رواية للكاتبة الجميلة ميمي عوالي

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

وقد كان …فلم تمض سوى خمس سنوات واختطف الموت خليل ، لتنتقل ورد إلى كنف عمها عتمان والذى كان مع قوة شخصيته يتمتع بحنان كبير كزوجته حكمت والتى كان يحبها ويكن لها احتراما كبيرا حتى أنه قد أسمى ابنه حكيم كناية عن اسمها والذى كان يبلغ من العمر خمسةعشر عاما عند وصول ورد إلى منزلهم بعد وفاة عمه ولديهم أيضا صفية الاخت الصغرى لحكيم والتى تكبر ورد بسبع سنوات ، ولكن بوصول ورد إلى منزل عمها كان الجميع يتعامل معها كقطعة الحلوى المغلفة وكانت مدللة الجميع ، واهتم عمها بتعليمها كما اوصاه أخاه ، وكان حكيم وصفية يقدمان لها كل الدعم ، وخاصة حكيم الذى كان يدللها كأنها ابنته وكان دائما يناديها بورد الجناين ،والتى كانت تسعد عند سماعها لهذا اللقب من الجميع عامة ولكنها كانت تسعد أكثر بكثير عند سماعها اياه من حكيم خاصة

وكم كان حزنها عندما أصر حكيم على الذهاب للقاهرة والاستقرار فيها ، فقد اتفق مع صديق له على افتتاح مكتبهم الخاص للمحاماة ، ولكن حكيم وعدها بأنه سيحادثها كل يوم وسيقوم بمراجعة دروسها معها على الهاتف وسوف يأتيها كلما استطاع أن يوفر وقتا لذلك

كان دائما يشجعها فى دراستها وتفوقها الشديد الذى كان يحسدها عليه الجميع حتى كانت نتيجة امتحاناتها بالثانوية العامة والتى حصلت على مجموع يؤهلها لدخول كلية الطب جامعة القاهرة ليبدأ التحول بمحور حياتها

فلاش باك

ورد ببكاء: بقى بعد كل التعب ده ياعمى مش عاوزنى اروح الجامعة

عتمان : ياحبيبتى انا ماقلتش كده ابدا ، انا بس مش هقدر ابدا اسيبك تروحى تقعدى لوحدك فى مصر

ورد : طب ماهو حكيم هناك …هياخد باله منى

لينظر لها عتمان بسعادة وكأنه قد وجد مصباح علاء الدين فينهض من مكانه آخذا ورد باحضانه وهو يربت على كتفيها ويقبل جبينها قائلا : خلاص يا ورد ..سيبينى بس النهاردة افكر ازاى ممكن اعمللك اللى انتى عاوزاه بس على شرط

لتتعلق ورد بعمها قائلة بلهفة : اؤمرنى ياعمى

عتمان : اللى اقول عليه يتنفذ بالحرف الواحد من غير نقاش

ورد : وانا من امتى بكسرلك كلمة ياعمى

عتمان وهو يربت على أكتافها : هى دى ورد بنتى حبيبتى

ليعرض عليها عمها فى اليوم التالى زواجها من حكيم والسفر معه إلى القاهرة ، وكم كانت سعادتها وقتها لمكوثها مع حكيم فى منزل واحد حتى أن سعادتها بهذا الأمر قد تغلب على سعادتها بدخول الجامعة

وقد أقام لهما عمها زفافا يليق بعائلتهم ومنزلتهم الاجتماعية والمالية ، واصر حكيم على سفرهم إلى القاهرة ليلة زفافهم وهى برداء زفافها ورفض أن يظل ساعة واحدة ، وأقنع أباه بأن ورد مازالت صغيرة وأنه لا يريد أن يخيفها أو يضغط عليها بتقاليدهم المعتادة ، ولحب عتمان الشديد لورد وافق على طلب حكيم وقاموا بتوديعهم بالزغاريد والبهجة الشديدة

وما أن دخلت ورد إلى شقة حكيم حتى واجهها حكيم بكل ما يخبئه فى صدره قائلا : تعالى ياورد اقعدى

لتجلس ورد بخجل شديد وهى ترسم أحلاما وردية بخيالها ولكنها تنتبه لكلام حكيم الذى قال : طبعا انتى عارفة أنا بحبك قد ايه وبعتبرك زى صفية بالظبط

