جهزت وأخدت اللي محتاجه واتجهت للباب، وقفت قدامي وقالت…
_ إبراهيم مش هتفطر؟
بصيتلها وأنا راسم الڠضب على وشي وقلت…
_مليش نفس.
اتكلمت بحنية وقالت…
_ طب خد السندويتشات.
فتحت الباب وأنا برد بجفاء وقلت…
_ مش عاوز.
وصلت الشغل وبدأت أشتغل، لغاية لما شميت ريحة بيرفيوم حريمي ناعم. رفعت راسي لقيت الست اللي جت امبارح.
_بعتلك امبارح ومردتيش عليا.
بصيتلها بتعجب وقلت…
_ ورقك مظبوط يا هانم، عدي بعد أسبوع وهيبقى خلص.
_ هو أنا عملت حاجة زعلتك مني؟
قالت جملتها بدلع. رديت عليها بصرامة وقلت…
_وأنا أعرفك عشان أزعل منك؟ انتِ مجرد واحدة ليها مصلحة وجاية تخلصها، ده اللي بينا، غير كده لا أعرفك ولا أزعل منك.
نهيت كلامي بعصبية وصوت عالي ورجعت أكمل شغلي، أما هي مشيت بحرج. رميت الورق على المكتب وأنا بتنفس بخنقة. افتكرت اللي حصل امبارح. عارف إن روفيدة ست زي أي ست أكيد حسيت بالغيرة خصوصًا إن باين على الست دي إنها مش كويسة.
خلصت شغلي وكان رخم وأصعب من كل يوم. رجعت البيت وأول ما دخلت الولاد استقبلوني زي كل يوم. انتظرت روفيدة بس مخرجتش وده زاد خنقتي أكتر.
دخلت الأوضة وحطيت شنطتي على الكمودينو، حسيت بيها بتحـ,ـضني من ضهري. ابتسمت ولفيت ليها.
_متزعلش مني، أنا آسفة، حقك عليا.
ابتسمت وقلت لها…
_ مش زعلان، مفيش حد بيزعل من روحه، إلا لو روحه مبتثقيش فيه وقتها بس ممكن يزعل منها.
مسكت إيدي وبصت في عيوني وقالت…
_ روحه بتثق فيه أكتر من نفسها.
نهيت كلامها وضميتها وقلت…
_متتخيليش يومي كان وحش إزاي طول ما أنا زعلان منك.
خرجت من حضڼي وقالت…
_ ربنا ما يجيب زعل تاني أبدًا.
مر يومين ولقيت نفس الست بعتتلي تاني بس من رقم مختلف. كانت كتبالي “أستاذ إبراهيم رد ضروري.” أول ما شفت صورتها خۏفت روفيدة تشوفها وتفكرني بكلمها.
حطيت الشات في الأرشيف وقلت هرد عليها وقت تاني.
شوية وروفيدة قامت تذاكر مع الولاد وأنا مسكت الموبايل ورديت عليها. كانت بتسألني لو جت يوم متأخر عن تسليم الورق عادي، وقلت لها مفيش مشكلة.
مر أربع أيام وجت المكتب تستلم.
_ تسمحيلي أقعد؟
رفعت راسي لقيت نفس الست. اتنهدت وقلت…
_ خير.
قعدت وهي بتقول…
_هعتبر دي موافقة.
سكتت ثواني وقالت…
_ أنا جايه أعتذر من حضرتك لو كنت ضايقتك. مشكلتي إني اجتماعية قوي وعشرية، بتعامل مع الناس كلها إنها أهلي وإخواتي وممكن أتكلم معاهم بعشم.
_ولا يهمك يا مدام، حصل خير.
_لبنى، اسمي لبنى.
ابتسمت بسماجة وقلت…
_ حصل خير يا مدام لبنى.
كنت مفكر إن الحكاية خلصت لغاية هنا، لكن لبنى كانت كل يومين تدخل تكلمني تطمن عليا وعلى أحوالي. كنت أرد وخلاص. كنت بعلقھا وأقولها مش فاضي، وآخر مرة قولتلها كلامنا ده حرام وإني راجل متجوز مينفعش كده.
بعد ما بعتلها الكلام ده، بعتتلي لو فاضي أكلمها. قولتلها مش هينفع. طلبت مني أنزل من البيت وأكلمها ضروري.
استغربت من إصرارها، فنزلت وأول ما قولتلها إني نزلت رنت عليا. رديت وأنا كلي فضول أعرف عاوزة إيه. كلمتني بأسلوب كله رقة وحنية، عمري ما شوفتها في حياتي. قالتلي إنها بتتكلم معايا كأخ مش أكتر وإنها وحيدة وملهاش إخوات ونفسها في أخ راجل يبقى في ضهرها وهي حست معايا بكده.
قولتلها إنه مينفعش وكده حرام، قالتلي إحنا إخوات فين الحړام في الكلام بين الأخوات، وهي بتطمن عليا زي أختي.
فضلت تتكلم معايا لغاية ما أقنعتني بكلامها. الغريب إني طلعت البيت مبسوط وفرحان.
أول ما رجعت البيت بعتتلي، وفضلنا نتكلم لغاية ما دخلت أنام.
من هنا، بقت لبنى حاجة أساسية في يومي، لازم نتكلم كل يوم. وأنا برة البيت بتصل بيها أطمن عليها، وأنا جوا البيت بنتكلم شات.
سجلتها باسم راجل وطلبت منها تغير صورتها على الواتس وتحط صورة مبهمة مش واضحة إنها ست. وهي كانت بتنفيذ اللي طلبته منها.
بكلامي مع لبنى اكتشفت حياة جديدة. كانت مهتمة بكل تفصيلة تخصني، عكس روفيدة اللي كانت بتنسى حاجات كتيرة، وهمها هو البيت والأكل والولاد والمذاكرة، وأنا آخر اهتماماتها. مبتسألنيش عن أحوالي ولا شغلي.
لبنى كانت الكسبانة في أي مقارنة بينها وبين روفيدة. مكناش بنتقابل كتير، لكن كل شوية تبعتلي صور ليها كلها أحلى من اللي قبلها.
الكلام بينا بدأ ياخد مجرى تاني. هنا بالتحديد حاولت أبعد عنها وأبطل أكلمها، بس كان صعب بالنسبالي. ولما صارحتها، اڼهارت وفضلت تقولي إني السند والظهر، وسألت ليه عاوز أبعد عنها. مقدرتش قدام دموعها، وقلتلها لازم نقلل كلامنا. وهي قالتلي حاضر وسَمِعت كلامي، بس أنا اللي مكنتش قادر أبعد عنها وبقيت أجر معها كلام. وهي كمان رجعت تتكلم معايا وتبعتلي صور تانية وبقى الكلام بينا منفتح ووصلت لمرحلة إني مش قادر أبعد وفي نفس الوقت خاېف أكمل.
_ بص يا بابا، أخدت شهادة من الدار عشان خلصت جزء تبارك.
قالتها ندى بفرحة وحماس، رديت عليها وأنا ماسك الموبايل وقلت…
_ شاطرة.
ردت بحماس أكتر وقالت…
_ هتجيبلي هدية إيه بقى؟
_ هديكي فلوس تجيبي اللي انتِ عاوزاه.
قلت كلماتي وقومت من مكاني، دخلت الأوضة أكمل كلامي مع لبنى.
قام إبراهيم من مكانه وبصيت لطيفة وبصيت لندى اللي حالها تبدل من الفرحة للحزن.
_ نودي حبيبتي، قوليلي بقى نفسك في إيه بمناسبة إنجازك العظيم ده؟
بصيتلي بحزن وقالت…
_ هو بابا مش فرحان إني خلصت جزء تبارك؟!
أخدتها في حضڼي وقلت…
_ لأ يا حبيبتي، فرحان طبعًا، بس بابا الفترة دي عنده مشاكل في شغله.
_ يعني هو فرحان بيا؟!
خرجتها من حـ,ـضڼي وأنا ببوـ,ـس دماغها وقلت…
_ آه يا عيوني، فرحان بيكي.
فتحت باب الأوضة فجأة لقيت إبراهيم اتخض واتعدل في قعدته. اتعمدت إني أفضل معاه، فككت شعري وبدأت أسرحه. لاحظت إنه بيتلجلج وهو بيتكلم في الموبايل والكلام مش منطقي ولا متركب على بعضه، وقفل على طول.
_ خلصتي مذاكرة مع الولاد؟
قال جملته بتوتر واضح. رديت وقلت…
_ لأ، بس قلت أجي أقعد مع زوجي حبيبي.
_ طب مخلصتيش معاهم ليه؟ الأول ممكن يناموا!
رديت بابتسامة عكس الڠضب اللي جوايا وقلت…
_ مش مشكلة.
_ لأ، روحي خلصي معاهم وتعالي. مستقبلهم أهم.
أخدت نفس وقلت…
_ مش ملاحظ إنك بقالك فترة متغير، وكل ما أجي أقعد معاك تخترعلي حجج فارغة؟ حتى مبقيتش تقعد معايا وتحكيلي عن يومك زي الأول!
بدأ يتلجلج في الكلام ويتوتر وقال…
_ أأ متغير إزاي؟ أنا زي الفل أهو!
رديت پغضب وقلت…
_ فل إيه يا إبراهيم؟ ده بنتك جيالك وهي طايرة من الفرحة تقولك خلصت جزء تبارك، وأنت ولا هنا، مشغول بالموبايل ولا مركز في كلامها أصلاً. متخيل إنها بتسألني إذا كنت زعلان من كلامها.
_ أنا أنا…
قطعت كلامه وقلت…
_ أنت متغير يا إبراهيم، وتغييرك ده هيضيعك. بقيت بتتكاسل في صلاتك، ومبقيتش تصلي الفجر زي الأول، ومش أنا بس اللي ملاحظة، ولادك كمان لاحظوا.
قطع كلامي ورفع صوته وقال…
_ هاتي كلامي من دماغك واكذبي وقولي إني بتكاسل في الصلاة.
رديت بهدوء وقلت…
_ أنا مبكذبش يا إبراهيم، بأمارة المغرب اللي ضاع والعشاء اللي أكيد نسيتها.
قلت كلماتي فسكت وملاقاش رد. اتكلمت تاني وقلت…
_ ركز في حياتك وارجع لدينك اللي بدأت تخسره، وحافظ على اللي باقي منه وقويه. راجع نفسك عشان الخسارة الجاية هتبقى بيتك.
نهيت كلامي وخرجت.
قفلت باب الأوضة ونزلت دموعي. دخلت أوضة الولاد وقفلت الباب على نفسي واتفتحت عياط. مش قادرة أتصور إن إبراهيم وصل للمرحلة دي. حسيت بۏجع في قلبي ومش قادرة أتصور إنه ممكن يعمل حاجة حرام زي دي.
كنت شاكّة فيه خصوصًا إنه متغير أوي، مبقاش مركز معانا زي الأول. طول الوقت ماسك موبايله وبيضحك. إبراهيم كان من الناس اللي ملهاش علاقة بالسوشيال ميديا ولا بتحب تتكلم شات، بقى طول الوقت قاعد بيتكلم شات مع حد. لما كنت أسأله يقولي شغل، وأنا عارفة ومتأكدة إنه كڈب.
كان الأول بيساعدني في مذاكرة الولاد والحفظ، دلوقتي بقى منعزل عننا خالص. أول ما الشك دخل قلبي، قلت يمكن أكون أهملت في حاجة. بقيت أهتم أكتر، الأكل يبقى كويس، واستقبله بصورة كويسة ومظهر حلو، رغم كده لسه في الغيبوبة اللي دخل فيها ومطلعش منها.
حاولت أهدي نفسي، وقررت أتكلم معاه تاني. تأكدت إن الولاد ناموا، دخلت أوضيتنا لقيته قاعد بيشات وبرضو بيضحك. بلعت ريقي، حسيت إن في سکينة مغروزة في قلبي ومش قادرة أتنفس.
أول ما دخلت قفل الموبايل وخرج من الشات. قعدت قدامه وقلت…
_ أنا جايّة أقولك كلمتين ومش منتظرة ترد أو تبرر. أنا ست وليا إحساس ومشاعر ومركزة كويس، واخدة بالي من كل تفصيلة تخصك. ومش معني إن الفترة دي امتحانات واهتمامي أكتر بالولاد يبقى مش مركزة معاك.
لاحظت إنه اتوتر، فكملت كلامي بنبرة حازمة وقلت…
_ أنت بقالك خمس شهور متغير، وأنا عارفة ومتأكدة إن التغيير ده وراه ست.
قلت كلماتي وبصيت في عيونه، لقيته اتوتر أوي وبدأ يعرق.
_ مترميش كلام وتصدقيه.
قال كلماته بتوتر ممزوج پغضب.
_ أنا مبرميش كلام واصدقه، أنا متأكّد من اللي بقوله، هعتبر ده كله زلة وساوس شيطان، وانت ضعفت وهساعدك تتغلب على الشيطان ده وترجع تاني لبيتك وولادك.
_ أنتِ بتقولي أي كلام وخلاص، تغيير إيه اللي أنا فيه وست إيه؟ قصدك إني بكلم ستات يا روفيدة؟ رجعت تاني تسيء الظن فيا؟
_ أنا مش بسيء الظن، أنا متأكدة. وبالنسبة للتغيير اللي بتنكره. أبسط حاجة صلاة الفجر اللي بقت بتضيعها، رغم حرصك إنك تصليها كل يوم، مش هقولك بقت بتتكاسل في الصلاة؛ لأنك عارف ده كويس. ولادك اللي كنت بتحضـ,ـنهم أول ما ترجع، دلوقتي بقىت معاهم زي الغريب، ولما يكلموك مبتردش عليهم.
وأنا يا إبراهيم، بعدت فجأة وبقى في فجوة بينا. حاولت كتير أسدها ومش عارفة. أنا بعمل كل حاجة بتحبها وأقول لنفسي أكيد هتلاحظ أو هتقولي حاجة وانت أصلاً مش مركز ولا واخد بالك. كنت بتساعدني في شغل البيت وتقولي أنا بشتغل وأنت كمان، وشغل البيت يتقسم بينا. كنت بتساعدني في مذاكره الولاد وحفظ القران. كنت زوج مثالي وفجأة كل ده بقى.
نهيت كلامي وسَمَحت لدموعي تنزل. قرب مني وحـ,ـضني وطبطب على ضهري. خرجت من ضمته فتكلم وقال…
_حقك عليا انتِ والولاد، الفترة اللي فاتت كانت ضغط عليا في الشغل والمصاريف، وكنت طول الوقت ماسك الموبيل بدور على شغل وبحاول اتعلم أي شغل أونلاين عشان كده كنت على طول ماسك الموبيل.
مسحت دموعي وقلت…
_مسمحاك يا إبراهيم، وهحاول أصدق كلامك. أنا جيتلك وبمدلك إيدي نصلح اللي باظ وهساعدك ترجع زي الأول، بس صدقني ولو رجعت تاني أو اكتشفت إن ظنوني دي صح، فأنت هتخسر كتير أوي.
بلع ريقه ومد إيده في إيدي وقال…
_وانتِ بكرة تتأكدي إن كل دي ظنون سيئة.
بصيتله وقلت..
_أتمنى.
حاولت أتصرف بعقلانية على قد ما أقدر وأحافظ على بيتي وولادي اللي كان ممكن أدمرهم بسهوله.
فضلت أدور لإبراهيم على مبررات تخليني أسامحه، وفضلت أفكر نفسي بالحلو اللي بينا وأخلي الحلو ده يشفعله.
بدأت معاه من أول الصلاة وبقيت أفكره بكل فرض، حتى وهو في الشغل، اتصل بيه أو ابعتله مسج. بقيت أجبره إنه يشارك معايا في شغل البيت ومذاكرة الولاد، كنت عارفة إنه بيعمل ده بضيق، بس كنت بتعمد أعمل كده عشان أبعده عن الموبيل. بقيت أشغل دروس علم في البيت عن التوبة، والصلاة، والذنوب، وخطوات الشيطان، بحيث أفكره طول الوقت.
بدأ فعلاً يتغير ويرجع زي الأول وبدأت أطمئن بعد مكنت عايشة في ړعب. مكنتش قادرة أتخيل إني رجعت تاني أنام وأنا مطمئنة على زوجي وولادي وبيتي.
كان مجهود جبار إني أصلح كل اللي عدى، وعلاقة إبراهيم ترجع زي الأول، وبالأخص الولاد، اللي لازم يتربوا على كده ويتربوا على وجود الأب وحبه واهتمامه بيهم.