رواية بقلم زكية محمد

الصفحة السابقةانت في الصفحة 1 من 14 صفحات

تجلس في غرفتها تلتزم الصمت كعادتها والد.موع فقط هي من تتحدث، لقد تحولت إلى شبح لا حياة فيه وذ.بلت ملامحها وتحولت إلى شخص آخر، كلما وقفت أمام المرآة ونظرت لنفسها لا تصدق أن هذه هي نفسها التي كانت عليها منذ عدة أشهر وبالتحديد منذ أن دلفت إلى عرينه، لقد نسج خيوط الحب وزين لها فخ الاحلام الوردية، وعندما سقطت في غايابات حبه المظلم كشف عن وجهه الحقيقي المخادع، لقد حولها إلى حطا.م امرأة وتركها تعاني الويلات بمفردها، يا ليتها ما كانت من الأساس هكذا تمنت بداخلها، فهو أوصلها إلى مرحلة لا تستطيع أن تسترد فيها ذاتها .

وضعت يدها على بطنها المنتفخة قليلًا وقد ازدادت دموعها هطولًا على ذلك الجنين الذي سيخرج للنور في غضون شهور ووالده لا يعلم بوجوده من الأساس.

مسحت عبراتها سريعًا حينما سمعت طرق الباب لتقول بصوت حاولت أن يكون طبيعي قدر المستطاع:- أدخل.

ولجت والدتها للداخل وهي تبتسم لها بخفوت، جلست قبالتها ومسكت يدها قائلة:- إزيك يا تقى عاملة إيه دلوقتي ؟

أردفت بخفوت وبسمة هزيلة شقت وجهها الباهت :- كويسة يا ماما .

تنهدت بحزن قائلة :- مش باين يا قلب ماما،فيكي إيه يا تقى ريحي قلبي يا حبيبتي اتكلمي متوجعيش قلبي عليكي، من وقت ما جيتي بعد سفر سفيان وأنتِ حالك غير، اتبدل خالص مش تقى بنتي اللي أعرفها دة أنتِ حتى مش راضية تقوليله إنك حامل لحد دلوقتي وأنت أهو بادئة في الرابع، حتى أهله ميعرفوش بالخبر دة في حاجة يا تقى ؟ قوليلي يا بنتي علشان أساعدك، مالك ؟

وكأنها أعطت لها الضوء الأخضر وإشارة منها لتفرغ الأثقال والهموم التي بمثابة الجبال التي استقرت فوق صدرها فأثقلت ساعدها، انفجرت باكية بعنف وهي تحت.ضن أمها والتي أصابها الخو.؟ف من حالة ابنتها تلك، أخذت تقرأ عليها بعض الآيات القرآنية حتى هدأت وأغلقت عينيها وغفت بين ذراعي أمها.

عدلتها فريدة لتنام براحة على الوسادة، وقامت بتغطيتها وقد تصاعد القلق بشدة بداخلها وعزمت على معرفة ما تخفيه ابنتها ولتضع النقاط على الحروف، قب.لت جبينها بحنو ثم غلقت النور وغادرت الغرفة وهي تدعو الله لها بالصلاح وراحة البال.

************************

يجلس طه بغرفته وهو شارد كعادته، يتذكر ذلك اليوم الذي انقسم فيه فؤاده إلى نصفين . في ذلك اليوم الذي حُكم عليه بالاعدام عندما سمعها تتحدث مع شقيقته صدفة، وهي تفصح لها عن مدى حبها لابن خاله وليد، والذي هو الآخر يبادلها نفس الشعور. وكم كانت سعيدة حينما أتى لخطبتها أما هو يشبه الحطب حينما تحرقه النيران، لقد تحطمت هذه الأحلام التي بناها في مخيلته وهي ترافقه في كل خطوة، طعنة عميقة تلقاها منها وما عاد يعرف له طريق للشفاء من هذه الندوب، شعر بالاخت*ناق الشديد وكأنه يقوم أحد بخن*قه، خرج من غرفته وتوجه للأعلى مباشرة حيث غرفة الرسم، جلس أمام أحد اللوحات يكمل رسمها بشرود .