لترفع ورد وجهها إليه منتبهه لبقية حديثه والذى استكمله قائلا : انا زى مانتى عارفة يهمنى جدا مستقبلك ، وحرام بعد تعبك ده كله ماتدخليش الكلية اللى نفسك فيها ، وعشان كده لما ابويا كلمنى واتفقنا على جوازنا وأنه هيبقى متطمن عليكى وانتى معايا …مااعترضتش ، لان فعلا ماكانش ينفع ابدا انك تيجى تقعدى لوحدك حتى لو انا معاكى فى نفس البلد ، وعشان كده احنا اتجوزنا ، طبعا هيبقى جواز على الورق بس ..ماتخافيش …مش هيحصل بينا حاجة ، انتى اختى وهنفضلى كده طول عمرك ومن بكرة أن شاء الله هنروح نقدم لك الورق بتاعك فى التنسيق

لتنظر له ورد بابتسامة مهزوزة قائلة : انا مش عارفة اشكرك ازاى ياحكيم

حكيم بابتسامة : تشكرينى بانك تتعودى تعتمدى على نفسك بسرعة وتجتهدى وتنجحى كل سنة بتقدير عالى

لتومئ ورد برأسها فيقودها حكيم إلى إحدى الغرف وهو يقول : ودى ياستى اوضتك، وعاوزك لو احتجتى تغيرى فيها اى حاجة تقوليلى وانا هعمللك كل اللى انتى عايزاه

ورد بنفس ابتسامتها المهزوزة : اللى انا عاوزاه دلوقتى انى انام

حكيم : طبعا ياحبيبتى ادخلى ياللا وانا هجيبلك الشنط بتاعتك ، واوضتك فيها حمام مخصوص ،عشان تبقى براحتك وماتتكسفيش

لتمر الايام وحكيم يهتم بجمبع امورها ويتعامل معها حقا على أنها شقيقته الصغرى ، وورد بالمقابل تبادله نفس الاهتمام والمعاملة ، ولكن ما كان فى القلب مازال بالقلب فما زال حكيم فارس أحلامها دون منازع ، وكانت تحيا على أمل أن تتغير نظرته لها فى يوم ما

وكانت تنجح عاما بعد عام بامتياز مما جعلها دائما فخرا لحكيم ولجميع العائلة ،الى أن تخرجت فى السنة النهائية بامتياز مع مرتبة الشرف ليتم ترشيحها لبعثة بانجلترا لمدة ثلاثة أعوام لتحصل على الماجيستير والتحضير للدكتوراه لتعود إلى المنزل وهى ترسم بمخيلتها رد فعل حكيم على هذه الأخبار وعندما دلفت إلى داخل الشقة تفاجئت بجلوس حكيم بالشرفة وهو يحتسى فنجانا من القهوة لتعلم على الفور أن هناك أمرا ما يشغل باله بشده ، فهى عادته التى علمتها عنه طوال هذه السنوات ، لتذهب إليه بهدوء لتلقى السلام ليخرج حكيم من شروده وهو يتفحص ملامحها سائلا إياها : ايه الاخبار …فرحينى

ورد بسعادة وابتسامة هادئة : كالعادة ياحكيم ..الحمدلله امتياز مع مرتبة الشرف

حكيم بابتسامة يبدو عليها الاضطراب : الف مبروك ياورد الجناين

ورد بابتسامة : بقالك سنين ماقلتهاليش

ليستند حكيم على سور الشرفة وهو ينظر للخارج قائلا : سامحيني ياورد

ورد : على ايه حكيم

ليتنهد حكيم بشدة ثم ينظر لورد سائلا إياها : انتى عارفة أنا عندى دلوقتى كام سنة

ورد باستغراب : عندك ٣٥ سنة

حكيم : و ده ما لافتش نظرك لحاجة

ورد وقد بدأ قلبها يشعر بأن حكيم سيلقى عليها ما يعكر صفوها : قول اللى انت عاوز تقوله على طول ياحكيم

حكيم بابتسامة : من وانتى لسه بضفاير وشرايط ..كنتى اكتر واحدة بتفهمينى من غير ما اتكلم

ورد : كل اللى فهمته دلوقتى انك عاوز تقوللى حاجة ومش عارف تبتدى منين ..وانا اهوه بقوللك اتكلم وانا سامعاك

حكيم : انا بحب ياورد

ورد بذهول : بتحب !

حكيم : ايه مش من حقى انى احب واتحب

ورد وهى تحاول السيطرة على تعبيرات وجهها : مين يا حكيم

حكيم ببعض التردد: مها زميلتنا فى المكتب

ورد بدهشة : دى ماكملتش شهرين معاكم

حكيم : شدتنى من اول ماعينى وقعت عليها

ورد بذهول وصوتها يكاد أن يكون همسا : دى عكس كل اللى انت ربتنى عليه

حكيم : وعشان كده شدتنى وعندى رغبة شديدة انى اغيرها، واخليها زى مانا عاوز ، واتجوزها وابنى بيت واخلف واعيش طبيعى بقى

ورد وهى تكاد تستطيع التنفس : طلقنى ياحكيم

عودة

راحت ورد تمسح دموعها التى لم تتوقف منذ بداية تذكرها ، وتذكرت أيضا طريقة حصوله عليها ، وكم كان عنيفا فى بدايته وتحول فجأة بعد مجرد لحظات الى منتهى الرقة ، ولكن قلبها لم يسامحه ابدا ، ليس على استباحتها التى انتظرتها سنوات ولكن بأسلوب حالم ، ولكنها لم تسامحه على خيانة قلبه لها

فقد كانت تعتقد أن بمرور السنوات سوف يرى حبه بعينيها ليبادلها عشقا بعشق، ولكنه لم يراها ابدا أكثر من أخته الصغيرة

ولم تسامحه أيضا على انانيته عندما قرر أن يتزوج ويمارس حياته ويتركها هى على وضعها ، فلا هى زوجة ولا هى حرة

ولكنها أيضا لم تسامح نفسها على كتم سرها عنه ، فعندما علمت بحملها صارحت به عمها وزوجته فقط واستحلفتهم بالله أن لا يعلم حكيم شيئا عن حملها حتى لا يوقف مشروع زواجه من مها ، وانها لن تكون سعيدة ابدا إذا ردها لعصمته لمجرد حملها فقط

وعندما ثار عمها وزوجته اضطرت ورد أن تصارحهم بحقيقة زواجهم من البداية حتى صار ما صار ، ولكنها أوضحت لهما كم أن حكيم وقف بجانبها وساعدها وأنه لم يجرحها أو يخلو بها يوما واحدا ، وأنه فعل ما فعل معها فى النهاية خوفا على رجولته وسمعته

وترجتهم كثير الترجى أن يوافقاه على مارسم لحياته وزواجه من مها فكفى ضياعا لعمره

وكم بذلت من مجهود جبار حتى رضخ عمها وزوجته لمطلبها وسفرها بمفردها وهى تحمل باحشائها قطعة من حكيم لا تدرى أن كانت ستكون ذكرى لحبها ام ذكرى لاستباحته إياها تلك الليلة

………………

بعد صعود ورد إلى الطائرة غادر حكيم المطار متجها الى مكتبه وهو يشعر أن جزءا من قلبه قد غادره مع مغادرة ورد

فبعد تلك الليلة .. تغير شئ ما بداخله لا يعلم ماهيته ، لم يعد يستطيع البعد عن التفكير بورد ، ولم يستطيع أن يعود لاحساسه القديم بها كأخته صفية كما السابق ، فلم يعد يستطيع أن يراها ورد الصغيرة ، لم يعد يستطيع ألتغافل عن دقة قلبه الغريبة التى يشعر بها وقت أن تأتى ورد على خاطره ، بل عندما يرى صحبة من الورود حتى وإن كانت صورة على غلاف مجلد

لا يدرى ماحدث له ، أصبح مشوشا ، غاضبا معظم وقته ، أصبح كمن ضاع منه شئ ثمين فقد الأمل فى العثور عليه

وعندما وصل إلى مكتب المحاماه اتجه إلى غرفة مكتبه مباشرة دون الحديث مع أحد ليقف وراء نافذته يراقب حركة السير حتى سمع طرقات على الباب ووجد مها تدخل إليه دون أن يسمح لها بالدخول كما اعتادت أن تفعل مع الجميع

مها : كنت فين كل ده ياحكيم ومابتردش ليه على تليفونك ، انا وإسماعيل بنتصل بيك من بدرى

لينظر إليها حكيم بنظرة متفحصة وكلمات ورد ترن فى أذنيه(دى عكس كل اللى انت ربتنى عليه)

فمها إنسانة متحررة للغاية ، لا تضع حدودا فى التعامل بينها وبين أحد ممن تعرفهم من الجنس الآخر ، صوتها عالى دائما ، ملابسها ليست عارية ولكنها أيضا ليست محتشمة ، فدائما ماترتدى مايفصل جسدها ، تغطى رأسها بوشاح يشف شعرها وجسدها ، بل ونحرها فى بعض الأوقات ، جريئة هى ..واثقة بنفسها ..طموحة لابعد الحدود

وتذكر فى المقابل كيف أنه ربى ورد على الصوت الهادئ والملبس المحتشم ، وكيف عودها من نعومة أظافرها أن يكون تعاملها مع الجنس الآخر فى أضيق الحدود وللضرورة القصوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى