات… حابب أعرفه… وحالا
جلست «ميار» بـكبرياء أمامه وعيناه ترمقه بـنظرات ساخطة وتمتمت بـصدق:
_ من غير لف ودروان كتير… حمزه ابنك وعنده 9 سنين وتلت شهور وأظن كدا واضح هو جه إزاي
ضحك «راكــان» بتهكم واقترب منها هامسًا بفحيحٍ كأفعى مُميته:
_ وبس صح؟! كدا أصدق؟! ولو نفترض إني صدقت ليه طالما كنتي حامل هربتي؟! ولو بردو عندك أسباب تهربي عشانها رجعتي ليه؟!
اقتربت منه بـثقة وحقد وهمست بـنبرة لـعوب:
_ تصدق أو لا حاجه ترجعلك أما بالنسبه فمشيت ليه ببساطه لأنك مكنتش معترف إنك متجوز وأما إني رجعت فـأنا رجعت عشان أدمر حياتك!
هز «راكــان» رأسه وانتصب واقفًا على مقربة منها وعض شفتيه بـبديهة لـغضبه وتمتم بـتماسك:
_ حلو كدا اللعب يبقى نضيف طالما كل الورق مكشوف!
انفرج ثِغرها عن بسمة ماكرة وهزت رأسها بتأكيد منافيًا للحقيقة وغمغمت:
_ يمكن اه…. ويمكن لا
ضم «راكــان» شفتيه معا ولوح بـسبابته أمام وجهها هاتفًا بـضحكة مكتومة:
_ عندك حق…. بس أنا بحب ألعب على نضافه… بيبقى اللعب فيه جو حماس كدا… زي كدا
بلمحة كان قابضًا على خصلاتها جاذبًا إياها بـعنف وعيناه ترمقها باشمئزازٍ جلي وهسهس من بين أسنانه:
_ مش أنا اللي تلعبي عليه وتفكري إنك كدا بتلوي دراعي، أنا لو حطيتك في دماغي هخليكي تتمني الموت، حطيها في بالك مش راكــان البدري اللي يتلعب عليه يا بنت الشربيني
نفض يده عنها باشمئزاز واقترب من عُلبه المناديل الموضوعة على المنضدة وتناول أحدهم ماسحًا يديه وكأنها لعنة اشتبكت له وغادر لبيت «ثائـر»
#باك
عاد من زكرياته على صوت أذان الفجر تزامنًا مع انقباضة قوية بـقلبه جعلت عيناه تفيض دمعًا فرفع رأسه للنافذة الصغيرة العالية وهمس بـرجاء:
_ يــارب
****************
بـمنتصف اليوم التالي قبيل الظهيرة جلست «ورده» بـقلق جوار « براء» تراقبه منذ بداية الجلسه، بداخلها تستعد لكل شيء، قرأت الكثير والكثير عن ذلك المرض الخبيث الذي احتل جسد زوجها سارقًا شبابه وسعادته، يداخلها قلقٍ خفي من القادم، تشعر بهجومٍ كاسح من العقابات ستحتل طريقهم، تنهدت بـحب بعدما شعرت بكفه يلاطف يديها وهمست بـحنان:
_ محتاج حاجه يا قلبي؟ أو في حاجه وجعاك!!
ابتسم «براء» بـعشق وتمتمت برجاء:
_ محتاجك جنبي يا ورده
تلاقت جفونها ببسمة حزينة لم تصل إليه وضغطت بـقوة أكبر على يده وأردفت بتأكيد:
_ أنا جنبك ومعاك وديما هكون معاك يا روح وكيان ورده
أبصرته يضم كفها لـقلبه لتشعر بـدقات خافقه الهائج فأشاحت بوجهها عنه في ضعف ألتمسه هو فـهتف:
_ عاوزك متخافيش مهما حصل، كل مره هتحسي بخوف افتكري إن معاكي بروحي وبراقبك… عاوزك قويه عشاني
ترقرقت الدموع بعينيها ولم تتمالك نفسها فسحبت يديها من براثينه وانحنت طابعة قبلة راجية على جبهته وتساقطت إحدى دموعها لتلامس وجهها بـحنانٍ وخوف ليسكن الهدوء قلبه ويبتسم بـهيام
****************
دلفت بـثقة لـمركز الشرطة بعدما رأت خروج «ثائر» منذ دقائق عكس مرتها الأولى التي ماثلت الموتى!!، وقفت أمام المكتب تنتظر خروجه وقلبها الخائن رغم ما قاساه ينبض بـقلق على ذلك الرجل، تنفست بـعمق بعدما أبصرته يخرج ضعيفًا وهزيلاً وكأن ليلة واحده قضت نحبها منه!!! وأنزلت به الآلام الكارثية!!، ودت إلقاء نفسها بأحضانه لتنعم ولو قليلاً بـالراحة التي كانت تشعر بها معه ولكن لن تضعف وتتهاون من الآن، لم تُبرح مكانها وتركت مسافة كبيرة بينهم لتوصل له رسالتها بـبُعد طريقهم وصعوبته وكم ألمه مظهرها المصطنع الذي ترسمه لتظهر قوتها المفقودة وتخفي أوجاعِها، لم يرغب بالضغط عليها وإنما اكتفى ببسمة باهته وهمس بـضعفٍ وصلها وإن كبرت المسافات وتفرقت الطرق:
_ بحبك
أشاحت بوجهها عنه حتى اطمأنت لـذهابه فاقتربت من محاميه بـلهفة سائلة:
_ حصل إيه ولي هو هنا النهارده تاني؟!
ناظرها الرجل بـتعجب من لهفتها التي تولدت بعد ذهاب «راكــان» وتمتمت بتعجب:
_ أنتِ مين حضرتك
أغمضت عينيها بـنفاذ صبر وهتفت بـحدة:
_ أنا مراته وعاوزه أعرف وضعه إيه في القضية
هز الرحل رأسه بتفهم وتحدث مُعرفًا نفسه:
_ أنا سمير محامي الدكتور راكــان
هل تقضم رأسه عنوة وتفصله عن جسده؟!أم تجلس عليه حتى تنقطع أنفاسه وبهذا تستفيد من زيادة وزنها لمرة بـحياتها!! بينما هي تتقلب على نيرانٍ ملتهبة هو يعرف ذاته بكل برودة وجفاء!!، حسناً حسناً بعض الهدوء والشهيق والزفير هيا يا فتاة… أجل… ابتسمت بـتكلف وتمتمت:
_ أهلاً بحضرتك بس عاوزه اعرف وضع جوزي إيه في القضية وليه بات امبارح في السجن
نظر «سمير» بـساعته وعاد بـنظره لها متحدثًا:
_ اتفضلي حضرتك نقعد في أي مكان بدل الوقفه دي وهعرفك كل حاجه
رفعت كفها بالهواء وبـصعوبة ضمته مجدداً جانبها وهزت رأسها بموافقة وتمتمت من بين أسنانها:
_ تمام اتفضل
**********************
جلست « أثـير» تنتظره أن ينهي مكالمته التي استطالت وجعلتها ترغب بالتهامه بـشعيراته البيضاء القليلة ليسد الشره الذي انتابها بـقوة بسبب غضبها، ضربت بـقبضتها على المنضدة وهتفت بـجزع:
_ ممكن تركز معايا شوي
أغلق «سمير» الهاتف ووضعه جانبًا وابتسم بـرزانة وتمتم:
_ ممكن حضرتك تهدي عشان تفهمي اللي هقوله
اومأت برأسها بـتأكيد وعقدة ذراعيها أمام صدرها بينما اتسعت بـسمة الرجل فأخفاها سريعًا وهتف بجدية:
_ الدكتور راكــان كل الأدله ضده، في بصمه ليه على جسم الضحية وبصمات تانيه في أماكن مختلفه من شقتها وفي تسجيل صوتي وهو بيهددها عشان ابنه!! حتى لما الظابط سأله عن سبب ذهابه ليه مأنكرش بالعكس قال إنه فعلاً راح ومحدش كان عارف وراح عشان يعرف حقيقة ابنه!! في التحيرات لقوا في شقة القتيلة تحليل DNAيثبت إنه الولد ابن راكــان فعلاً ودا دافع قوي للجريمه كل الأدلة أثبتت الجريمه عليه.. بعد يومين هيتحول للنيابه بس في نقطه واقعه…
*******************
اتخذ من ركنًا مظلم جلسته متخفيًا من ضعفه ونظراتها البعيده تحاوطه معاتبتة قلبه الخائن، الندم يلتهمه من الداخل، ماذا لو أخبرها وانتهى الأمر؟؟! هل حقاً أُثبتت الجريمة عليه وسيقضي ما تبقى من عمره بالسجن أو ربما يلقى حتفه قبل ذلك؟! يالسخرية القدر؛ عاجزًا عن ربط الأحداث، شخصيته الحازمة حُجبت بـغضبه وتركته أحمقًا!! لا تبدو الأمور على شكيتها المفترضة، هناك ثغرة مفقودة بالأمر!!…
كم بدى غبيًا وحقيراً أمام المحقق وهو يخبره يتواجد أوراقًا تثبت أبويته لذلك الطفل!! هل كانت حاملاً به أثناء هجرها له؟! فاق من شروده على صوت فتح الزنزانة تبعه صوت أحد الرجال لطلب رؤيته!!!
جلس منتظرًا ذلك الزائر الغريب الذي أتاه خلسة فمن الصعب على أحد رؤيته هنا!! دفن وجهه بين كفيه بـتعب ولكنه استمع لـصوت خطواتٍ تقترب منه، رفع رأسه فوجد إمرأة منتقبة تقف أمامه ولكنها قوية!! أجل يرى قوتها بعينيها ولكن لما تبدو مألوفة له!!
_ أتمنى تكون اللعبه عجبتك يا دكتور… راكــان
حجظت عيناه صدمة عندما رفعت نقابها الأسود ليتبين وجهها الماكر وبسمتها الحاقدة التي أودت بحياتها خلف الجحيم!! نهض بـتعثر ليقترب منها ولكنها أوقفته بإشارة منها وتمتمت بـهمس:
_ ما قولتلك أنتَ متعرفش ميار الشربيني يا ابن البدري…
شظايا الكلمات
الفصل السادس عشر
قطرات المطر تربت بنعومتها مع قسوة شتاء هذا العام، لم يعد هناك من يمحو دموع المخذولين والمتألمين، نسمات الهواء تداخلت مع حدة البكاء لتصل موجاتها لعنان السماء، لقد حل الشتاء على العاشقين سرًا …. ووصل صداه لروح المصابون بالوحدة علناً… تخلى الجميع إلا من صوت أنينٍ خافت مازال يتردد بـالروح كـدلالة لبقائها على الخليقة ولم تغادر الجسد، قسوة الاعترافات بـأوقاتها المناسبة لا تضاهي مرارة وحسرة البوح بها بعد فوات الآوان….
إنها الثانية عشر بعد منتصف الليل، لم تغفل عينيها بعد، ارتشفت من قدح قهوتها الساخنة التي تداخل بُخارها مع أنفاسها البارده لـيرسموا هالة من الحزن حولها كـتلك التي أحاطت قلبها منذ أمد، لازالت كلمات ذاك المدعو «سمير» تتردد بـعقلها عن استحالة خروج «راكــان» من محبسه، تجرعت ما بقا من قهوتها بـمرارة ونهضت بـخطوات متثاقلة تنوي صنع غيرها حتى يواكب عقلها الأحداث الدائرة حولها ، أغمضت عينيها الجامدتين لـوهلة فإذا بـصورته تتجسم لها بـنظرته الأخيرة عندما غادرته متهربة صباح اليوم، رغم ما ارتكبه من فجائع بحقها إلا أنا قلبها يرفض القسوة عليه، أبصرت السماء من نافذة المطبخ الصغيرة وانكشاف السحب بعض الشيء وغياب الأمطار بـبسمة شاحبة وهمست بـضعف:
_ كان لازم تخبي يا راكــان، كان لازم الوجع يجي منك أنتَ؟
ضمت فنجان القهوة لـكفيها وسارت ترمق أركان البيت الذي أهداه إياه جدها بـعيد مولدها الماضي وكم طال رفضها لظنها بأنها لن تحتاج لـوحدتها مجدداً!! هي بئر من السذاجة والحماقة اللانهائية فهذا ما تبقى لها ليأويها الآن ولن تُقدم على المعيشة بـشقتهم المزعومة!! عادت لـغرفتها وتناولت هاتفها تنوي مهاتفة «هبه» للإطمئنان عليها، تلك الفتاة الحنونة ذات القلب الهين والبسمة الناعمة رغم ما يحويه قلبها من نزاعاتٍ هائلة
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
خرجت «هبه» من المرحاض بعد ساعة قضتها بالإسترخاء سامحة لـجسدها بـالارتخاء بـالمياه الدافئة وتترك لـعقلها مساحة لـيستجمع قراره القادم، لن تتسرع وتنجرف خلف قلبها العاشق لـذلك الرجل مرة أخرى وتحمل الهموم فوق عاتقها مجدداً، انتهت من ارتداء منامة قطنية ثقيلة وغطت رأسها وعنقها بـوشاحٍ مماثل وفتحت بـلكونة الصغيرة التي أصرت عليها بـالنوم لـجانبها، أفسحت لـذراعيها المجال لـيلامِسا السور الحديدي مع ارتفاع صدرها بـنفسٍ عميق…
_ الجو برد وواضح إنك واخده شاور وهتتعبي
أجفلت من صوتها واردت للخلف بـفزع عندما أبصرته يـخرج من بـلكونته الملاصقة لـخاصتها وبسمته الهادئة تزين محياه الوسيم، مضت دقيقة من أصوات الرياح العاتية ما لبث أن حمحم بـمرح:
_ أنتِ شوفتي عفريت؟
رفرفت بـأهدابها بـتوتر ورطبت شفتيها وهمست بلا وعي:
_ ارحم والله
اختفت بسمة «ثائـر» وألتقى حاجبيها بـحرج وتمتم:
_ تمام
التفت عائدًا للداخل كـطفلٍ تلقى إهانة من والدته لاقترافه ذنبًا ولكنها قاطعته بعدما تبينت فاجعة ما تفوهت به….:
_ مش قصدي والله أنا بس اتخضيت لأن الوقت متأخر وأول مره أشوف البلكونه دي وكدا
خلل «ثائـر» أصابعها بـخصلاته بـحرج طفيف وتحدث بـخفوت:
_ كل شقه في العماره ليها بلكونه جنب شقه تانيه
هزت «هبه» رأسها بـتوتر وعضت شفتيها بـحرج من موقفها الضئيل واكتفت بـالصمت…
راقبها «ثائـر» تُغمض عينيها سامحة لـنسمات الهواء الباردة بـتلامس وجهها وبسمة صافية تبزخ من شفتيها الباردتين ولم يتمالك زمام نفسه باختلاس النظرات العاشقة لها، أنثى بما تحمله الكلمة من معانٍ قيمه، ليس وجودها بـهين على القلب، إن مر طيفها ينحني الفؤاد تتيمًا به وإن صدحت ضحكاتها ابتهجت الروح لها، وجودها كـالسلام الدائم المُسكر للـعقل، قاطعه تأمله نظراتها الخجولة والمتعجبة فـحمحم بـخجل ورفع يده الممسكة بـكوب اللبن الدافئ وتمتم:
_ تشربي؟
ضيقت عينيها بـتوجس وجعدت ملامحه بـطفولية وهتفت نافية:
_ لا لا لبن لا لا
اهتز جسده من قوة ضحكاته على هيئتها الطفولية وما لبث أن تمتم متسائلا:
_ مبتحبيش اللبن؟
رفعت كتفيها وأخدلتهم مع ثني رقبتها بومطت شفتيها بـطفولية متحدثه:
_ مسمهاش مبحبهوش، ماما كانت ديماً تقولي وأنا صغيره قولي هو مبيحبناش لأنه نعمة ربنا
على ذكر والدتها ابتسمت بـحزن وشردت ببعض الزكريات المترسخة بـعقلها وتمتمت بـحزن:
_ كانت بتحب تسرحلي شعري كل يوم عشان هو طويل ولما كنت أقول ليها لازم اتعود إني اعمله لـنفسي كانت ترفض، كل يوم الصبح كانت بتزعقلي بعد محاولات كتير إني أشرب اللبن وأنا بعيط وفي الآخر بابا يقول ليها سيبيها تقولوا خليك دلعها، كانوا بيحبوا بعض جداً رغم صعوبة الحال، كنت بشوفها تأكل بسيط عشان تسيب لـبابا أكل عشان علاجه لأنه كان مريض سكر وضغط، كل ليلة كنت بسمعه وهو بيصلي الفجر بيدعي ليها قبل نفسه ويقول يارب ديمها زوجه وأم وحبيبه صالحه لـقلبي واجعلني خير صائنًا لها، كنت صغيره بس كنت فاهمه لأن حبهم كان نقي زياده، أمي كانت أفضل أم في العالم وأبويا كان أحن أب، ربنا يرحمهم
راقبها تزيل دموعها الحزينة وتضم جسدها لـتحتمي من البرد، تمنى لعله ذلك الوشاح الملامس لها عوضًا عنه، جسده يلح عليه بـالذهاب وأحتضانها لتعلم بأنه لـجانبها، قلبه يضطرب ألماً عليها، هو أيضاً يشتاق لـوالده بـشدة ولكن ليس بيدهم سوى الدعاء، حمحم متفهما:
_ هم في مكان أحسن دلوقت، ادعي ليهم
ابتسمت بـأمل لـيومٍ تلاقهم على خير ورمقته بـنظرة ممتنة لـإستماعه لها تفهمها هو وبادلها بإماءة وبسمة حانية ثم تمتم بـمزاح:
_ هو كل البنات لما بتعيط بتحلو ولا أنتِ وضع خاص ولا أنا اللي اتجننت؟
ضحكت بـشدة عليه وأخفضت رأسها بـخجل وما لبثت أن تذكرت ما تنويه فـرفعت رأسها بـتوتر وتمتمت:
_ في حاجه لازم نتكلم فيها
رفع أحد حاجبيه بـتوجس ورفع سبابته بـوجهها وتمتم:
_ أنا قلبي بيقلق من النظره دي… مش متفائل خالص
ابتلعت ريقها بـصعوبة وابتسمت بـغيظ وتمتم:
_ ليه إنشاء الله… تقصد تقول إني نكد؟
لوح بـكفيه بـنفي وهز رأسه هاتفًا:
_ وأنا أقدر أقول كدا محصلش طبعاً
تنفست بـقلق ووضعت يديها تهدأ من اضطراب قلبها وأردفت بـقوة:
_ أنا محتاجه ارجع بيتي
هز «ثائـر» رأسها بـتفهم وغمغم:
_ وأنا تحت أمرك هوصلك واستنى أجيبك
حمحمت بـخجل وهمست:
_ لا أنا هرجع بيتي علطول يا ثائر!
اعتدل بـوقفته واقترب من بـلكونتها أكثر ودنى منها مصححًا:
_ ما هو دا بيتك يا هبه!
هزت «هبه» رأسها نافية وتعلثمت حروفها وغمغمت:
_ أنا عارفه إن القرار صعب بس أنا محتاجه أبعد فتره، محتاجه هدنه من كل حاجه، على الأقل لحد ما فترة عدتي تخلص، ثائـر اللي إحنا بـنعمله غلط ومش واخدين بالنا
قاطعها بـغضب وحدة:
_ إيه الغلط؟ أنا قربت منك؟ أنا عملتلك حاجه ضرتك؟
نهرته بـنظرة معاتبة ومسحت على وجهها بـقلق مكملة:
_ كلامنا دا غلط… وجودي قصاد شقتك غلط… لمستك لإيدي غلط… نظراتك ليا غلط… كل اللي بنعمله غلط ومفيش شفيع ولا عذر ليه، أنا مش بلومك لواحدك أنا كمان غلط لما انساقت ورا مشاعري، أنا كان لازم أعاتبك على الأقل لما خبيت عني إن فاضل طلقني واستغليت دا لـصالحك بس عشان مشاعري ليك اتغاضيت عن كدا مع إن دا حقي والقرار بإني أفضل كان قراري مش قرارك
تلاقت نظراتهم بـلحظة مطولة نهرها «ثائـر» هاتفًا بـتوتر خفي وقوة:
_ تقصدي إيه بكل كلامك دا؟
نظرت بـعيناه بـقوة وترجي وتمتمت بـأمل:
_ نبعد فترة، مدة عدتي تخلص وبعدها كل شيء يبقى واضح مش هقدر أكمل في الغلط دا يا ثائـر صدقني، متعودتش أعرف أخطائي ومصححهاش، أنا خايفه من ربنا، أنا مش ملاك وكلي ذنوب بس لما أقدر أقطع الذنب دا مش هتأخر، أنا بحبك ودا شيء مفيش لا مسافه ولا ظروف هتغيره ولا تقلله، فاهمني!
ابتسم بسمة لم تصل لـعيناه وهز رأسه متحدثًا:
_ كدا هتكوني مطمنه أكتر؟ هتبقي مرتاحه؟
اخدلت ملامحها المتوترة وهزت كتفيها بلا حيلة وأردفت بتأكيد:
_ هبقى مطمنه لما نكون سوى في حلال ربنا، هبقى مرتاحه وأنا بضحك ومش خايفه إن دا غلط، إحنا لا عيال ولا مراهقين إحنا كبار كفاية عشان نفهم ونمنع نفسنا إنها تمشي ورا شيطان بكام لحظه وكلمه تريح القلب، صدقني دا أفضل لينا
انفرج ثغره عن بسمة دافئة عكس برودة الجو وتمتم بـنبرة حانية:
_ طالما دا هيريحك أنا معاكي فيه ودا قرارك وأنا هدعمك المره دي
ابتسمت بـراحة واختلجت السعادة قلبها وهتفت:
_ أنتَ لطيف أووي
رغماً عنه ابتسم لـنبرة السعادة بـصوتها ولمعت عيناه بـبريقٍ من السرور وحمحم مردفًا:
_ مش بـلطف قلبك يا سكر
ألجمها غزله البسيط بـنبرة صوته ونظرته الهائمة مما جعلها تُشيح بـوجهها عنه وتهتف بـحدة وحزم:
_ثائـر إحنا قولنا إيه!!!!؟
ضحك بـملئ فاهه على حدتها المزيفة وتهربها منه وراقبه ترتجف من البرد فـهتف بـحزم:
_ ادخلي من البرد.. الفجر قرب يأذن أصلاً
أومأت بـرأسها بـتفهم وناظرته بـسعادة لـتفهمه وهمست بـخجل:
_ تصبح على خير
استمع لـصوت إغلاق النافذة بـقلبٍ يتداخله القلق حول قرارها، لقد اعتاد رؤيتها كل صباح حتى وإن لم تراه، أعتاد بسمتها التي رغم كونها مخفية إلا أنه يراها بـقلبه الولهان بها، أعتاد طيفها المُحاط بـروحه العاشقة لها، كيف سـيعتاد على عدم تواجدها؟ هل سـيتحمل ابتعادها لأكثر من شهرٍ ونصف حتى تنتهي عدتها وحينها يُسمح له بالتقدم والزواج منها؟ لن يردعها عن قرارها الحتمي والذي تبين أثره عليها ولكنه لن يتحمل! لن يتحمل غيابها هكذا بعيداً عنه!! ألقى نظرة أخيرة على شرفتها قبلما يغلق نافذته ولكنه توقف ما إن استمع لـصوت آذان الفجر، ابتسم بـلا إرادة منه لـصدى الآيات التي تُلقى بـقلبه وتبعث السَكِينة والسلام بـروحه وتمتم وعينتيه تلمعان بـأمل:
_ يارب قدم الخير وريح قلبي
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
فرغت من صلاتها على بسمته الحانية التي يبعثها له من حينٍ لآخر منذ انتهاء جلسته، الأمل يُبسط بـفؤادها بـإسرافٍ مع بداية اليوم، لديها يقينٍ بـقدرته ربها أنه سـيصبح بخير ويتشاركا السعادة الأبدية يومًا بعد يوم، جمعت سجادتها ووضعتها بـرفق على المقعد واقتربت جالسة جانبه متناولة كفه لـيُصبح على مقربة من فمها ولثمته بـقبلة عميقة وتمتمت:
_ تقدر تصلي؟
لكزها بـحدة طفيفة بـجانبها وغمغم بـمرح:
_ أنا موقعتش للدرجادي يبت أنتِ أنا لسه بخيري مش شوية تعب اللي يهدوني
انحنت طابعة قبلة عاشقة فوق جبهته وضمت رأسه لـصدرها بـحب وغمغمت بـلهفة:
_ متقولش كدا… أنا عاوزاك بخير ديماً
رفع «براء» رأسها من صدرها وضيق عينيه بـخيبة أمل وتمتم:
_ هي مينفعش شفايفك كانت تنزل عشره سنتى لتحت؟ بتبوسي أختك أنتِ؟
لثوانٍ لم يصل لها مخزى كلماته ولكنه حينما انتهى مالت عليه من شدة الضحك حتى أدمعت عينيها وتحدثت بـلا ترابط من بين ضحكاتها:
_ يعني لسه مصليه وبقولك… بقولك قوم صلي وتقولي كدا… الشيطان حاضر هنا رغم كل شئ منه للاااه
مال عليها أكثر بـجسده حتى اعتلاها وعيناه تلتهم تفاصيلها البديعة ومحياها الفاتن وشفتاه تهمس بـكلماتٍ لم تتبينها ولكنها أتت لتلتقي بـخاصتها بـقبلة خفيفة ورطبة جعلتها تحيط عنقه بـحب وتفصل القبلة هامسة:
_ طالما أنتَ كويس يلا نصلي وأنا هصلي معاك تاني
نهض عنها وما لبث أن جذبها لـصدره بـعناقٍ ساحق كاد يستمع لـصوت تحطيم عظامها له وغابت عيناه بـعاطفة قوية للحظاتٍ ثم ابتعد عنها وسارا لـيغتسل ثم يتوضأ
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بـمنتصف اليوم وقفت «أثـير» تهندم ملابسها، وضعت لمساتها الأخيرة لـتكمل طلتها البهية وابتسمت بـبرود لانعكاس صورتها بالمرآه وهمست بـتهكم:
_ مش اللبس والمكياج اللي هيبني قوتك… فوقي
أكان ذلك صوت عقلها أم قلبها المشتاق له؟ أكان ذلك من المفترض عتابًا لها أم سخرية منها؟! أحقاً هي قوية أم تدعي تلك القوة التي تظن أنها لن تمتلكها بـيوم؟ التقطت حقيبتها وهاتفها وتوجهت للخارج، بعد مدة وصلت للبناية التي يقطن بها «ثائـر» تنهدت بـتعب وأخفضت رأسها على المقود ولمعت عينيها بـالدموع من شوقها الجارف له ولا حيلة لها بـذلك فـمهما طالت كذبتها أنها تحاول نسيانه يُلقيها قلبها بـجعبة لهفتها واشتياقها له، أزالت دموعها واستجمعت شتات روحها وصعدت…
طرقت بـخفوت على الباب ودقيقة حتى طل «ثائـر» بـملامحه الهادئة وكأنه كان على علمٍ سابق بأنها ستأتي، دلفت وعينيها تدور بـالمكان لا تريد رؤية والدته حتى وإن كانت خارج الأمر فمن الصعب عليها الصفح لها، جلست بـجانب والدة «ثائـر» التي رحبت بها بـشدة وتبعها هو بسؤاله:
_ أنتِ من جواكِ عارفه إن راكــان مستحيل يعمل كدا؟
وضعت كوب الماء الذي كانت ترتشف منه وناظرته بعينين داكنتين وغمغمت بـصدق:
_ وأنتَ عارف إن اللي عمله مستحيل حد يسامحه عليه،أنا جيالك عشان تساعدني
أنصت بـاهتمام لها وتمتم بـتوضيح:
_ خليكي واثقه قبل أي قرار إن راكــان عمره ما حب غيرك وإن ميار دي كانت غلطه دفع وبيدفع تمنها لدلوقت
أشاحت بـوجهها عنه في تردد وغمغمت بـتوتر:
_ أنا عاوزه أطلق
كانت والدة «ثائـر» تتابع الموقف من البداية ولم تنبث ببنت شفة واكتفت بالملاحظة ولكن عندما تفوهت « أثـير» بـرغبتها بـإنهاء زوجها رمقت «ثائـر» بـنظرة تفهمها واستأذن مغادرًا، اعتدلت بـجلسته لـتصبح بـمواجهتها وجذبت كفيها لـتحتضنهم بـحنانٍ وغمغمت:
_ قوليلي حاسه بـإيه وأنتِ بتقوليها
رفعت « أثـير» عينيها لها ونطق لسانها رغماً عنها بـألم:
_ حاسه بوجع مش عاوز يقف، حاسه بتعب وخنقه لأول مره أعيشها، روحي وقلبي رافضين النهاية دي بس أنا مش هقدر أسامحه رغم حبي الكبير ليه، أنا ضعيفه قدام كل الوجع دا وعمري ما كنت أتخيل إنه يخذلني بالشكل دا جوايا شعور بيقولي إنه لو كان اعترف بكل الحاجات دي قبل جوزانا كنت هغفرله وهنسى بس بعد ما عيشني في كدبه واستغلني صعب أنسى واعدى، رصيده في قلبي خلص!!
ابتسمت السيدة «نجاة» بـطيبة وربتت فوق كفيها وهتفت بـصدق:
_ لو كان رصيده في قلبك خلص مكنش زمانك خايفه وأنتِ بتطلبي الطلاق، مكنتيش هتحسي بالوجع اللي في قلبك دلوقت، كان قلبك هيبقى بارد ومرتاح بعكس دلوقت، يا بنتي خديها نصيحه من واحده أكبر منك، ساعات بنخاف نواجه الناس اللي بنحبهم بحاجات كتير ممكن تجرحهم لمجرد إننا خايفين نوجعهم، مش كلنا عندنا قوة إننا نصارح ونواجه، أنا عارفه راكــان كويس مشوفتهوش فرحان زي ما شوفته معاكي يوم الفرح، يا بنتي ادي لنفسك فرصه واقعدي احسبي خطواتك، أنتِ من جواكي مصدقه إنه برئ بس خايفه من بقية القصه، يا حبيبتي متحكميش عقلك زياده عن اللزوم
اومأت « أثـير» بـرأسها بموافقه واعطتها بسمة شاحبة وخرجت بـهدوء
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
منذ وطأت قدماه هذا المكان لم تغفل عيناه لـدقيقة واحده، لو يرتمي بـأحضانها ولو لمرة سينعم بـالراحة التي فقدها، لها كل الحق بابتعادها وتهربها منه، ماذا إن كان بـموضعها؟ ماذا إن علم بـعلاقة سابقة لها بعدما تزوجا؟ لـمجرد تخيله تدفقت دماؤه بـغزارة لـعقله واسودت ملامحه قسوة مع ارتفاع وتيرة أنفاسه، دمعة خائنة أخذت مجراها لـوجهه نفضها عنه وتذكر نظرات وكلمات تلك الأفعى المدعوة بـزوجته الأولى!!!
# فلاش باك
لم تزول صدمته بعدما استمع لـصوتها البغيض بعد حتى باغتته بـرفع نقابها ليري ملامحها الشامتة بها ونظراتها الكريهة المصوبة له، استجمع قوته وهتف بـتأثر:
_ أقدر أفهم راجعه ليه دلوقت؟ ليه بعد السنين دي كلها؟
أنزلت « ميار» نقابها واستندت بـجسدها على الحائط المقابل له وتمتمت بـحقد:
_ للأسف لأني في يوم حبيتك وافتكرت إنك ممكن تاخد بالك مني حتى!! قدمت نفسي ليك عشان اروح لوالدتك ونتجوز وبكدا أبقى قربت منك وأقدر أخليك تحبني بس فشلت!! فشلت وأنا بشوفك قرفان مني بل ومش شايفني أصلاً!!! قدمت تنازلات كتيييره وكنت مستعده أقدم عشان اسمع منك ولو كلمه واحد!! ولو نظره!! حتى لما مشيت مدورتش عليا ولا حتى طلقتني، لما عرفت إني حامل مشيت مكنتش هسمح لابني يعيش مع أب مش شايف أمه؟! مكنتش هسمح لنفسي أكرر اللي عشته مع ابني وادمره!! تخيل بقا ربنا أراد احمل من غلطه! أول ابن ليا يبقى ابن زنا!! طول السنين معرفتش أنساك رغم الوجع اللي عشته بحبك وأذيتك، تخيل بنت تقدم نفسها وشرفها اللي هو كل ما تملك لولد أصغر منها لمجرد إنها نفسها يحبها!!! متخيل كرامتي وصلت لفين؟!!! متخيل وجع قلبي وأنا بستناك كل ليلة على أمل حتى تنام جنبي بس كنت بتهجرني!!! مشيت بابني وكنت هنساك بس قولت ليه مخلهوش يعيش من نفس الكاس اللي شربته؟! ليه ميشوفش ويدوق معنى إن حد يدمر سعادته وأحلامه؟! مسألتش نفسك ليه بعد السنين دي كلها مفكرتش اطلق ولا ارجع؟! عشر سنين وقت طويييل بردو!! لما عرفت إنك بدأت تحب بنت قولت فرصتي واستنيت كل حاجه تتم وتعيشلك كام يوم
صمتت قليلاً تستجمع أنفاسها بسبب اندفاعها بـالحديث وغضبها المخفي بين حروفها، تساقطت دموعها بلا هوادة منها رغماً عنها عندما تذكرت تلك السنوات زما عاشته بهم لأجل حبٍ لم يُقدر لها، اقتربت منه وهمست بـقوة وكره:
_ شوفت فرحتك اللي كانت مفروض تبقى معايااا!!! فرحتها اللي المفروض كانت تبقى فرحتي!!! أنا مش عارفه أكرهها صدقني لأنها أنقى منى ومنك وأنضف ومتستهلش كدا بس غصب عني!!! تخيل تفضل سنين كل يوم بيعدي رغبة انتقامك بتزيد من أكتر شخص حبيته في الدنيا، تخيل كرهي ليك بيزيد مع كله همسة بابا بسمعها من ابني وأنا عاجزه حتى اقولوا أو أوريه شككلك؟! تخيييل!!! تخيلللل كام سيناريو كان بيجيلي عشان لما يكبر هيتقالوا أنتَ ابن زنا!!!!
صاحت بـغضب وحده بعدما تجرعت مرارة ألمها للمرة التي لم تعد تحصيها ودارت حول نفسها بـتعب:
_ تخيل بقا وجعي!!! بنفس درجة كرهي ليك، لو مفكر انتقامي منك خلص تبقى بتحلم يا راكــان، متتعبش نفسك إزاي عملت كل دا لأن الفلوس بتعمل كل حاجه!! حتى ولو على حساب نفسك!! افتكر إن على قد طيبتي وسذاجتى هتقابله وجع يحطمك مني
راقب خروجها بـعينين دامعتين، أيشفق عليها أم يشفق على ذاته؟! أم على حبيبته التي أصبحت مرهونة لأفعاله الشنيعة؟! لم تكذب فزوجته أنقى منه!! زوجتها الرقيقة لن تتجاوز المزيد من المحن والصعوبات، رغم ما تكنه له من كره إلا أنه رأى صدق قولها بأنها أحببته! أكان حقاً جلمود الفؤاد لتلك الدرجة ولم يراها؟! أكان بتلك البشاعة ابتي تصفها به!!
#باك
لم يفهم قولها بأن الأمر كان على حساب نفسها! اختبر وجعها سابقاً عندما كان يحب « أثـير» سراً ويخشي عدم مبادلتها إياه! هو ليس حزينًا على تواجده هنا ولكن يحزن لأجل معشوقته الباكية والضعيفة، تلك الهشة تخشى الليل وإن طال فـكيف تتعايش مع كل ذلك؟! حزين لأجل ابنه!! فلذة كبده الذي تربي بعيداً عنه كيتيمٍ!!! يالقذارة أفعاله
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
عادت «ورده» من الخارج بعد زيارتها لـطبيبه لتسأله عن حالته وكم سعدت بعدما طمأنها بأنه بخير وإن أرادت إخراجه فلا بأس، دلفت غرفته وتعجبت من خلو فراشه ولكنها استمعت لخرير المياه فعلمت أنه بـالمرحاض، مضت فترة وجيزة انتابها القلق عليه فـنهضت وطرقت الباب وتمتمت:
_ براء مالك… بقالك فترة طويلة محتاج حاجه؟
استمعت لـصوته المتعب من الداخل يطمئنها ولكن على العكس ما زادها إلا خوفًا فعاودت الطرق بـقوة وأردفت بـحزم:
_ أنا هدخل
فتحت الباب وما لبثت أن وجدته منحنيًا على الحوض ويتقيأ بقوة وكأن حياته تعتمد على إنها ذلك الأمر، استشعرت الألم بـصوته وحركات جسده الذي يتلوى وكأنه على جمرٍ، هرولت مسرعة إليه واقتربت مربتة فوق كتفيه بـحنان وتمتمت:
_ خد نفسك اهدي يا حبيبي
نهرها بجسده وكادت أن تسقط وتمتم بـأمر وانفعال:
_ اطلعي برا قولتلك متدخليش
أدمعت عينيها لـنظراته المتألمة واقتربت ضاممة جسده لـيستند عليها وهمست بـصوتها الدافئ:
_ أنا وأنتَ واحد ومستحيل يكون بينا فرق، بلاش تبعدني عنك
لمعت عيني «براء» بـالدموع وارتجفت شفتاه وهمست بـحرقة:
_ صدقيني لازم تخرجي بلاش تشوفيني كدا على الأقل، خليكي برا يا ورده
كانت إجابتها أن فتحت صنبور المياه وغسلت وجهه بكامله ويداه وتناولت الفوطة مجففة إياهم ولم تبادله ولو نظرة واحده ولفت ذراعيه أحدهم حول كتفيها والأخر أمسكت به إلا أنا أوصلته للفراش وتمتمت:
_ ارتاح هجبلك حاجه تأكلها وتاخد المسكن
كادت أن تبتعد عنه ولكنه قبض على معصمها بـوهنٍ وجذبها لتقابل عيناه وحمحم بـتعب موضحاً:
_ متزعلش مني أنا مش عاوزه تتحملي فوق طاقتك عشاني، مش عاوز اكون حمل عليكي وتقرفي مني
علمت مقصده من البداية ولكنها فضلت الصمت، أحاطت وجهه بين كفيها بعدما جذبتهم منه وهمست بـحب وثقه:
_ عمري ما هفكر حتى إنك حمل عليا، أنت جوزي وحبيبي وكل ما ليا بعد أهلي لو في يوم كنت أنا اللي محتاجاك واثقه إن عمرك ما هتردد إنك تكون سندي، أنا وأنت واحد وهنعدي المحنه دي بكل تعبها ووجعها عشان نحكي لولادنا عنها وإحنا مبسوطين بالإنجاز دا…. دي مش معركتك لواحدك يا براء
طبعت قبلة فوق شفتيه أودعت بها قلقها وخوفها وأيضاً ثقتها وحبها له وغمغمت بـلهفة:
_ أنا جعانه يلا عشان ناكل
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بـنهاية اليوم وصلت أمام شقته وبسمة ماكرة تزين ثغرها، طرقت الباب بـغنج وكبرياء وما لبث أن آتاه الرد منه، لم يسمح لها بـالدخول بل لم ينظر لها ولكنها دلفت بـالصغير الخائف وتحدثت بـدلال:
_ كدا بتقابل ضيوفك يا ثائـر بردو؟
ابتسم « ثائـر» بـغموض ونظر للصغير المرتجف وغمغم بـثبات:
_ كنت مستنيكي من بادري يا ميار هانم
نظرت للصغير ودفعته بـخفة لـ «ثائـر» وتمتمت:
_ دا حمزه… حمزه راكــان ابن ابن عمك…
شظايا الكلمات
الفصل السابع عشر
ظُلمة البئر الذي وضعتني به… أقسم لك بـقرب وقوعك به…
رهبة الابتعاد تُخمد بـالتحلي بـالقسوة والجفاء، مصدر القوة ما هو إلا نُطفة من نِقاط الضعف والانهيار….
بـنهاية اليوم وصلت أمام شقته وبسمة ماكرة تزين ثغرها، طرقت الباب بـغنج وكبرياء وما لبث أن آتاه الرد منه، لم يسمح لها بـالدخول بل لم ينظر لها ولكنها دلفت بـالصغير الخائف وتحدثت بـدلال:
_ كدا بتقابل ضيوفك يا ثائـر بردو؟
ابتسم « ثائـر» بـغموض ونظر للصغير المرتجف وغمغم بـثبات:
_ كنت مستنيكي من بادري يا ميار هانم
نظرت للصغير ودفعته بـخفة لـ «ثائـر» وتمتمت:
_ دا حمزه… حمزه راكــان ابن ابن عمك..
لم يُعطي لـحديثها أدنى اهتمام وارتمى بـجسده على الأريكة المقابلة لـوقوفها وتمتمت بـبرود:
_ كويس… فيه شبه منه
تلقت حديثه البارد بـثقة وجلست على المقعد خلفها واضعة قدمٍ فوق أخرى وغمغمت بـمكر:
_ كنت فكراك أهبل زي ابن عمك بس حقيقي عجبتني
رفع «ثائـر» أحد حاجبيه بـتهكم وتمتم:
_ أظن إنك مش جايه تقولي الكلمتين دول وتاعبه نفسك وأنتِ عارفه إني ممكن أبلغ عنك
عقدة «ميار» ملامحها بـسخرية وهزت رأسها بـنفي مردفة:
_ لو كنت عاوز تبلغ مكنتش هتستني لحد ما أجيلك أو لحد ما صاحبك يبات في الحجز مع المجرمين اللي شبهه
اعتدل «ثائـر» بـجلسته وضم شفتيه بـتأكيد وغمغم بـوضوح:
_ عندك حق بس مش يمكن كنت مستني إنك تيجي بـنفسك لحد هنا؟!
ضحكت «ميار» بـقوة حتى أدمعت عينيها على سذاجته وأردفت بـسخرية:
_ عيبكوا إنكوا متعرفوش إني سبقاكوا بـألف خطوه! وإن عندي بدل اللعبه عشره!
عقد «ثائـر» ذراعيه أمام صدره وناظرها بـقوة مردفًا:
_ طالما كل ألعابك اتكشفت وسجنتي راكــان في قضية ق…تلك المزوره جايه هنا ليه؟!
قست ملامح الأخرى ولمعت عينيها بـوميضٍ من الألم والحسرة المُغلف بالانتقام وهمست بـغلٍ:
_ عشان عرفت إنك كنت ورا راكــان يوم ما جالي البيت الصبح وهو ميعرفش وإنك بتدور ورايا وجايه أحذرك تبعد عني عشان دا مش في مصلحتك مفيش سبب يخليني أأذيك ولا ضغينه شخصيه بينا
هز «ثائـر» رأسه بـتفهم ولم تختلف ملامحه المقتضبة وحمحم متسائلا:
_ وبكدا انتقامك مجهول السبب من ابن عمي خلص؟!
قاطعته بـنظرة قاتلة جحظت عينيها لها وعلت أنفاسها، أيظن أنها تفعل كل ذلك بلا سبب؟! أيظن أن ليس لها حق بأفعالها؟!، كورت قبضتها بـغضب وهمست:
_ عندك حق مجهول السبب بس تعرفي السبب إيه؟! أصلك متعرفش معنى إن بنت تحب وتبيع شرفها للي بتحبه وهو مش شايفها وحط مليون خط تحت مش شايفها دي، تعرف إحساس القهر؟! أكيد لا، شخص بتحبه يفضل لسنين مش شايفك ولما تبقى قدامه بضريبة حياتك يتجاهلك؟! لالا هو لسه مش شايفك التجاهل دا للي بنحبهم!! تعرف معنى إنك تربي طفل لواحدك في بلد غريبه ممعكش حتى تمن اكل ليوم واحد؟! إنك بتشوف ابنك بيكبر قدامك وكل يوم نفسه يشوف ابوه أو يعرفه وأنت عاجز عن إنك تقولوا الحقيقه؟! هتقولوا إيه؟! أبوك مكنش مهتم بوالدته هيعترف بيك أنتَ وأنتَ ابن زناااااا؟؟ السبب أظن بقا واضح صح؟؟
أومأ لها بـصمت ولم تتحرك عضلة واحدة بـوجهه ولم يتأثر ولكنه غمغم متسائلا:
_ عارفه بيقولوا الطبع بيغلب التطبع ليه؟!… عشان كلنا بنحب! وكلنا وقعنا في مشاكل أكبر وافظع من بعض وكلنا اتخذلنا وقلوبنا اتكسرت وعديت فترات شوفنا الذُل فيها!! في مننا خرج بـقوته وحارب عشان يكمل حياته ويبني كام ذكرى جميله ودا اللي قلبه نضيف!! معندهوش كره ولا غِل!! ودا طبعه غلب على الظروف اللي مر بيها وفي أنتِ!!! اللي زيك كرث كل حياته وعشر سنين من عمره هدر عشان يرتب إزاي ينتقم؟! وينتقم بـغير وجه حق!! كان ممكن تواجهي راكــان إنك حامل وبـحقيقة مشاعرك ووقتها هيبقى عندك سبب قوي تمشي عشانه لو لقيتي منه رفض!! كان ممكن تاخدي فتره تجمعي نفسك وترجعي وتواجهي بردو بابنك؟! لكن مش تنتقمي؟! أنتِ شيطانك غلب طبعك وتطبعك وبقيتي مسخ…
بدت له باردة وكأنها جثة لم يهتز لها جفن من حديثه اللاذع أو نقده لها واكتفت بـأخذ أنفاسها المسحوبة وهمست بـألم وصل له بـجدارة:
_ يمكن عندك حق بس أنتَ مجربتش تبيع نفسك عشان تعيش بـراحه ظاهريه مع ابنك؟!
سرعان ما تلبسها قناع القوة والكبرياء ونهضت عازمة المغادرة ولكن صوته المتوجس أوقفها:
_ زيفتي موتك إزاي؟! ومين اللي اتدفنت مكانك؟!
طرقت بحذائها العالي بـملل من كثرة أسئلته وتحدثت:
_ أسئلتك كتير وأنا مبحبش كدا…. عموماً الفلوس بتعمل كل حاجه، تقدر تزيف تاريخ الوفاه! تبدل جثه! شوية مكياج على جلد مصنوع مش هيضر عشان تكمل محاولة الق..تل وتفضل بصمات القاتل على الجثه بردو!! الموضوع مش صعب على واحده دارسه القانون وفاهمه بردو؟! ولا أنتَ بحثك عني مقدرتش تعرف إني كنت في كلية حقوق؟!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ضمت السيدة «عفاف» جسدها لـجسد زوجها الغافي بـهدوء ولكنها تعلم أنه مستيقظ وهناك ما يشغل باله، لطالما كانت صغيرتهم الأقرب إليه عندما يتعلق الأمر بـالبوح بـأحزانه لـرفضه بـالضعف أمامه! مرت بهم الأعوام بين جيد ولا ولكن عشقهم لم تُقلله الأيام بل العكس لازالت تشعر أنها تلك الشابة المراهقة التي وقعت بحبه منذ زمن! بحثت عن كفه من أسفل الغطاء حتى وصلت له وفارقت أصابعه لـتحل خاصته بين الفراغات وابتسمت بـحنان هامسة:
_ مالك يا نور عيني
فتح « بلال» عينيه وانفرج ثغره عن بسمة هائمة بتلك العجوز المرابطة على فؤاده الشائك وهمس بـحيرة:
_ حاسس إني غلط في حقها لما سبتها تختار وتواجه لواحدها
أدارت وجهه لـتتلاقى نظراتهم وترى صدق حيرته وتشتته وتلك الغصة التي استمعتها بـصوته جعلتها تتألم ضعفه وتهمس بـتأكيد:
_ بنتنا قويه… عدت كتير وهتعدي وهتفضل بـقوتها، أنتَ مغلطش هي اختارت وإحنا هندعمها لآخر نفس فينا! بنتي مش ضعيفه يا بلال وهتقدر تكون سند جوزها وعكازه لحد ما يبقى أحسن ويبقى هو ضهرها اللي بتتحمى فيه، بيتك شبهك مش هتسمح لنفسها تضعف!!
حسناً هناك سحابة من الرخاء والسَكِينة أحاطت خافقه جعلته يمدد ذراعه لـيضمها لـصدره بـقوة وتلمع عيناه بـوميض العشق الذي سكنه منذ عقود وتمتم بـعشق:
_ طول عمرك بتقدري تخففي عني يا عفاف ولا مره قلبك ردني خايب…. ربنا يديمك نعمه وزرق ليا
ابتسمت بـخجل لم تتخلى عنه حتى الآن رغم شيبها وهمست بـتساؤل:
_ بس قولي إيه خلاك توافق على براء بالذات
اعتدل « بلال» بـجلسته وأسند ظهره على الفراش وأعطها بسمة رائعة وتحدث بـصدق:
_ حسيته! حسيت حياته واقفه عليها!! أنا شوفت بنتي لما جالها هنا وشوفته كان شكله ضايع، شوفت وجع بنتي وإزاي كانت بتحبه وهو كان سبب وجعها! بس لما شوفت كسرته وسمعت حكايته عذرته، براء بيحبها لا دا بيعشق التراب اللي بتمشي عليه، شوفت ضحكته وهو بيحكي عنها وفرحته لمجرد إني وافقت أسمعه!! حسيت ندمه في صوته ودموعه اللي كان بيخبيها، لما جالي بعد ما عرف بـمرضه خوفت! لو لقدر الله حصله حاجه ورده قلبها مش هيتحمل وجع فراقه بس افتكرت حب بنتك ليه… بنتي مبسوطه، مطمنه، سعيده ودا كفايه ليا….
همت أن ترد عليها ولكن صوت صغيرتها المرح جعلها تنهض مهرولة لها وتتلقاها بـشوق بين أحضانها وكأنها لم تراها منذ عقود!! ظلت محكمة عليها حتى هتفت « ورده» بـمرح:
_ هموت تحتك يا عفاف أنا لسه صغيره وعاوزه اتجوز الواد الغلبان دا
أخرجتها والدتها بـغيظ من بين أحضانها وسرعان ما شهقت بـحرج من تواجد «براء» المبتسم لهم ولم تتردد للحظة بـدعوته لأحضانها هو الآخر وأدمعت عينيها لـتمسكه القوي بها وأشارت لـفتاتها باالذهاب وتركهم!!
هرولت «ورده» لـوالدها المنتظر رؤيتها بـشوقٍ أخفاه بـقوة وتحدث بـقوة:
_ عامله قلق ليه يا بشكير الكلب
تجاهلت حديثه وصعدت ملتصقة به بـالفراش وسرعان ما ضمت جسدها له بـلهفة وشوق وهمست بـحب:
_ وحشتني يا بلال والله…. وحشت بشكير
ضمها والدها بـقوة لـصدره وابتسم بـحنان على صغيرته التي مهما نضجت ستظل تلجأ لأحضانه وتتمسح به كـهرة صغيرة وتحدث بـحيرة:
_ طمنيني عنك وعن جوزك بدأ علاجه ولا لا
ابتسمت بـرزانة تُحسد عليها واضعة رأسها على فخذيه وشردت بـعينيها لـنقطة بعيدة وهمست بـألم:
_ تعبان… تعبان وبيكابر… مش عاوز يضعف قدامي… كل يوم بيضعف زياده… أنا حاسه بيه وحاسه بـوجعه اللي بيحاول يخبيه عني
ربت والدها بـبسمة هادئة فوق حجابها وتحدث بـحكمة:
_ مفيش حاجه بتهزم قد المرض، بيذل صاحبه، جوزك مهما كان بيحبك ضعفه قدامك بيوجعه، مفيش راجل في الدنيا بيتحمل ضعفه قدام مراته ولا حبيبته وإن هي تكون عكازه ومفروض العكس!! الرجاله ليهم القوامه والقوه وربنا فضلهم بكدا، صعب جوزك أو أي راجل يتقبل إن فجأة بقى ضعيف وبيتألم بـشئ خارج إرادته! صعب يفهم إنه فجأة ممنوع يخرج! إنه محكوم وضعيف وزوجته هي اللي بتعيله!! خليكي جنبه متيأسيش! متمليش منه! طمنيه! متفارقيش قلبه يا ورده القلوب الصادقة بتوفي بـوعودها وقلبك زي الورود البيضة
أغمضت عينيها منصتة لـحديث والدها الذي أثلج قلبها وأخمد نيرانه الناشبة! هي لم تكن لـتتركه يوماً ولكنها تحتاج لـجرعة مُضاعفة من قوتها التي تحتاجها الفترة القادمة مع قُرب جلساته وتمكن المرض منه! وسط دوامة أفكارها أحست بـقبلة رطبة تُوضع جانب ثغرها تعرف فاعلها عن ظهر قلب، ابتسمت وقد تمكن منها النوم وذهب بـسبات عميق….
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
حزمت « هبه» حقائبها وكذلك شقيقتها رغم حزن قلبها لـمرافقته إلا أنها تفعل ذلك عن رغبة منها، لن تسمح لشيطانها بالعبث مجدداً، ستعتبرها فترة هدنة بسيطة بينهم لا مجال للقاء أو الحديث المُنفرد، ستعمل على غض بصرها والتحكم بـدقات قلبها المسكين الذي يضطرب لـمجرد عبور طيفه، تنهدت بـضيق ووقع نظرها على «رحمه» الصامته فـباغتتها بسؤالها المتردد:
_ رحمه أنتِ زعلانه إننا هنمشي؟
رفعت الصغيرة نظرها وتحدثت بـحكمة وكأنها عجوزٌ وليست طفلة!!:
_ لازم أزعل… ثائـر كان زي أخ كبير ليا وديما كان بيساعدنا ووقف جنبك وبعد فاضل عننا وكمان تيتا نجاة علطول بتساعدني أذاكر وبتحبني، يمكن أكون زعلانه بس أنتِ علمتيني لما أعرف غلطي أبعد عنه وأحاول اصلح من نفسي ومكررهوش تاني، عشان كدا هنرجع بيتنا صح؟
هزت «هبه» رأسها بـموافقة ولمعت عينيها بـالدموع فـكيف تُرزق بـشقيقة كـتلك بـقلبها الكبير وعقلها الواسع وقدرتها الهائلة على فهمها والشعور بها!! ابتسمت وسط دموعها وفتحت ذراعيها بـحب هاتفة:
_ تعالي…
دعوة صريحة للـصغيرة لـتلقي بـنفسها بين أحضان شقيقتها التي نعمت بـحضن والدتها لأعوام تتمسح بها لعله تستنشق عبير والدتها المتوفاة!! شددت كلتاهما على الأخرى وتساقطت دموعهم بـصمت قطعه طرق الباب فهمست « هبه»:
_ افتحي الباب على ما ألبس نقابي لو كان ثائـر مدخلهوش
أومأت الصغيرة بـحماس وأسرعت تفتح الباب لـتقع عينيها على « أثـير» المبتسمة وهتفت بـسعادة:
_ طنط أثير… وحشتيني
انحنت « أثـير» محتضنة الصغيرة بـحب وجذبتها من كفها للداخل هاتفة بـحنان:
_ وأنتِ يا قلب طنط أثـير… بس نكتفي بـ أثـير بس ماشي!
هزت «رحمه» رأسها بـموافقة وصاحت بصوتٍ وصل لشقيقتها:
_ دي أثـير يا هبه
خرجت «هبه» بـبسمة رائعة واقتربت محتضنة إياها بـقوة وهمست بأذنها بـحنان:
_ عامله إيه دلوقت
ابتسمت « أثـير» بـسخرية وجلست بـقلة حيلة وتبعتها «هبه» وتمتمت بـيأس:
_ عادي… بضحك.. بأكل… بلبس… عايشه اهو
أشفقت « هبه» عليها واقتربت مربتة فوق ذراعها وتمتمت بـصدق:
_ أثـير أنا هنا وقت ما تحتاجيني… في أي وقت هتلاقيني… صدقيني كله هيبقى بخير
تمنت من قلبها لو أن كل شيء سيكون بخير ولكنها موقنة بـعكس ذلك هي ببساطة لن تصلح للمزبد من المحاولات الكاذبه! ابتسمت بـتهكم وغمغمت بـقلة حيلة:
_ أتمنى أكون أنا بخير في يوم…
كادت أن ترد عليها ولكن صوت جلبة من الخارج ابتلعت كلتاهما لعابها بسببه فآخر مرة استمعا لمثل تلك الأصوات كانت الشرطه هنا لتعتقل «راكــان»!! نهضوا جميعاً والخوف يدب بـأواصلهم وما إن فتحوا الباب حتى شهقت كلتاهما بـعنف كاد يخدش جوفهم!! كيف لـتلك الماكرة أن تكون على قيد الحياة بينما «راكــان» متهم بـقت…لها!!! لم تقل صدمة إحداهما إلا عندما صدح صوت « ثائـر» بـبرود:
_ زي ما قولتي قبل كدا يا ميار هانم…. لا ضغينه شخصيه…
أنهى حديثه بـغمزة ماكرة من عيناه الباردتين وهو يراقب نظرات «ميار» الحاقدة وتشنج جسدها بين يدي عناصر الشرطة التي كانت تعتقلها!! رحلت تلك الأفعى من بينهم ولكن نظراتها أخبرته بـالكثير!! أنه مازال خلفها الكثير من المؤامرات!! تنهد وهو يراقب نظرات الفتيات المصدومة بـمنظرهم المُضحك جعل ضحكته تصدح رغماً عنه بـقوة حتى أدمعت عيناه، التفتت الفتيات له بـنظرات غاضبة وغامضة بادلهم هو بأخرى هادئة وتحدث:
_ تعالوا هفهمكوا كل حاجه..
تبعوه بـصمت وعقل « أثـير» يعمل كـطاحونة قاسية والكثير من التساؤلات الغامضة تفتك بها !! تابعت بعينيها نظرات ذلك البارد الذي يدور حولهم ببسمته المستفزة ، يكفيها برود للآن… أخرجت شحنة توترها وغضبها بصوتها الحاد هاتفة :
_ ممكن تفهمنا إيه اللي حصل وإزاي وليه؟؟؟؟
جلس «ثائـر» أمامهم واكتسبت ملامحه برودة كالصقيع :
_ اللي حصل إن جوزك كان مغفل!! متستغربيش، مشى ورا رساله من رقم مجهول بعنوان وراح تحت مسمى إنه يعرف الحقيقه ويريح نفسه!! ولحسن الحظ إن نومي خفيف وكنت وراه لحد ما طلع شقة عرفت إنها لميار!! فضلت مراقبه ووصلت البيت قبله ومعرفتوش إني شوفت حاجه وبعدها حصل اللي شوفتوه، دورت الأيام اللي فاتت وراها وعرفت إنها كانت مسافره برا وإنها بتشتغل فتاة ليل
جحظت عيني الفتاتين واكتفوا بالصمت فتابع هو بهدوء :
_ عرفت إنها هتجيلي أول ما تعرف إني عرفت حقيقتها، الموضوع مكنش صعب أي جريمه ليها ثغره زي القضايا، وزي ما هي زورت موتها بالفلوس وفي جثه تانيه من المشرحه اللي ادفنت مكانها أنا قدرت أعرف كل دا بالفلوس … مكنتش بروح لركان عشان عارف إنه متراقب زي ماانا متراقب بالظبط، كنت متوقع إنها هتيجي وجهزت لسمير كل الأدله اللي بتثبت إنها عايشه …. وأهمهم إن الشرطه كانت مرقباها لما وصلت هنا …
لم تختفي صدمتهم ولو قليلاً بل زاد حقدهم على تلك الأفعى، كيف لـفتاة أن تخطط وتكذب وتلفق مثل تلك التهم!! كم كان عقلهم بل وقلبهم طاهراً ليستوعب مثل هذه الأمور!! ولكن ماذا إن رأوا قسوة العالم أجمع!! لم يروا ظلم النفوس وقتامة العقول وفساد الأرواح!!
بقت « أثير» على حالتها صامته وجهها شاحب عينيها تلمعان من كثرة دموعها التي تأبي السقوط روحها فاصت بها وغادرتها، هي ضعيفة بكل ما للكلمة من معانٍ ونتائج، لا تقدر على تحمل كل هذا النفاق!! ساذجة!! ولكن لما تفعل تلك المرأة هذا بهم!! أدارت وجهها بحمرته الشديدة ناحية « ثائـر» وهمست بـغضب وحقد:
_ وهي ليه بتعمل كل دا؟! ليه رجعت؟! ليه دمرت حياتي؟!!
عجز « ثائر» عن إجابتها هو بالفعل لن يجيبها وإنما اكتفى بـخفض عينيه عنها وتمتم بـتأثر لحالها:
_ إجابة السؤال دا عند راكــان لواحده
ضحكة متهكمة نجمت عنها ما لبثت أن تبعتها دموعها المتألمة وهمست بـحرقة:
_ مبقاش فيه راكــان من النهارده… مبقتش عاوزه اشوفوا… معرفش حد في حياتي بالاسم دا…
تركتهم بـصدمتهم وخرجت مسرعة ولم تتوقف دموعها، بينما وضعت « هبه» رأسها بين كفيها بـتعب وألم لحال تلك الفتاة التي ببعض الأيام أصبحت صديقتهم لأنها تماثلهم بتشوههم الداخلي!! هي أيضاً عاجزة مثلهم!! لمعت عينيها بـالدموع وهمست بنبرة متألمة متعبه:
_ ليه بيحصل فيها كدا! كل دا عشان حبت؟! كل دا عشان وثقت في راجل؟! عشان سلمت قلبها ومكنتش بنفس قذارته واتعاملت بطيبه وصدق! استغلها!! طب وكسرتها! بيحبها؟! طب ووجع قلبها اللي مفيش دوا هيقدر يدوايه ولا يهديه؟! وروحها؟!!!
ظلت تهرتل بـكلماتٍ غير مترابطة وعلى نحيبها بأنينه وتعبه بينما توقفت حروف « ثائر» بـجوفه رافضة الخروج تاركة لها مساحة كافيه من الضعف والانهزام الروحي لعل قلبها يهدأ ويعيد فرض حساباته!! فاق من شروده على صوت نشيجٍ عالٍ يأتي من الداخل! الصوت ليس لوالدته ولا لـ « رحمه» فهي بـجانب شقيقتها!! ضرب جبهته بـعنف عندما تذكر الصغير المُرتعب!! كيف لم ينتبه لـوجوده كل تلك المدة!! نهض باحثًا عنه بـقلق وليته لم يجده!! ليته!! وجده متكورًا على نفسه محتضنًا دفتره الأسود لـصدره ودموعه تهطل بـغزارة ألمت قلبه!! اقترب منه وجذبه بـلطف لـصدره ومسح على خصلاته الفحمية التي تشبه والده العاهر وهمس بـهدوء:
_ بتبكي ليه في حاجه تعباك؟! حد زعلك؟!
لم يتلقى إجابة من الصغير فـتنهد بـقلق وحمله للخارج، لم يكن جيداً بـأمور الأطفال، لم يحمل طفلاً قبل ذلك؟! لا يعلم كيف يطمأنهم ولا كيف يمرح معهم!! هو بـالكاد يخرج طاقته مع « رحمه»، راقت نظرات « هبه» المستفسرة وتوقفها عن البكاء عندما رأت الصغير بين يديه ببسمة راضية وتمتم بتوضيح :
_ دا حمزه ابن راكــان
لا تعلم لما للحظة انتابها النفور من ذلك الطفل! ولكنها ما لبثت أن عادت لـعقلها، كيف تعاقبه على خطأ ليس بيده؟! تنهدت بـعمق واقتربت من الصغير الباكي وهمست بـحنان:
_ مالك يا روحي…
رفع « حمزه» عينيه لأول مره لهم وكانت كـطعنة قاسية حُفر آثرها بـقلوبهم وهمس بـأنين مزقهم:
_ أنا مليش غيرها هم لي خدوها مني؟!
جملة كانت كافية بـحرق فؤاد المستمعين له حتى تتساقط دموعهم بـصمت، نبرته التي حملت الرجاء والألم واليأس أصابتهم بـمق…تل!! خرجت « هبه» من صمتها بـبسمة مصطنعة وهمست بـمرح:
_ هترجع قريب بس ينفع نبقى أنا وأنتَ نبقى صحاب؟
رأت السعادة جلية بـعيناه والأمل الذي تدفق لـحواسه وسرعان ما ظهر التردد عليه وهتف بـتذبذب:
_ أكيد…. أنا مش عندي صحاب خالص
احتضنته « هبه» بـقوة تحت نظرات « ثائـر» الهائمة بها وبسمته السعيدة التي تزين محياه، رغم ما يجول بـخاطره من أمورٍ شنيعة يشعر بـقدومها إلا أن بسمتها التي لم يراها بسبب نقابها جعلته كـطيرٍ يغرد بين السحاب…
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بـاليوم التالي وقف « ثائـر» أمام مركز الشرطه ينتظر خروج «راكــان» بـقلق، لقد أخبره «سمير» ليلة أمس بعد اعتقال « ميار» أنه سينهي الأمر اليوم ولكن لما كل ذلك التأخير!! نظر بـساعته بـضجر ثم رفع نظر لـتتقابل نظراته مع « راكــان» صديقه! وابن عمه! وأنيس دربه الوحيد! بدى كـعجوزٍ بـشيخوختها بـملابسه المتسخة ووجهه الممتعض وعيناه الذابلتين بـهالاتها السوداء! مع نمو لحيته لـيبدو كأحد زعماء المافيا بل وأسوأهم على الإطلاق!! وكأنه خرج للتو من قتالٍ دام لـسنوات!! اقترب منه بـلهفة وجذبه بـعناقٍ ساحق، ابتعد عنه لـثلاثة أيامٍ ربما!! تباً هو لن يتحمل بعده ولو ليومٍ واحد!! لم يتحرك جوف « راكــان» بـهمسة واحدة منذ خروجه حتى وصولهم للبيت وبقى على هيئته شارد الفكر، وصل أمام منزله وصعد بـتردد من القادم!! لم ينتبه لـتلك الواقفة تتابعه بـعينين دامعتين وقلبٍ فُطر من الألم والحُطام، حمدت ربها على غشاوة الدموع التي عبأت عينيها وجعلتها عاجزة عن رؤيته، لقد أتت صباحا بعدما أخبرها « ثائـر» بأنه سيخرج اليوم، لا تعلم لما أتت ولكنها عليها إنها كل شيئًا اليوم!!! استجمعت قوتها وجلست بـجانب كلاً من والدة «ثائـر» وحماتها راسمة بسمة مزيفة على ثغرها مُحيت عندما رأته بـهيئته المذرية أمامها، علت أنفاسها ورغم سرعتها إلا أنا عجزت عن مواكبة قوة خافقها، أغمضت عينيها بـتعب لتتهرب من نظراته المشتاقة لها حد النخاع!! فرت دمعة وحيدة من مقلتيها الغائمتين بـالحزن وهي تراه مُقبلاً عليها، تنهدت بـعمق وأزالت دموعها وهتفت بـقوة عندما شارف عليها:
_ بما إن الكل هنا ومفيش حاجه مستخبيه….
كورت قبضتها بـقوة حتى استشعرت بـسائلٍ ساخن بين أصابعها ولم تأبه للألم الذي خلفته أظافرها وهتفت بـقوة وكأنها تمتلك العالم بـأسرة وليست أنثى محطمة لأشلاءٍ:
_ أنا وراكـان هنتطلق….
لن يغضب بل لن يثور هو فقط يريد ضمها الآن! يريد النوم بين ذراعيها حتى تهدأ وتنتظم أنفاسه ويُسلب قوته! هل هذا جزاء شوقه ولهفته لها!؟ هل هذه ضريبة حبه اللانهائي لها؟! أهكذا تقابل عودته؟! لما ينكر هو كان يتوقع! كان يعلم أنها لن تصمد ولن تغفر له!؟…
ابتسم بـهدوء ولم تعبر ملامحه ولا على ذرة واحدة من مشاعره المختلطة وخرج صوته الغائب منذ فترة:
_ موافق يا أثـير هانــم…..
الفصل الثامن عشر
شظايا الكلمات
قهر الرجال… وما بشاعته وعُمق ألمه… هل الدموع للأنثى فقط! ألا يحق لهم البكاء ولو خلسة! أليسوا بشرًا وداخل صدورهم عضلة بحجم قبضة اليد تدخر الألم! هم الأقوى والأقوم… وكذلك الأبشع والأكثر ألماً عندما يتطلب الأمر…
ترك جسده أسفل المياه الدافئة مُغمضًا عيناه بـقوة وكأنه يهرب من هواجسه التي تق…تله، لم تنقبض عضلة واحدة من جسده فقط استعمل الأرتخاء وقلة الحيلة وتقبل الأمر، حديثها، صوتها، ملامحها، عينيها وما أدراك ما عينيها، هل تلك الحدقتين تمعنوا به بـحب ذات يوم!؟ هل نبت حبه بـقلبها ولو للحظة عابرة!؟ من تلك التي كانت نصبت عودها أمامه بـقوة وكبرياء! أتلك زوجته التي أحبها وسار بها على خطوات الثقة والحب؟! أتلك طفلته المدللة التي كان يضع قلبه أسفل قدميها؟! أهذه الفتاة الغريبة وقعت له؟! كيف؟! وكل شاردة وواردة منها أثبتت أنها نزعته؟! أجل نزعت حبه من قلبها بل ودفنت بقايا الجذور رافضة خروجها للحياة مجدداً! هل أستحق كل ذلك الألم لخطأ عُقبَ عليه من أمد!؟ ندم! بكى! قُهر! تحسر! وتاب… أغلق المياه وتنفس بـقوة مخرجًا الهواء المؤلم من بين طيات قلبه النازف، لم يكلف نفسه عناء تجفيف جسده بل ارتدى ثيابه وخرج، لم يتوقف عقله اللعين عن جلده وكأنه يستحق ذلك؟! هي من تركته… هي من أرادت الطلاق ومجرد أن وافقها ابتسمت وكأنها حصلت على طوق نجاتها وخرجت!! لم تضمه! لم تبتسم له لأنه عاد من حبسه بل فقط خرجت! خرجت تاركة قلبه يبكي دمًا وروحه تصرخ من قوة جلدها له وجسده الضعيف يطالب بوجودها!!
رمى بـجسده على الفراش بـإهمال وشردت نظراته بـسقف الغرفة المظلمة من حوله، لم يُحب الظلام بـيوم ولكنه اعتاد عليه لا يعلم كيف، تصنع النوم عندما استمع خطوات يعلم صاحبها تقترب منه…
دلف «ثائـر» بـصمت مُشعلاً الإضاءة وجلس على الفراش على مقربة منه يراقب تصنعه للنوم واستسلامه الغير مقبول، بعدما ذهبت «أثـير» بعد سماعه موافقته ولم تنتظر أي إجابة أخرى منه غادر هو الآخر لـشقته بـخطوات ميتة وجسدًا آلي، حمحم بـضيق وهتف متسائلاً:
_ ايوا وبعدين هتفضل عامل شبه المطلقه كدا ولا تفوق وتبقى زي الرجاله ولا إني أشك!
لم يفتح الآخر عيناه وإنما اهتز رأسه من ضحكته المتهكمة وتمتم بـعبث وكأنه خالٍ من الآلام التي كادت تمزقه!:
_ أنتَ بتقول فيها ما أنا هبقى مطلق فعلاً… يخربيت بوزك الفقر
ابتسم «ثائـر» بـسخرية وانحنى بـجزعه العلوي جاذبًا إياه من قميصه النصف مفتوح وهتف بـتوعد:
_ وحياة أمك وأمي يا ابن عمي لو ما فوقت وصالحت مراتك واتأسفت ليها لكون معرفك إزاي تبقى راجل
أنزل «راكــان» يديه عنه بـتعب وناظره بـعينيه المُظلمتين وأردف بـاستسلام:
_ تفتكر مكلمتهاش؟! متأسفتش!؟ مشرحتش!؟ عملت كل دا وعارف إني غلطان بس دا كان ماضي! ماضي اتعاقبت عليه ودفعت تمنه ولسه بدفع تمنه وهي بكل برود عاوزه تنهي!
نهض بـألم مُبعدًا وجهه عن صديقه وهمس بـصوتٍ مختنق من حبسه لـدموعه:
_ بكل برود عاوزه تطلق! عاوزه تسيبني على حاجه مليش ذنب فيها! عمري ما كنت ضعيف غير معاها ولا بكيت غير بسببها! عمري ما حبيت غيرها ولا قلبي دق عشان واحده غير ليها!! استنيتها تكون جنبي ولو لمره! كنت عاوزه تفهم إنه مش ذنبي! وحتى لو ذنبي كان ماضي وخبيته عشانها! خبيته عشان متتوجعش!! خبيته عشان عارف إن دا هيحصل!! بس كان جوايا أمل إنها تفهم! تحس بيا!! بس..
انخفضت نبرته وطغى الألم بـقوة عليها عندما تذكر إصرار نبرتها وملامحها الصارخة بـالبعد وهمس بـصوت خافت:
_ كنت عاوزها تحضني أو تجري عليا وتطمن أو حتى تبتسم! بس قوتها وهي بتطلب الطلاق أكدتلي إني وقعت منها! إن أثـير اللي حبتها مش موجوده قدامي، كانت قويه! أو بتتصنع كدا في كلا الحالتين مبقتش عوزاني!!
نبرته ألمت المستمع له حتى عندما تهرب منه حتى يسمع لدموعه رآها بـقلبه، شعر بها وكأن سخونتها تحرقه هو!! نهض بـابتسامة زائفة وهتف مربتًا على كتفيه:
_ أنتَ أدرى بـيها عننا كلنا، أنتَ أكتر واحد عارفها وعارف إزاي ممكن تتصرف بعد اللي حصل، أي واحده مكانها كانت هتعمل كدا، لما تلاقي مرات جوزها الأولى راجعه بعد عشر سنين ومعاها ابنها اللي هو نفسه ميعرفوش!
التف «راكــان» بـغضب وتشنجت عظامه حتى وصل صدى احتكاكها لـ «ثائـر» وهتف بـغضب وألم:
_ أنتَ بنفسك بتقول معرفش!! معرفش إنها كانت حامل!! مكنتش أعرف إنها بتحبني ولا كنت مستني منها أصلاً! بس كنت مستني مراتي وحبيبتي تكون جنبي وبعدها تغضب عليا براحتها!!
هز «ثائـر» رأسه بـموافقة يعلم صدق حديثه ولكن من خلال تلك الأيام التي التقى بـ «أثـير» علم كم هي أنثى ضعيفة بل لو وُجِدَ معنى أقل من الضعف لكانت هي! تلك الفتاة فَقيدة للثقه بذاتها وهنا تكمن المعضله! تنهد جاذبًا الآخر للفراش وجلس مقابلته وتمتم بـضيق:
_ هكلمك من خلال تجربتي… كلنا عندنا قلوب وكلنا بشر وكلنا بنحب بس مش كلنا بنتوجع زي بعض! مش كلنا نقدر نتحمل! مش كلنا بنثق في نفسنا! تخيل لوأنا حطيت إيدي في مايه دافيه زيك ما تحطها على جمر!! كل واحد مننا بيتقبل المشاكل والخذلان حسب قوته وفي مننا معندوش ثقه خالص! لما بيزيد الألم بنصبر للأسف ونتحمل بس ممكن تيجي قَشه!! عارفها هي دي اللي تكسر جبل الوجع دا ووقتها بنبقى معمين ومش قادرين نفرق بين الصح من الغلط! مش كلنا زي بعض يا ابن عمي ولا كلنا أقوياء كفايه….
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بعد ساعاتٍ متواصلة من القيادة الشاردة ودموعها التي لم تتوقف وجدت نفسها بـمنطقة نائية، لا تعلم ما الوقت ولا أين موقعها ولا لما هي هنا!! هي فقط تعلم أنها تتألم! بل ما يجيش بـصدرها أعمق من الألم، تريده أن يتوقف، قلبها يتألم وكأن الدماء سُحبت منه! تتألم لـنظرة الاستسلام وخيبة الألم التي رأتها تندلع من عيناه الذابلتين، تتألم ضعف ألمه ولا تعرف كيف تفوهت بتلك الكلمات هي كانت تخشى قولها بينها وبين نفسها ولكن وجدت لسانها ينطق بها!! ولكن لما؟! لما وافقها؟! لما سار على خُطى ضعفها؟! هل حقاً سيتركها؟! مهلاً ألم تريدي ذلك؟! لما التناقض والخوف الآن لما الألم من الأساس؟! هو من كذب… من خدع… من استغل… من جعلك تبكين!! هو فقط المُلام الوحيد على وجعهم الروحي! شعرت بـأنفاسها تنسحب بـبطء وحاولت بـكل قوتها إدخال الهواء لرئتيها ولكنه مفقود! شعرت غياب الهواء من حولها وكأنه يلومها وكأنها هي سبب ألمها؟! اللعنة على مرضها اللعين، مريضة ربو من صغرها ولكن هذا توقف من زمن! لما عاد الآن؟! سحبت حقيبتها بـصعوبة وفتحتها بـهمجية حتى قبضت أصابعها على بخاخة الربو التي لا تفارقها ووضعتها بـفمها ضاغطة بـعنف عليها كأنها ملاذ حياتها الوحيد، بعد مدة هدأت أنفاسها وأغمضت عينيها لـتنزل دمعة باقية تحرق خديها كأنها جمر، دون إرادة منها وجدت يديها تقبض على هاتفها بـتعب وبسمة متعبة تعلو ثغرها، ضغطت أصابعها بـضعف تجري اتصالاً ومضت ثوانٍ حتى أتاها صوته!! صوته المُتعب مثلها! صوته الذي اخترق روحها وكأنه سهمًا طليق، ضغطت على شفتيها بـمرارة وهمست بـوجع:
_ محتاجاك…
كلمة وحيدة من عدة أحرف قالتها ثم استمعت لـصوت أنفاسه تعلو بـقلق جعلها تبتسم بـوهن وهي تتلقى أسئلته عن مكانها الذي لا تعرفه ولكنه أخبرها أن تظل معه على اتصال حتى يتبع موقعها..
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
جلست «ورده» تعبث بـطعامها بـتوتر والجميع يختلس النظر لها!! ناظرها «براء» بـعينين متعجبتين أتلك زوجته الوقحه؟! من حُمرة خديها علم أنها تشعر بالخجل ولكن لما؟! والأهم أتلك تخجل؟! لقد لقنته الانحراف كجرعة يومية!! جذب الملعقة من يديها وهز رأسه بتساؤل لها بينما هي ابتسمت بـقلق وعقدت ذراعيها ناظرة لـوالدها وتمتمت:
_ بابا كنت محتاجة أخد رأيك في حاجه
ترك والدها طعامه وأبصرها بـقلق فعندما تناديه بـ بابا يعلم بـقدوم مصيبة لا محالة من ذلك الجذر البرئ! شبك يديه أمامه على الطاولة وتمتم بـاهتمام:
_ خير يا وش المصايب مش مطمن للنظره دي
ابتلعت ريقها بـخوف لا تعلم كيف ستقول ذلك ولكن عليها فلا مجال للتراجع الآن، نظرت لـ زوجها القلق وأعادت نظرها لـوالدها وهتفت بـقوة وخجل:
_ أنا وبراء عاوزين الفرح يكون بعد شهر
جحدها «براء» بـنظرة غاضبة وحادة جعلتها تدرك فداحة فعلتها ولكن ما تفوه به جعلها تكاد تصاب بـأزمة قلبية عندما هتف بـإصرار:
_ بعد اسبوعين يا عمي هي بتحب تهزر
أحقاً هذا ما قاله! ظنت أنه سيغضب لأنها من تحدثت وليس هو ولكن ذلك الخبيث الوسيم تفوق عليها! أشاحت بنظرها عنه ونظرت لوالدها بـوجه الجرو اللطيف خاصتها وأسبلت بـعينيها له ولكنه قاطعها بـتقزز مصطنع:
_ والله لو عملتي وش بومه حتى أنتِ هتفضلي بشكير
حسنا يبدو أنها ستكون أضحوكة الغداء الخاصه بهم وخاصة ووالدتها وزوجها انفجرا بـضحكاتهم عليها! جعدت ملامحها بـتقزز لهم وهتفت بـضيق:
_ أي يا حاج راعي إننا بنحدد فرحي وكبرت على الكلام دا واللي جنبي دا زوجي وقرة عيني وكدا
رمقها والدها بـنظرة ساخطة وقلب عينيه بـملل زائف منها وتمتم بـبسمة:
_ الله يكون في عونه دا أنا هدعيله فجر وعشا وفي كل صلاه
ضربت الطاولة بـغضب مصطنع ونظرت لـزوجها ووالدتها الهالكين وسط ضحكاتهم وتمتمت:
_ عجبك كدا خليت برادة الحديد تضحك عليا!!
حمحم «براء» ولم تخلو نبرته من الضحك وتمتم:
_ براده ارحم من بشكير والله أو وش البومه.. يا بومه
نهضت بـحدة زائفة ورمقت الجميع بـنظرات غاضبة وحادة بادلوها بـأخرى إما ساخرة أو ضاحكة والأهم والدها! نظرات ماكرة! مسحت وجهها بـغضب ورفعت سبابتها لهم وتمتمت بـتوعد:
_ سأخبر الله بكل شيء… منكوا لللااااه
غادرت لـغرفتها وسط أصوات ضحكات الجميع على غضبها وحركتها المتعثرة حتى كادت تصطدم بـباب الغرفة وتقع ولكنها تفادتها وناظرتهم بـسخط وأغلقت الباب بـعنف حتى كاد ينخلع!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
غادر «ثائـر» بعد حديثه معه بينما بقى هو يسترجعه، كلماته كانت دواءً لـروحه الخامدة، حقاً هو أكثر العالمين بـحالتها ومدى ضعفها وتشبثها به، لن يلومها مطلقاً، لن يعاتبها ولن يقسو عليها والأهم لن يجعلها تتوقف عن حبه لذلك السبب! أخرجه من شروده صوت هاتفه المُنبعث من جيب بنطاله المُتسخ الذي حفظه بـحافظة بلاستيكية حتى تبقى تلك الأيام عالقة بـذهنه، أخرجه وما إن أنار بـصورتها واسمها حتى انتفض جسده وأجاب بـتعب وشوق، لم يعلم ما أصابه عندما نطقت بـحروفها الضعيفة، شعر بـوجعها بـتلك اللحظة مما جعله ينهض نافضًا أوجاعه وقلة نومه واتبع موقعها، وصل لـمنطقة فارغة من البشر إلا منها! وجدها جالسة على الرمال ونظراتها زائغة بـمكانٍ بعيدًا كل البعد عنهم، لم يهتم لما دار بينهم صباحاً ولا لحزنه منها وعليها ولا لألمه فقط صوتها وألمها هما ما أتو به لهنا!! اقترب منها بـصمت حتى جلس جانبها وشعر بها تميل بـرأسها على كتفيه وتهمس بـصوتٍ مزقه :
_ مهما بعدت بلاقيني بهربلك، اعتبره مرض أو جنون بس أنا تعبت.. تعبت محاولات مع كل حاجه….طول عمري وحيده وبعيده الكل وبتقبل انتقادهم ونظراتهم اللي كانت بتموتني وبضحك وبسكت… بشوف نظرات السخريه والتنمر في عيونهم قبل كلامهم وببعد وأخاف… اتحملت وجع كتير وقسوة كل اللي حواليا وكنت عايشه… مش سهل أعيش بس حاولت وكل مره كنت بحاول كنت بوقع جزء من روحي وقوتي مع كل محاوله… على قد صعوبة الموضوع وقتها على قد استحالته دلوقت…
شعر بـدموعها التي بللت قميصه ونبرتها التي انخفضت مع ارتفاع أنفاسها وكأنها تحارب للصمود، حاول مقاطعتها ولكنه عجز أمام اشتداد قبضتها على ذراعه، أدمعت عينيه عندما بدأت سردها عنه! عن ما شعرت به…
عضت على شفتيها بـقهر وتذكرت تلك الأيام التي قضتها بـرفقته منذ أن أحبته!! وهمست بـاختناق:
_ أول مره لما لحقتني وقت ما مي وجعتني بكلامها اللي كنت أول مره أخد بالي منك، وسط قهرتي ابتسمت من جوايا، واتصدمت يومها لما لقيت متقدملي، كانت كدبه ابريل زي ما قولتلك فعلاً بس فجأة الكدبة دي بقت واقع وحقيقه قدرت أعيشها وغصب عني لقتني حبيتك… يمكن حبيت ثقتك اللي بتزرعها جوايا وقوتك اللي بتمدني بيها، لقتني عشقتك مع الوقت رغم إنه وقت قصير، كل مره كنت بتقرب مني كنت زي الطفله اللي لقت فرحتها بعد سنين عذاب وآلالام، لما بقيت ملكك لأول مره اطمنت بيقولوا لو حضنت شخص بتحبه مره مش هتقدر تبعد عنه طول عمرك وهتلاقي نفسك بـتجري ليه تحضنه وقت تعبك حتى لو هو سبب تعبك دا!!
رفعت رأسها من على كتفه وابتسمت بـخيبة أمل ومررت وجهها على ملامحه بـحب وهمست ودموعها تتلمس خدها بـدفء يفتقده قلبها:
_ لما شوفت الرساله دي خوفت جوايا حاجه قالتلي أنتِ ملكيش حق تفرحي! جوايا خوف أكدلي إن فعلاً النهايه قربت رغم بدايتها! لما عرفت بـجوازك حسيت بنار جوا.. جوا في مكان أبعد من قلبي… نار بتحرق روحي… بس لما شوفت صدقك لما حكتلي قولت هسامح! هلومك واخاصمك شوي بس هسامحك لأني شوفت ندمك وتعبك والأهم حبك!! بس لما عرفت بابنك مقدرتش مش قسوه مني والله… والله ما قسوه بس كل اللي عقلي قاله إن لما هشوفه هفتكر الست دي وإزاي لمستها!! إزاي كانت على اسمك!! بس مهما كان هو طفل! ملوش ذنب!! بس أنا مش قويه كفايه إني أنسى! أنا ضعيفه وأنتَ عارف….
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
جلست «هبه» بـالمقعد الخلفي مع شقيقته وجلس «حمزه» جانبه بملامحه الهادئة أخفضت عينيها تتهرب من نظراته التي
تحوم حولها، تعلم أنه بُعدها لا يروقه ولكن لا تراجع عن ذلك الأمر، تنفست بـسعادته لـمجرد تخيلها زوجته! هل سيسعد قلبها حقاً ذات يوم! زُمرة من التشتت عجت بـرأسها وكم شعرت نفسها أنانية، ستتركه وسط مشاكله التي تنتهي وتبتعد! مهلاً أكان ذلك شيطانها اللعين بـخبثه ومُكره! حسناً ابتسمت رافعة حاجبها بـمكر هامسة لـذاتها بأنها تخطو نحو سعادتها ورضى ربها وما أروع من ذلك؟! احتضنت شقيقتها بـفرحة ولكنها ما لبثت أن اختفت عندما رأت انعكاس صورته المتهجمة بـالمرأة ينظر لها بـترجي! أخفضت رأسها كعادتها متهربة ولكن صوته الذي اخترقها وشعرت بـحدقتيه تسبقه:
_ ينفع نتفسح شوي باعتبار آخر يوم قبل فرض الحظر بتاعك!؟… ورحمه معانا طبعاً
ضحكت بـمرح وهزت رأسها بمعنى لا فائدة هذا الرجل رغم نضجه ورجاحة عقله وخبثه إلا أنه مُراهق!! أجل مراهق عندما يتعلق الأمر بها وهذا ما أصبحت متأكدة منه، أومأت له بـتأكيد وهتفت «رحمه» بـبهجة:
_ عاوزه اروح البحر يا ثائـر
ابتسم «ثائـر» بـتأكيد ولمعت عيناه لـرؤية نظرة عينيها العاشقتين وتمتم بـحنان:
_ عيوني يا قلب ثائـر
دار بـعنينه للصغير المحتضن دميته وابتسم بـحنان مربتًا فوق خصلاته وتمتم:
_ وأنتَ يا حمزه عاوز تروح فين؟
لم يتلقى ردًا من الصغير ولا بـنظرة عابره! ألمه قلبه لـحاله وتهدل ملامحه وذلك الحزن الكامن خلف اقتضاب وجهه ولكنه فضل الصمت…
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
رفعت « أثـير» كتفيها بـإهمال وأخدلتهم بـخيبة أمل وهزت رأسها لـتتساقط المزيد من عبارتها لتلهب روحه الناشبة وبالكاد صوته وصله رغم أن فقط الهواء هو الفاصل بين وجهيهما !!:
_ معرفش معنى القوه… واثقه فيك وبحبك بس قوتي مساعدتنيش إن أواجهك ولا عارفه انسى وجعي… أنا ضعيفه ومش عارفه أكون قويه…. لما وثقت فيك وحبيتك فكرت إن مفيش ألم تاني.. مفيش وجع هيزورني!! فكرت إني هكتسب نفسي اللي ضيعتها بس مش قادره، يمكن ردود فعلي كانت عنيفه ومتهوره ومبالغ فيها بس دا من حبي ليك….. يمكن حبك يشفعلك عندي بس محتاجه وقت!! محتاجه أبعد!! بالله محتاجه أبعد يا راكــان
شاركها دموعها بأخرى مماثلة، متألمة لحالها وحزينة لأجلها، نادمة ومعاتبة، شعر بـتقلص قفصه الصدري عند ذكر بعدها!! هل ستغادره!! كأن أحدهم غرس سيفًا حادًا بـقلبه ولم يصرخ! من فرط ألمه لم يصرخ!! روحه تحترق لـدموعها التي تهطل لـأجله ولكنه لا يستحق!! هو من الأساس لا يستحق ملاكًا كهذه! مد أصابعه المرتجفة يمحو دموعها وهمس أمام شفتيه بـبسمة :
_ اللي يريحك ويطمن قلبك ويرضيكي هعمله حتى لو هيوجعني…
ابتسمت مع نزول دموعها، هذا الرجل يمتلكها قلبًا وقالباً، يعلم كيف يصوغ كلماته لـتُبعث لـفؤادها النازف وتكون ضمادته المُهدئة، هي كانت مخطئة بقرار طلاقهم وتعلم لأنها رأت صدقه وعمق نظراته العاشقة لها ولكنها لن تنسى! دفنت وجهها بـعنقه بـعنف وهمست بـاختناق:
_ مش عارفه هبعد فين ولا قد إيه ولا لأمتى بس محتاجه وقت، الوقت كفيل يقفل كل الجروح ويداويها بس اللي متأكده منه إني هرجع ليك…
أحاط كفه رأسها وسارت أصابعه لـتنعم بين خصلاتها النارية وتنفس بـراحة وكأنه حصل على نصيبه من السكِينة وهمس بـخفوت وحب:
_ مهما بعدتي ومهما كانت حالتك قلبي عمره ما هيبطل يحبك، يمكن يتعب من حبك بس لا هيمل ولا هيزهق، لو لآخر لحظه هستناكِ
ضمته بـقوة تريد جعله ضلعًا داخلها وهو بدوره بادلها احتضانها وكم رغب لو تدوم تلك اللحظة وتتخلى عن فكرة ابتعادها، سيتألم ويصرخ ويتحسر ولكنه لن يوقفها لن يردعها عن قرارها، هي تحتاج الخوض لذاتها لتستكشفها وهو سيساعدها بذلك ولو تطلب الأمر حياته وما يملك…
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
جلست «رحمه» بـجانب الفتى الصامت هكذا لقبته وجانبهم «هبه» و«ثائـر» هي بالكاد سمعته يهمس لـشقيقتها مرة واحده منذ آتى ليلة أمس! نظرت لـ شقيقتها و« ثائـر» الهائم بها وابتسمت بـحب فهي تستحق ذلك وأكثر من ذلك، تهجم وجهها فور وقوعها على ذلك الصنم الصامت جانبها وهتفت بـملل:
_ أنتَ القطه كلت لـسانك؟!
لم يرفع «حمزه» عينيه لها واكتفى بـرمي الحجارة بالبحر وارخى ملامحه ولكنها عاودت سؤاله بـنبرة مرتفعة تظنه أصم:
_ أنتَ أطرش ولا أخرس عشان اعرف أعلى صوتي ولا نتعامل بالإشارة!!
تقسم أنها استمعت لـصوت ابتلاعه للعابه وما زاد الأمر سوء هي نظراته الفارغة عندما التقت أعينهم!! رأت عتمة لم تعرفها بـطفولتها! ذلك الطفل جعلها ترتعد رغم صمته!! واكتفت بـالابتعاد عنه بينما نهض هو مغادرًا!!
بقت عينيها تتابع خطواته الثابتة ودميته التي لم تفارقه وكأنه فتاة!! ضحكت بـسخرية على حاله أهذا سيصبح رجلاً ذات يوم!! دارت بـعينيها على شقيقتها التي تراقب حمزه وهو يتجول حولهم وما لبثت أن عادت له!! لا تعلم ما يجول بـخاطره ولكنه يتألم! أجل ولكن ليس بسبب أخذه من والدته ولا ابتعادها ولكن ألمه أكبر!! كادت أن تخرج زفيرًا عميق من صدرها ولكنه حبسته بـرعب وهلع عندما رأت جسد « حمزه» يرتفع يصطدم بـقوة بـسيارة سريعة ووقوعه وسط بـركة من دماءه!!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
دلفت « ورده» لـغرفته التي خصصها والدها له بعد إصراره عليه بـالبقاء، عقدت حاجبيها بـضيق من الظلام الذي يحيط به! أضاءت الغرفة وجالت بعينيها بها ولكنه لم تجده وكادت أن تخرج لولا سماعها لـأنين خافت من اسفل الغطاء!! هذا الصوت تعرفه جيداً!! ابتعلت ريقها بـخوف واقتربت مسرعة منه وجذبت الغطاء وليتها لم تفعل، وجدته يخفي وجهه بالوسادة لـيكتم صوت ألمه، تحسست كتفه بـحذر وأدارت وجهه لـتشهق بهلع عندما رأت احمرار وجهه وانتفاخ عينيه لـحبسه لدموعه!! نزلت دموعها بـغزارة عندما رأته ممسكًا بـمعدته يبكي كطفلا صغير أخذ إبرة كان يخافها!! رغماً عنها وجدت أنفاسها تعلو ودموعها تزداد لـستحبه لأحضانها بقوة ويديها تربت على معدته بـحنان وتهمس بصوتها الدافئ:
_ هينتهي…. هـينتهي… اهدى
أكانت تقنع نفسها أم تقنعه؟! تعلم أن هذا الألم سيزوره عند بداية مفعول جلسة الكيماوي بـجسده فهو كالنار تحرق ما تطوله عند مرورها، علمت أن هذا الألم لا يحتمل ولن يتحمله اعتى الرجال قوة وسألت عنه وليس بيدها حيلة لـتوقفه فحتى الدواء لا يسكنه حتى يزول مفعول هذا اللعين من معدته، يقولون أنه يدخل الجسم لـيداويه وإن وقع على الجلد يحرقه! بل يخفيه! هكذا هي روحها عندما ترى ما يعانيه زوجها وحبيبها!! ضمت رأسه لصدرها وهمست بـحنان:
_ هيوقف بس اهدى… ادعي… استغفر ربنا… هينتهي والله… خد نفسك بهدوء
رفع «براء» يديه لـيقبض فوق كفيها بـعنف وقوة ألمتها ولكنها لم تبالي هي فقط ترغب بتوقف ألمه! تريد نزعه عنه! كما أنها ترغب بـإزالة قناتها الدمعية حتى تتوقف عن البكاء!!…
عض الآخر على شفتيه بـقوة وهمس بـتقطع:
_ متخافيش.. الدكتور قال إن دا عادي… بس بيوجع… بيموت يا ورده
على ذكر الموت لم تجد من سوى ادخاله لـصدرها لـعنف بل لروحها راغبة بوجعه، ماذا ستخبره أنها تعلم! تعلم أن هذا سيحدث ولا يمكنها منعه!! أزالت دموعها وابتسمت طابعة قبلة فوق جبهته وتمتمت بـثقه:
_ هيزول بس ادعي… أقرأ قرآن… اذكره…خليك قوي عشاني… عشانا خليك قوي
أغمض عينيه بـتعب وشعور الموت لا يفارقه، يرغب بالموت عوضًا عن ذلك الألم الذي لا يتوقف ولا يعلم كيف ومتى سينتهى، كان بخير ويمزح ولكن فجأة شعر بنيران تهتاج بصدره ومعدته وصولا لروحه، أمعاءه تتقلص بـقسوة وكأنه تلعنه!! اعتصر عينيه من الألم ولكنه عاود فتحهم على صوتها وهي ترتل عليه آيات مختلفة بصوتها الهادئ عكس طبيعتها… إن قال أن السكينة لامست فؤاده عن سماع القرآن لن يكذب صحيح!! إن قال أن روحه احتضنتها الراحة لن يبالغ!! ابتسم مغمضًا عينيه وهو يشعر بقرب زوال الألم عنه ……
الفصل التاسع عشر
شـظـايـا الـكـلـمـات
وما للـدلال بـحضرتك سوى الصمت والتخفي، ما بال القلب بـمروركِ يرتجف!
كلٌ منا له نصفه الأقرب! روحه الأمثل! نصيبه الأفضل! حبه الصادق! وأخيراً نهايته المُستحقه…
أغلق المُصحف ووضعه بـرفق جانب صغيره! صغيره النائم بعيداً عنه منذ اسبوعٍ بـعالمٍ آخر عجز هو عن إعادته، لا يعلم ما أصابه عندما هاتفه «ثائـر» يخبره بالحادث! تخلله شعورًا لا إرادي من الندم والاحتقار الذاتي، لقد أجرى التحاليل اللازمة لـيتأكد كون ذلك الفتى الغافي هو ولده! بـقسوته وقذارته نفى فلذة كبده الوحيد بعيداً عنه لـعشرة أعوام، تنهد مغمضًا عينيه بل هي أجفلت من تلقاء نفسها لم يزوره النوم منذ أكثر من اسبوع! يكفيه منظر ولده بجسده الصغير المُغطى بـالدماء ونظراته الفارغة المنافية للحياة وغير الراغبة بالمواصلة! أحقا يرغب بالموت!! لقد أخبره الطبيب أن «حمزه» هو من يريد ذلك! من يريد الاختباء بـعالمه الخاص ولا يرغب بالعودة لعالمهم! لم يسعفه الوقت لتركه والذهاب لـ والدته لـيعلم بما ملأت رأسه! وضع رأسه بـتعب على الفراش بـجانبه مختلسًا بعض الدقائق لـيرتاح عقله ولكنه ما لبث أن ابتسم عندما استنشق رائحتها وصوت خطواتها المتوترة، أكمل اصطناعه للنوم عندما شعر بها تقترب منه وتهمس بـحنانٍ لم يختفي حزنها منه:
_ هيبقى بخير صدقني، الدكتور قالي أنه قوي وبيدافع بـجسمه بس رافض الواقع وحابس روحه، خليك قوي عشانه
انحنت طابعة قبلة عميقة فوق خصلاته السوداء وأخرى مثلها على كف يده وهمت بـالذهاب ولكنه جذبها بـقوة دافنًا وجهه بـصدرها وهمس بـاختناق:
_ خليكي هنا… متمشيش
ابتسمت «أثـير» بـحزن وحاوطت رأسه لـجسدها وهمست:
_ أنا هنا لحد ما يفوق بس خليك أنتَ قوي هو محتاجك أكتر من أي حد
شعرت بـهزته النافية أمام بطنها وتبعها صوته المتقطع بـخوف:
_ معرفش هيتقبلني ويسامحني ولالا ثائـر قالي إنه مبيتكلمش مع حد وفي حاله
ابعدت رأسه عنها وانحنت جالسة أمامه بـحب مكورة وجهه بين كفيها وهمست بـنعومة وصدق:
_ هيسامحك ويحبك مش مجرد كلام لا لأنه مش مخير أنتَ باباه والوحيد اللي باقي ليه دلوقت والوحيد اللي هتحاوطه بـحبك وحنانك، معرفش حمزه مر بإيه ولا شوفته قبل كدا بس أنا حاسه بحزنه من بعده، لازم تعافر عشان تسكن قلبه مش كل يوم الحياه بتدينا فرصه نكفر بيها عن أخطاءنا ونتعلم منها…
جذب «راكــان» كفيها بين خاصته وأخفاهم بـخوف أمام صدره وغاص بـنظراته القاتمة بين عينيها الغائمتين وتمتم بـرجاء:
_ بتمنى مصدر قوتي يفضل معايا عشان أقدر أكمل، هكون جنبه ومعاه بس خليكي جنبي
ابتعدت عنه بـارتباك ورسمت بسمة زائفة وهتفت بـتعلثم:
_ أنا راحه… الجامعه.. عشان في اختبارات النهارده ليا…
ابتسمت بحزن معتصرًا عيناه لهروبها الذي بات واضحًا منه ولكنها تستحق محاولاته! لن يتوانى عن دعم قرارها وخاصة عندما أجلته حتى يستفيق «حمزه» ولم تغادر، نهض مقتربًا منها حتى بات أنفاسه تتصدى بـخصلاتها النارية، أحاط خصرها بين عضديه وشعر بـرجفته ولكنه لم يهتم يحتاج لـقربها، يحتاج لتخزين أنفاسها داخل صدره ليكمل قوته التي بدأت بالتراخي والضعف، أبعد خصلاتها عن مرمى عنقها الأبيض ودفن وجهه بـقوة ملتهمًا جيدها الناعم سامحًا لشفتيه بالتنعم داخله ولقلبه بالولوج للراحة التي يفتقدها، شعر بهدوء أعصابها بين يديه مما جعله يشدد من ضمه لها متعمقًا بـشفتيه العابثتين بها، لم تهدأ شفتيه عن زرع القبلات المتلهفة والشغوفة على نحرها ولثم عِرقها النابض ليشعر بـسرعة تدفق دمائها وتوترها، تنفس براحة ولم يبتعد بل جذبها لصدره أكثر وهمس بـصدق ومشاعره تتضارب:
_ كنت محتاج كدا صدقيني وإلا كنت هضيع
أغمضت عينيها بـضعف من قربه الذي يُعيد لها الكثير من المشاعر التي تجاهد لـحجبها وخاصة الآن وسحبت جسدها من بين ذراعيه مُبعدة صدى أنفاسه المُلتهبة عنها والتفتت لـتتلاقى عيناهم بـنظراتٍ ضعيفة، نادمة، معاتبة، عاشقة ومشتاقة ولكنها جمدت كل تلك العواطف واختطفت قبلة لحظية من خده وجذبت حقيبتها مسرعة للخارج حتى لا تتلف أعصابها بحضوره وتضطر لمواجهة مشاعرها من جديد معه…
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
وقفت «هبه» تُرتب ثيابها وعينيها شاردتين كـقلبها، لم تهاتفه منذ حادثة «حمزه» ولم تسمح له بذلك بل عندما يأتي لا تخرج للقائه بل تضع الأعذار الواهية التي أصبح يعرفها ولكنه يأتي رغم ذلك! حملت نفسها ذنب ما أصاب ذلك الصغير الذي لم يسعد بحياته وعندما ابتسمت له ليصبح مع والده أتت هي لتغفل عنه ليقع وسط دماؤه ويختفي عقله في عالمٍ موازي لهم، أدمعت عينيها عندما تذكرت لهفة «راكــان» والده الذي لم يراه قبل ذلك ولكنه بالأخير والده! ألقت بـجسدها على الفراش بـتعب متذكرة صديقتها «ورده» لم يغفل عقلها عنها الفترة الماضية وتعلم ما تعانيه مع زوجها، ابتسمت بـسعادة لـرفيقتها فمهما بلغ ألمها يبقى بـقلبها مساحة بديعة لها وحدها تلقاها بها وسط حزنها وتضمها وسط ضعفها، تلك الفتاة نعمة الله لها ولكنها شبه هجرتها! لم تلقاها منذ مدة ولا تعلم حالتها حتى عندما عادت لبيتها لم تذهب لها! خفق قلبها فجأة عندما استمعت لـصوتها بالخارج! للحظة ظنت أنها تتوهم ولكنها ما لبثت أن رأتها تطل عليها بـضحكتها الجميلة وعينيها السعيدتين، لم تسعها الفرحة ونهضت مُغرقة نفسها بين أحضانها هامسة بشوق:
_ وحشتيني يا ست ووحشني حضنك
ابتسمت «ورده» بـسعادة وجذبتها للفراش ولم تفصل عناقهم بل شددت من ضمها لها وتمتمت بـحب:
_ وأنتِ أكتر، رجعتي امتى
هل عليها الصراخ بكونها تحبها مدى الحياه! هي لم تعاتبها ولم تسألها لما لم ترتادها! بل ضمتها وسألتها عن نفسها فقط!! لم تشأ الضغط عليها ولا لومها!! أتمتلك قلبًا داخل صدرها أم جنة تلك الفتاة! جذبتها بحيث تكون وسط أحضانها وهمست بـحب:
_ مش مهم خلينا كدا وهحكيلك… عندك وقت؟!
ابتسمت الأخرى بـصدق وربتت فوق رأسها بـحب وأردفت بتأكيد:
_ ولو معنديش وقت مش مهم… احكي وأنا هسمعك
لساعاتٍ ظلت تسرد لها ما حدث مع الجميع منذ غيابها ولم تسقط منها لحظة واحدة مما حدث وما كان من «ورده» غير الإنصات لها باهتمام والتركيز معها وكأنها تحكي تفاصيلٍ دولية! ابتسمت عندما لاحظت صمتها الذي طال وهمست:
_ خلصتي؟!
هزت «هبه» رأسها بتأكيد وأزالت دمعة وحيدة سقطت من عينيها وهمست بـتشتت:
_ أنا معرفش الصح فين والغلط فين ومش فاهمه إيه اللي بيحصل… تعرفي أثـير دي أول واحده ارتاح ليها من نظره بعدك، الوحيدة اللي شوفت خوفها وضعفها وتعبها وإنها شبهنا، البنت دي أضعف مننا حتى وجواها خراب لو متصلحش هيقضي عليها
أغمضت «ورده» عينيها لعدة دقائق وسرعان ما تحدثت بـهدوء:
_ هي مغلطتش… دا مهما كان جوزها وبتحبه وفي لحظات ضعف لقت إن الطلاق الحل بس لما هدت عرفت إنها كانت متهوره.. مغلطتش إنها فضلت جنبه وجنب ابنه اللي ملوش ذنب… محدش فينا ليه ذنب هو ابن مين ولا ماضيه ولا حتى حاضره أيه.. احنا بنتحط في الظروف مش بمزاجنا… هي تبقى غلط لو مبعدتش فتره!! مينفعش تفضل بضعفها دا! مهما كان حب جوزها ليه مش هيقدر يرتب الحطام اللي جواها ويرجع يبنيه تاني..
اومأت «هبه» بموافقه على حديثها وتنهدت بـراحة قاطعتها الأخرى بـهمسة:
_ فرحي الاسبوع الجاي
انتفضت «هبه» كمن لدغتها أفعى بصدمة وحكت أذنيها وصمتت للحظات أصابها الزهول وتمتمت بـتردد:
_ بتهزري صح؟!
صدحت ضحكات «ورده» على منظر صديقتها المصدوم ولها الحق هي لم تصدق حتى أن والدها سيوافق على طلبهم بتلك السرعة بل ودعمهم!! جذبت يديها تقربها منها وتمتمت بـمرح:
_ أكيد لا ويلا البسي عشان ننزل أجيب شوية حاجات بنات ليا
_ حاجات بنات ليكي أنتِ يا بشكير؟! عيب والله
لم تستطع «هبه» أمساك زمام لسانها في تلك اللحظة حقاً وخاصة عندما رأت نظرات صديقتها المرحة
جحدتها «ورده» بنظرات ساخطة واقتربت محاصرة أحد أذنيها بين أصابعها بـعنف وهمست من بين أسنانها:
_ عندك مانع يا بوز الفقر أنتِ؟!
ابتلعت «هبه» ريقها ونظرت لها من أسفل وجهها بـسخط هامسة:
_ لا يا بشكير الكلب
تركتها الأخرى ونهضت بـتفاخر وسعادة تدور حول نفسها بالغرفة تردد..:
_ ودوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه
قاطعتها «هبه» بتهكم:
_ الله يرحمه كان طيب وغلبان
رمقتها «ورده» بنظرة متقززة رافعة إحدى حاجبيها وهتفت بـحزم:
_ خمس دقايق لو ملبستيش عشان ننزل وحياة الغالين لأخلي صوتك يسمع ننوس عين أمه مطرح ما هو
فرت «هبه» مسرعة تبحث عن ثيابٍ مناسبة ترتديها فتلك الجاحدة لديها طرق خبيثة بالتعذيب، وضع حبات الثلج بالظهر، الصفع على المؤخرة، شد الأذن بطريقة تجعلها ترغب بالصراخ وكأن أحدهم يحطم عظامها! أهذا يكفي! حقاً صديقتها عنيفة بعض الشئ!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
وصلت «أثير» لـجامعتها بعد ساعة قضتها بالتفكير ومحاولة تجنب الحوادث بسبب تشتتها، تنهدت بـتعب وهبطت للداخل، لاحظت نظرات الجميع منهم الشامة والمُشفقة وأخرى حاقدة! تنفست بـهدوء وعبرت الساحة الخارجية ولكنها ما لبثت أن رأت كابوس حياتها ومصدر دمار نفسيتها الأول «مي الشناوي» فتاة السماجة العالمية، لا تعلم لما انتابتها نوبة ضحك تحكمت بها بصعوبة وعبرتها بـتجاهل ولكن ليست «مي» من تتركها إن لم تُسمم بدنها بـكلماتها اللاذعة!..
تجاهلت «أثـير» نظراتهم وضحكاتهم عليها ولكن ما تفوهت به تلك الأفعى بـتهكم:
_ ما هو واحد زي دكتور راكــان بحلاوته دي كلها مش هيكتفي بـالكوره دي بردو
حسنا… واحد… اثنان… ثلاثه… شهيق… زفير وهدوء…. ابتسمت «أثـير» لمحاولاتها التحكم بـغضبها التي أدتت ثمارها وجعلت الأخرى تستشيط غضبًا ولكنها لم تصمت وهتفت بـتكبر:
_ أنا لو بصحى على الشكل دا كل يوم كان زماني جالي قيئ لا إرادي دا ربنا رحمه
ضغطت «أثـير» على أسنانها تحكم دمعاتها التي أقسمت أنها لن تنزل مجدداً واقتربت منها بـعينين هادئتين كسكون الليل ولكن الأمر لم يطول وتحول ذلك الهدوء لـثورة من النيران واللهب وجذبتها بـعنف من خصلاتها ومن وسط شلتها أو بالأصح عصابتها وطرحتها أرضًا مُكيلة لها العديد من الصفعات العنيفة صاببة غيظها وألمها بها! لا تعرف لمدى ظلت تضربها بـقسوة متذكرة صوت بكاؤها ليلاً وصوت عقلها المتعب وأنينها الخافت بسبب تلك الفتاة والعديد أمثالها! كانت مقاومة «مي» مقارنة بها كنملة لـفيل! أهناك وجه نجاة! بالطبع لا ويستحيل، ابتعدت «أثير» بـتفاخر عنها ناظرة لوجهها الذي اختفت ملامحه من كثرة الكدمات ورمقت صديقاتها الذين رحلوا ما إن هجمت عليها وتمتمت بـسخرية:
_ اومال فين عصابتك؟! ولا هم اسم وشكل بس زيك!؟
لم ترفع «مي» نظراتها لها بل تساقطت دموعها بـصمت بسبب ألم جسدها ورأسها الذي اق..تلعته تلك الثمينة الكريهة!
رمقتها «أثـير» بنظرة ثاقبة وطبت شفتيها وتمتمت بـثقة:
_ لسانك لو طول تاني يا بتاعه أنتِ والله ما هيعرف دكتور يلم منك جزء جنب التاني… أنتِ شوفتي أثـير العيوطه والخوافه بس لسه مشوفتيش الهمجيه واللي حصل دا اعتبريه هدنة سلام معاها
هزت «مي» رأسها بـموافقة وارتجف جسدها من قوة التي أمامها، أتلك «أثـير» الخائفة التي كانت تبتعد عن مرمى بصرهم حتى لا يمزحوا عليها!؟ أتلك التي كانت تبكي تتوسلها ألا تجعلها أضحوكة؟! فاقت من شرودها على صوتها الحاد والحازم:
_ المكان اللي تلاقيني فيه تلفي وملمحكيش فيه عشان أنا صبري قليل ومهما كنتِ بنت مين ميهمنيش ولا يعنيني في شيء
غادرتها وعلى وجهها بسمة راضية بما صنعته يداها، شعرت بـهدوء غضبها رغم انفلات تحكمها وصبرها، يشهد الله أنها حاولت حجب تلك الجزئية منها وإخماد قسوتها ولكن الجميع دفع لذلك، الجميع هجرها عندما احتاجت لضمة تخفف صوت ألم روحها المجروحة، كانت تبكي بمردها وتبتسم! أحقا كانت تبتسم! كفاكِ كذبًا يا فتاة هي لا تعرف متى آخر مرة ضحكت بصدق! هم من صنعوا تلك القاسية والجاحدة لذلك هي ليست مُلامة ولن تندم!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
وقف «راكــان» بـبرود أمام زنزانتها ورمقها بنظرات فارغة، تلك سبب دماره الأول والأخير، لا يعلم ما يعانيه صغيره الآن بسببها، اشمأزت ملامحه عندما التفت له وعلى محياها بسمة خبيثة مثلها، راقب اقترابها منه بعينين فارغتين وهتف بـحزم:
_ عملتي إيه في حمزه
للحظة واحدة تألم قلبها وخفق لذكره لصغيرها الذي نُزع قصرا من رحمها قبل اكتمال جسده وهي عاجزة عن ردعهم ولكنها كانت لحظة رأى الندم بعينيها ولكنه تبدل لـجفاءٍ وقسوة وهتفت به:
_ الأيام هتعرفك… في حاجات الأفضل ليها تفضل سر عشان لو اتكشفت هنعاني كتير ونفضل شايلين ذنبها طول حياتنا
مد يديه من بين القضبان محاولاً إحكامها على عنقها سالبًا أنفاسها بسبب برودها وردودها القاتلة ولكنها ابتعدت وهتفت بـقسوة:
_ مش كلنا لينا حق نفرح لما نلاقي جزء مننا بيجري ويلعب قدامنا وإحنا عاجزين إننا نقرب منه ونضمه، بلاش تفتح في دفاتر قديمه هيجي ليها وقت وترمي اللي مخبياه بس لو اتفتحت قبل معادها هتكون أنتَ النادم الوحيد
غموض حديثها وقسوته جعلت قلبه ينتفض رعبًا على صغيره، لا يعلم هوية تلك المرأة بعد ولكن «ثائـر» أخبره أنها كانت تعمل بأحد بيوت الدعارة بالخارج!! ولكن هناك سؤال يلح عليه ويحتاج إجابة، لم يشعر، سوى بلسانه يهتف باستفسار:
_ عملتي تحليل DNA إزاي؟!
ضحكت «ميار» حتى أدمعت عينيها عندما تذكرت تلك الليلة، ألم ينتبه بغضبه عندما ذهبت لهم وأخبرتهم بـوجود طفلاً منه وسط هجومها أنها سحبت خلسة خصلة من شعره! أهو بتلك السذاجة! صدقًا كان ذلك أسهل ما في الأمر وغضبهم وسخونة الأجواء ما ساعدتها بذلك، همهمت بـتفكير وبصقت كلماتها بـتهكم:
_ سهله وسط ضربك ليا يوم ما قولتلك عن حمزه في شقة ثائـر شديت من شعرك شعرايه واحده وأنتَ حتى محستش!
ابتسم «راكــان» بـبرود وتصنع التفكير وما لبث أن هتف بـسخرية:
_ كنتي بتشتغلي في بيت دعاره! وكان معاكي فلوس كل الفتره دي وتقدري ترجعي اشمعنا الوقت دا رجعتي؟!
ألا يمل من الحديث بهذا الموضوع؟! ألا يعلم موطن الرعب الذي قاسته بالخارج؟! هي المُلامة الوحيدة لأنها من رمت بنفسها بين براثين الأسد وسمحت له بإحكام إغلاق فكيه عليها وعندما حاولت الخروج تصدت اسواره الحديدة لها! تنهدت بـتعب وزيفت ملامحها بـأخرى غاضبة وهتفت:
_ ايوا كنت شغاله في بيت دعاره… امشي يا راكــان ومتحاولش تفتح أبواب هترميك للجحيم وتاخد كل ساعدتك.. امشي وانسى وعيش مع ابنك ومراتك
رأى صدق حديثها ونظرة الرجاء التي توسلته بها، رآها تحبس دموعها حتى لا تسقط ولكنه بالأخير استشعر نبرتها المتألمة! تعجب من حالها ولكن صوتها أوقفها عندما قرر الرحيل:
_ خلي أثير تحضنه كتير وتنيمه في حضنها كل ليله وتلعب معاه، خليها تضحكله ديماً وتقولوا أنها بتحبه، خليها متسبهوش لواحده لأنه بيخاف الضلمه، هو علطول ساكت عشان متعودش إن حد يكلمه، خليها تفسحه وتحضنه جامد، متسبهوش لواحده خالص أنتَ كمان وحسسه بحبك، حمزه طيب، خليه يسامحني وقولوا إني آسفه وإني محبتش قده في حياتي… خليه يسامحني
قالت حديثها واختفت بـركنٍ مظلم بزنزانتها وخلفت فراغًا حزينًا بقلبه، صوتها الحزين وتوسلها جعله يدرك أنها تتألم وهناك ماتخفيه ولا يرغب حقاً بمعرفته، تنهد بـشفقة لا يعلم سببها واومأ لها وغادر تاركًا قلبها يتقلب بـألم…..
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
وضعت «ورده» القميص الشفاف على ملابسه أمام أعين «هبه» الماكرة وهمست بـخبث:
_ حلو صح؟!
لاعبت «هبه» أحد حاجبيها وقوست شفتيها بـنفي وهمست:
_ ارحمي الراجل شوي حتى وهو تعبان هتجننيه
ضحكت «ورده» بشدة حتى أدمعت عينيها ضاممة القميص لصدرها ولكنها أجفلت ما إن رأته أمامها وبسمة خبيثة تزين محياه!! هزت رأسها بـنفي ونظرت لـصديقتها التي تكتم ضحكاتها قدر الإمكان وهتفت بـخفوت:
_ هو هنا ولا أنا بتخيل؟!
هزت الأخرى رأسها بـتأكيد وسمحت لضحكاتها بالخروج واكتفت بالهروب بعيدًا عن مرمى بصرها، اقترب « براء» منها ونظراته الماكرة تدور على وجهها الذي اُصطبغ بالحمرة القانية وتمتم بـعبث:
_ كتري من الشفاف دا بحبه أووي
فتحت «ورده» فمها بـصدمة من حديثه الوقح ورفرفت بأهدابها بـزهول من جرأته أتظن نفسها وقحة أمام ذلك؟! يالسخرية فزوجها مرادف ثانِ للوقاحة والسفالة وماذا أيضاً؟! شعرت بيديها تقترب منها جاذبًا القميص ولكنها ضمتها بقوة لصدرها وهزت رأسها بنفي هامسة:
_ أنتَ بتعمل إيه في محل لانجري يا عديم الأدب والحياء
دنى منها «براء» بـحرج وهمس بـتعجب:
_ إيه لانجري دي يا روحي؟!
لكزته بـكتفه بـغيظ وأمسكت أذنه كطفلاً مذنب وهمست من بين أسنانها بـحرج:
_ عيب على طولك لما ورجولتك لما تدخل محل بنات يا عديم الدم والشعور
تأوه من قوة إمساكها له ولكنه ابتسم باستفزاز عندما وقعت عيناه على قطعة ما وهرب من بين يديها وجذبها ملوحًا بها أمام عينيها بلا خجل وهتف بـخبث:
_ حلو دا يا بشكير هناخده هياكل منك حته
غطت وجهها بكفيها وهتفت متمنية الذوبان:
_ كلتك عقربه عاميه يا بعيد منك للاه
سحبت نفسها بـخجل مبتعدة عنه ولكنه كان الأسرع بجذبها محاوطًا خصرها وهمس بوقاحة:
_ قولنا نكتر من الشفاف ولا أقولك بلاش خالص كله بيترمي في الآخر…
دفعته عنها بـقوة وفرت من أمامه والخجل يتأكلها خافضة رأسها عن عيون الناظرين ولكنها استمعت لصدى ضحكاته الرجولية تبعها نظرات النساء الهائمين به مما جعلها تُطيح بالخجل وعادت له جاذبة إياه من ياقة قميصه وتمتمت بـغضب:
_ عشان تكتم ضحكتك الحلوه دي يا أبو عيون حلوه
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
دفعت « هبه» الغرفة بلا استئذان ظنًا منها بوجود « أثير» ولكنها شهقت بـصدمة ما إن رأته أمامها! ابتلعت ريقها بـتردد ورجعت بخطواتها للخلف تنوي العودة ولكنه هتف بـهدوء:
_ ادخلي يا هبه ومتقفليش الباب
حاولت التقاط أنفاسها ولكنه فشلت كما فشلت بتهدئة قلبها هو الآخر، اقتربت جالسة بـجانب الصغير وتمتمت بـخجل:
_ الدكتور قال حالته إيه
رفع « ثائـر» كتفيه وأخدلهم بخيبة أمل وتمتم بـإرهاق:
_ كل مؤشراته الحيويه كويسه بس عقله رافض يرجع وبيحارب كل المؤثرات
هزت رأسها بـحزن وإشفاق عليه وتمتمت بـرجاء:
_ هيبقى كويس وبخير
أومأ لها بصمت ولم يرفع عيونه التي اشتاقت لها بل اكتفى بحجب نظراته عنها، رأت تعبه وإرهاقه الغالب عليه، ملامحه التي فقدت بريقها وابتسامته الرزينة التي كانت ما تزين ثغره ولكن أين هي؟! بل أين هو الآن؟! لما يتهرب من نظراته عنها؟! اشتاقت له نعم ولكنها تحارب ذاتها بالابتعاد حتى لا تندم، تنهدت بـتعب وقبلت الصغير ورحلت بـصمت، رفع « ثائـر» بصره ينظر بـمكان جلوسها وابتسم بـحزن وانحنى مُقبلاً الصغير موضع قلبتها لعله يستجمع بعضًا من قوته، لم يقدر على مواجهة عينيها لأنه يعلم نفسه الضعيفة أمامها، لقد قطع وعدًا على ذاته لن يقترب حتى تصبح له….
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بعد سبعة أيام مُرهقة من العمل والتسوق والحب! بل بعد أعوامٍ من الانتظار والتعب والشوق! ها هي تُقبل يد والدها بعدما انحنت حتى يُقبل رأسها لـتذهب لزوجها!!…
بـ دلالٍ وسعادة تتهادى من أعلى الدرج بـ خطواتها الواثقة نحو بدايتها الجديدة معه، أعصابها الحسية تستشعر مدى سرور خافقها بـ تلك اللحظات المُنيرة من حياتها، أغمضت عينيها لتُسكن دقات فؤادها الراكض وتلاقت عينيهم أخيراً بعد غيابها لأيامٍ عنه، بعض الدرجات فقط الفاصلة بينهم، اتسعت حدقتيها فور دورانها عليه بـ وسامته الفتاكة وجاذبيته القاتلة لها وحليته السوداء التي أوضحت صلابته وقوته، تنفست بـ عمق وشابكت ذراعها بخاصته بـ تملك متوتر لما هي مقدمة عليه، بعد معاناتها السابقة أخيراً أصبحت زوجته أمام العالم وبلا تردد ترغب بـ الصراخ بـ حبها وحجم عشقها المضني لـ ذلك الرجل الذي أوقعها بـ أسره وجعلها طفلته ومدللته قبل زوجته وحبيبته، لم يتغاضى عن أدق تفاصيلها بل لم يمل من كثرة حديثها وثقتها المهزوزة التي يعمل على إعادتها لها بكل مرة تفقدها…
«إن أردت شيئاً بشدة فـ أطلق سراحه فإن عاد إليك فهو ملك لك وإن لم يعد فإنه لم يكن لك من البداية» كم صادقة تلك العبارة بـ أدق حروفها قوة، أطلق سراح حبها بـ قلبه وغدَ بـ الأرض يفر هربًا وترك زِمام الألم ونيران الشوق تلتهم خلاياه وبلا مقدمة عادت قدماه لـ يصبح هو أسيرها الأول وطفلها الأحب ورجلها الأحن، ما بات عليه من قوة وسعادة يرجع لها وبها! هي من علمته كيف يصمد! كيف يتغلب على نِزاع جسده! كيف يتأمل اليوم الجديد بـ صدرٍ رحب! هي من أحب وسيظل يحب مهما بل منه الدهر، انفرج ثغره عن بسمة بلهاء منافية لـ طلته ولكن لـ حضروها عليه عواقب! بعدما يذهب تنتهي تلك الأُمسية ستصبح تلك القصيرة الوالجة لقلبه زوجته بلا قيود! سيبحر بها لـ بلاد عشقه ولوعته…
بعد ساعاتٍ طويلة انتهت الحفلة بـ الكثير من الدموع من زوجته البكاءة ووالدتها الحنونة ووالدها، انحنى بـ مرح لـ يحملها بينما شهقت هي بـ خوف وهتفت:
_ براء لا أنتَ تعبان
غمزها «براء» بـ مكر وعض شفتيه بـ وقاحة وتمتم بـ عبث:
_ والله عيب عليكي نبقى ليلة دخلتنا وتقولي كدا وعموما دقايق وتعرفي تعبان ولالا
دفنت «ورده» وجهها بـعنقه بـخجل بات يرافقها مؤخراً واكتفت بــالصمت بينما صدحت ضحكات «براء» السعيدة لـتنفتح أبواب حياتهم بــصدى فرحتهم العارمة، أنزلها بــعناية على الفراش وعيناه لا تزال مُسلطة على وجهها البديع وهمس بــعشق مُنعم بــسعادة:
_ مُبارك عليا أنتِ وقلبك وحبك يا ورده
ابتسمت الأخرى بــدورها بـبهجة ونهضت لـتصبح أمام ناظريه أكثر وهتفت بـهمسٍ خجل:
_ مُبارك عليا أنا أنتَ يا عيون ورده وحياتها الجايه
جذبها «براء» بــقوة مماثلة لــسعادته الجارفة وألصقها بـصدره وتحديدًا عِند قلبه وتمتم بــراحة:
_ أنا مش عاوز حاجه تاني في الدنيا دي بعد كدا، كفاية إنك وافقتي نتجوز وأنا لسه بتعالج
قاطعته «ورده» بــنفي وجعدت ملامحها بـ غضب مصطنع وغمغمت بـ حنق:
_ لا أنا عاوزه ولاد… ولاد كتييير يا أخويا مش هتنازل أنا
ضحك «براء» بشدة على مزاحها ووقاحتها التي يعشقها عن طيب خاطر منه وهتف بــمكر مقتربًا من وجهها:
_ والله أنا جهاز بتعرفي تعدي لحد كام؟
تصنعت التفكير لــثوانٍ معدودة ثم ابتسمت بــوقاحة وهتفت بــغرور:
_ مبعدش يا جيمي
صدحت ضحكات «براء» العالية تزلزل كيانها العاجز أمام سلطته فأمعنت النظر به وكأنه لوحة فنية وهمست بــبحة عاطفية:
_ بطل تحلو شوي حلاوتك دي خطر على قلبي والله
توقفت ضحكاته ولكن بسمته لازالت تزين محياه ودنى منها أكثر وإذا بــشفتيه تمتزج مع خاصتها بــقبلة محمومة وعاشقة جعلتها ترفع يديها لــتحيط عنقه بــقوة وتبادله مشاعره الضائعة بــأخرى مماثلة لها تاركين قلوبهم تقود القافلة لــوجهتها المعنية، ابتعدت عنه بــخجل وعضت شفتيها بــتوتر وهمست بــصوتٍ ضعيف:
_ لازم نصلي
دفعها «براء» بــخفة من خصرها لــصدره مجدداً وهمس بــجانب أذنيها بـصوته الرخيم:
_ نصلي ونلعب سوا يا حلوه
بعد نصف ساعة انتهت من خلع ثيابها وجلست بـثوب صلاتها على الفراش تنتظره، استمعت لـصوت المياه بـالمرحاض الخارجي ولكنها طالت! اقتربت بـقلق طارقة الباب ولكنها لم تتلقى إجابة فـعاودت مرة أخرة وكسابقتها لم يُجيب؟! دفعت الباب ولكنها فوجئت بأنه مفتوح! خفق قلبها بخوف وكأنها تعلم ما ينتظره خلف هذا الباب، دلفت بحذر وما إن رأته حتى شهقت بصدمة وتبعها صرخة عنيفة من أعماق روحها عندما رأته ساقطًا أمام الحوض ورأسه تنزف بـقوة حتى تلون قميصه الأبيض بحمرة قانية!!
يتبع….