في نفس الوقت جاء عدى ودلف ليجده على هذه الحالة، ضم شفتيه بحزن على صديقه وابن خاله، فهو يشعر بكم الألم الذي يعتريه ويعلم تمام العلم أنه لن يكون بمثابة الألم الذي يسكن في صدره، رسم ابتسامة بسيطة وقال بمرح كي ينتشله من بئر الألم الذي يغرق فيه :- ها يا بيكاسو بترسم إيه المرة دي ؟

ولكن لا حياة لمن تنادي وكأنه انفصل عن العالم ونسج له واحدًا خصيصًا يسبح فيه بأفكاره وحده، هزه من ذراعه لينتبه له الآخر فيردد:- إيه يا عم أنت مش سامعني !

هتف طه بجمود :- قولت ايه ؟

أردف عدي بهدوء وتعقل :- بقولك امتى هتفوق من الوهم دة وتفوق لحياتك ؟

رد عليه بصلابة :- دي حاجة متخصكش.

هتف بانفعال :- لا تخصني لما ألاقيك بتضيع نفسك كدة يبقى يخصني يا طه، الدنيا مش هتقف عليها كفياك ضعف بقى .

صرخ بوجهه :- أخرس .

رد عليه بنفي :- لا مش هخرس أنت ضعيف مش قادر تواجه الحقيقة و …

لم يكمل حديثه بسبب اللكمة القوية التي سددها له طه وهو يقول بعنف :- قولتلك أخرس أنت ما بتسمعش .

مسح خيط الدماء الذي سال من فمه ونظر له مرددًا بعزم :- فوق بقى هتقعد تولول زي الستات، بكرة تلاقي الاحسن منها متوقفش عليها .

صاح بجنون :- مش عاوز مش عاوز .

قال ذلك ثم أخذ يرمي كل ما تطوله يداه والآخر يتابع ثورته هذه فهو كالطائر الذي أص.ابه الإعياء، جلس أخيرًا بعد أن نفث عن موجة غضبه العارم، وفعل عدي المثل إذ جلس بجانبه وهو يقول :- أنا مش زعلان منك ومقدر اللي أنت فيه، كله مجرد وقت صدقني بس الأهم أنت لازم تحارب علشان ما تخسرش إياك تبقى غبي وتفكر في حد أنت مش في باله، في ناس تستحق حبك دة وأنك تديلهم فرصة أقلع النضارة اللي عمياك دي وبص حواليك كويس هتعرف مين اللي بيحبك بجد يا طه . بقلم زكية محمد

نظر أمامه بدون أن ينطق بحرف والآخر يهز رأسه ييأس على الحالة التي وصل إليها رفيق دربه، والذي ذاق مرارة ووجع الحب .

*****************************

تمشي حسناء بخفوت كي لا يشعر بوجودها، ويجلس عاصم يكتب بحثًا مهمًا في القسم الخاص به في الجامعة، لم ينتبه لوجودها فهو يصب جام تركيزه على ما يفعله، اقتربت منه للغاية ووضعت البالونة المنتفخة ووقفت خلفه مباشرة دون أن تصدر أي صوت، وفجأة قامت بضربها لينتج عنها فرقعة بجانب أذنه جعلته يهب واقفًا وهو يقول :- في إيه أنبوبة البوتجاز فرقعت.

أخذت تضحك على منظره بشدة بينما نظر لها بغيظ ليقول بحدة :- إيه اللي هببتبه دة ؟ مش هتعقلي أبدًا !

رددت من بين ضحكاتها العالية :- منظرك يفطس ضحك .

ضيق عينيه بمكر ليقول :- والله، عجبتك أوي.

هزت رأسها بنعم ولم تلاحظ تقدمه منها حتى قبض على خصرها على حين غرة مما جعلها تصرخ بفزع لتقول برجاء خائف:- عصومي أنت هتعمل ايه ؟

ابتسم حتى ظهرت ضروسه الحادة لتقول بخوف :- بطل ضحك يا شرير سنانك زي الديب اللي بياكل ليلى .

توقف للحظة وهو يقول بغرابة :- ليلى مين ؟

أردفت بشهقة صادمة :- بجد ؟ أنت متعرفش ليلى اللي أكلها الديب !

هز رأسه بلا وهو يظن أن الأمر جدي ليقول بفضول :- مين ليلى دي بقى الله يرحمها ؟

أجابته ببساطة :- دي ليلى اللي في الكرتون هو أنت مشفتهوش ؟ هبقى أقولك عليه لما يجي تاني .

حدجها بنظرات نارية لو كانت رص*اصًا لانهت عليها في الحال، ازدردت ريقها بتوتر لتقول بخفوت :- عاصم حبيبي مالك ؟

أردف بوعيد مخيف لها :- عارفة يا حسناء أنا ممكن أعمل فيكي ايه ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى